الرئيسيةأخبارحين تصبح الطبيعة وأسلوب الحياة تراثاً إنسانياً: الدنمارك تراهن على ذاكرة المكان

حين تصبح الطبيعة وأسلوب الحياة تراثاً إنسانياً: الدنمارك تراهن على ذاكرة المكان

التراث الطبيعي

التراث الدنماركي.. حين تتحول الطبيعة والذاكرة اليومية إلى قوة ثقافية عالمية

لم يكن قرار إدراج مواقع دنماركية جديدة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، السبت الماضي، مجرد إضافة إدارية إلى سجل دولي. ففي بلد صغير لا تتجاوز مساحته نحو 43 ألف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانه قرابة ستة ملايين نسمة، يحمل هذا الاعتراف دلالة تتجاوز حدود حماية موقع طبيعي أو أثري بعينه. إنه تأكيد على أن جزءاً من ذاكرة المكان ومناظر البلاد الطبيعية يمتلك قيمة إنسانية مشتركة، تتجاوز الانتماء الوطني لتصبح ملكاً للبشرية جمعاء.

ومن بين المواقع التي حظيت بهذا الاعتراف الدولي، تبرز المنحدرات الواقعة غرب مضيق ليمفيورد في شبه جزيرة جوتلاند، وتحديداً منحدرات هانكليت في جزيرة مورس وكنودكلينت في جزيرة فور. ورغم أنها تبدو للوهلة الأولى مجرد مشاهد طبيعية ساحرة، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها سجلاً جيولوجياً مفتوحاً يوثق تاريخ الأرض منذ ملايين السنين.

فالطبقات الصخرية التي تشكلت قبل نحو 55 إلى 56 مليون عام تحتفظ بأحافير نادرة لأسماك وطيور وسلاحف وحشرات، ما يجعل هذه المواقع من بين أهم المناطق العلمية في العالم لدراسة تطور الحياة على الكوكب والتحولات المناخية التي عرفتها منطقة شمال أوروبا عبر العصور. إنها ليست مجرد مناظر خلابة، بل صفحات من تاريخ الأرض تسمح للعلماء بفهم التحولات الكبرى التي صنعت البيئة الحالية.

غير أن الاعتراف الدولي لا يخلو من تحديات. فشهرة هذه المواقع بعد إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في أعداد الزوار، حيث تشير التقديرات إلى احتمال استقبال ما بين 100 ألف و200 ألف سائح إضافي سنوياً، أي بزيادة قد تصل إلى نحو 30 في المائة. وهو ما يضع السلطات المحلية أمام معادلة دقيقة تقوم على تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من السياحة وحماية الأنظمة الطبيعية الهشة.

ولم تعد مواقع التراث العالمي في أوروبا مجرد فضاءات للزيارة أو الدراسة الأكاديمية، بل أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة. فشهادة اليونسكو تمنح المواقع إشعاعاً عالمياً يساعد على تنشيط السياحة، ودعم قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والصناعات التقليدية، كما يمنح المناطق الريفية فرصاً جديدة لجذب الاستثمارات والحد من تمركز التنمية في المدن الكبرى.

وتنظر الدنمارك إلى هذا التراث باعتباره استثماراً استراتيجياً طويل الأمد. فالمواقع الطبيعية والتاريخية لا تمثل فقط استعادة للماضي، بل تتحول إلى أدوات لصناعة المستقبل وتعزيز صورة البلاد على المستوى الدولي. وفي عالم أصبحت فيه الثقافة إحدى ركائز القوة الناعمة للدول، لم تعد الهوية الوطنية تُبنى فقط على الاقتصاد والصناعة، بل أيضاً على القصص التي ترويها الشعوب عن تاريخها، وطبيعتها، وأنماط عيشها.

وتضم قائمة التراث العالمي في الدنمارك مجموعة من المواقع التي تعكس مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، من بينها كاتدرائية روسكيلد، وقلعة كرونبورغ، وآثار يلينغ المرتبطة بعصر الفايكنغ، إضافة إلى مواقع ثقافية وطبيعية في غرينلاند تجسد علاقة الإنسان بالبيئة القطبية وتاريخ السكان الأصليين. كما تشمل القائمة فضاءات مرتبطة بالماضي الزراعي والبحري للدنمارك، بما يعكس علاقة المجتمع بالبحر والأرض والتجارة.

غير أن الرهان الدنماركي لا يقوم على جمع أكبر عدد ممكن من المواقع ضمن قائمة اليونسكو، بل على بناء رواية ثقافية متكاملة عن بلد تشكلت هويته من عناصر متعددة: البحر، والفايكنغ، والزراعة، والتجارة، والقدرة على التعايش مع الطبيعة.

وفي السنوات الأخيرة، توسع النقاش داخل الدنمارك ليشمل مفهوماً أكثر شمولاً للتراث، لا يقتصر على المباني القديمة والمناظر الطبيعية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والممارسات الاجتماعية. فقد دعا وزير الثقافة المواطنين إلى اقتراح عناصر تعكس خصوصية المجتمع الدنماركي، مثل ثقافة ركوب الدراجات، والمأكولات التقليدية، والحرف اليدوية، إضافة إلى مفهوم “هوغا” (Hygge) الذي أصبح معروفاً عالمياً باعتباره تعبيراً عن أسلوب حياة يقوم على البساطة والدفء والاستمتاع باللحظات اليومية.

وكما أصبحت الساونا جزءاً من الصورة الثقافية العالمية لفنلندا، والتانغو أحد رموز الهوية الأرجنتينية، تسعى الدنمارك إلى تقديم عناصر من ثقافتها اليومية باعتبارها مكونات لتراث إنساني مشترك. فالتراث، في مفهومه المعاصر، لم يعد مجرد آثار حجرية محفوظة في المتاحف، بل أصبح أيضاً طريقة للعيش، وذاكرة جماعية، وقصة إنسانية تتجدد مع الزمن.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *