الرئيسية ⁄ أخبار ⁄ زجاج محطم ورمل وفرس بحر في كتب سريالية نادرة بـMoMA

زجاج محطم ورمل وفرس بحر في كتب سريالية نادرة بـMoMA

الكتاب السريالي

يستعد متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) لفتح أبوابه أمام معرض استثنائي يحتفي بالكتاب بوصفه عملاً فنياً قائماً بذاته، من خلال مجموعة نادرة من الإصدارات السريالية التي تتجاوز حدود النص والصورة لتجعل من الورق والغلاف والتجليد والمواد غير التقليدية عناصر أساسية في التجربة الإبداعية.

ويحمل المعرض عنوان «الكتاب السريالي: الغد يعيش في المرايا»، وينطلق في 4 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ويستمر إلى غاية 23 يناير/كانون الثاني 2027. ويقدم للمرة الأولى في تاريخ المتحف مجموعة مختارة من الكتب الفنية النادرة المنتمية إلى مجموعة هيلين وسام زيل، مستعرضاً تطور هذا النوع من الإبداع منذ بدايات الحركة السريالية في عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى أعمال تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن نفسه.

وتضم المجموعة أعمالاً لفنانين وكتّاب ارتبطت أسماؤهم بالحركة السريالية، من بينهم أندريه بريتون، وسلفادور دالي، وكلود كاهون، وبول إيلوار، وتويين، وماكس إرنست وأونيكا زورن. وتكشف هذه الأعمال عن مقاربة مختلفة للكتاب، إذ لم يعد مجرد وعاء للنصوص والصور، بل تحول إلى مساحة مفتوحة للتجريب، تتداخل فيها المواد والملمس والشكل مع المحتوى الفني.

ومن أبرز المعروضات كتاب «حظر المعرفة» لجورجيو دي كيريكو وبول إيلوار، الذي صدر عام 1928 وأعيد تجليده بعد سنوات، تحديداً سنة 1936. ويضم الكتاب إعادة طبع لرسم من أعمال دي كيريكو، فيما يتكون غلافاه من صفائح من زجاج الرصاص المحطم، بينما تجمع صفحاته الداخلية بين أوراق ذات مظهر معدني وأخرى أنجزت بتقنية «الدكلكومانية»، التي تقوم على نقل ألوان الغواش إلى سطح آخر بطريقة تسمح بتكوين تأثيرات عفوية وغير متوقعة. وتحمل النسخة المعروضة في المتحف الرقم 14 ضمن إصدار محدود من 100 نسخة.

وفي كتاب «بيان السريالية؛ السمك القابل للذوبان» لأندريه بريتون، الصادر سنة 1924 وأعيد تجليده عام 1931، تتداخل النصوص المطبوعة مع تعليقات بريتون ومخطوطات إضافية وقصيدة كولاج من أعماله. أما التجليد الخاص الذي أنجزه بول بونيه، فقد استخدم فيه النيكل والفضة، في حين تحمل النسخة المعروضة الرقم الأول ضمن مجموعة لا تتجاوز 19 نسخة.

ويبرز كذلك كتاب «الحبل بلا دنس»، الذي جمع أعمال سلفادور دالي وأندريه بريتون وبول إيلوار، وصدر سنة 1930 قبل أن يخضع لإعادة تجليد عام 1942. ويضم المجلد رسماً أصلياً بالقلم الرصاص من أعمال دالي، إلى جانب مواد مخطوطة لبول ونوش إيلوار وبريتون ودالي. ويتميز غلافاه بتجليد جلدي أسود، وصور فوتوغرافية مطبوعة بتقنية الجيلاتين الفضي، فضلاً عن تطعيمات جلدية ملونة وزخارف بارزة وذهبية.

وتتخذ التجربة الفنية شكلاً أكثر غرابة في كتاب «Onan»، الذي أنجزه دالي بالتعاون مع الكاتب جورج هونييه والمجلد الفني لويس كريستي عام 1934. فقد استُخدم الرمل المصبوغ داخل الغلاف الأمامي، محصوراً بين صفائح من زجاج الرصاص، بينما احتوى الغلاف الخلفي على فرس بحر مجفف مثبت بالطريقة نفسها، في معالجة تجعل المواد الطبيعية جزءاً لا ينفصل عن بنية الكتاب.

ويضم المعرض أيضاً «اعترافات ملغاة» لكلود كاهون ومارسل مور، الصادر عام 1930، حيث تتجاور النصوص مع عشر نسخ مطبوعة بالحفر الضوئي لمونتاجات فوتوغرافية، إلى جانب نسخة إضافية من إحدى الصور الفوتوغرافية، بما يعكس الحضور القوي للصورة والتجريب الفوتوغرافي في الكتاب السريالي.

ومن الأعمال التي تكشف اتساع مفهوم الكتاب الفني أيضاً «من حصون النوم: قصائد محققة» لتويين وييندريخ هايسلر، الصادر عام 1940. ويحتوي هذا العمل على ثماني صور فوتوغرافية مطبوعة بتقنية الجيلاتين الفضي، توثق مشاهد وبيئات أعدها الفنانان وصورها ميرو برنات وفيكتور رادنيتزر، مع تثبيت كل صورة على ورق معدني.

أما أونيكا زورن، فتقدم في عملها «النبوءة والاستعراض، الكتاب الرابع: الجناس والرسوم» الصادر عام 1960، تصوراً أكثر تحرراً لمكونات الكتاب، إذ تتداخل الأحبار والأقلام والأوراق الممزقة والنباتات المجففة والريش والأظرفة وورقة لعب وبكرة خيط مع صفحات المجلد وتجليده الورقي الأحمر.

ومن خلال هذه الأعمال، يقدم متحف الفن الحديث في نيويورك قراءة خاصة لتاريخ الكتاب داخل الحركة السريالية، موضحاً كيف انتقل الكتاب من كونه وسيطاً لنقل النص والصورة إلى عمل فني متكامل. ففي هذه التجارب، يصبح الغلاف والتجليد والمواد المستخدمة والملمس وحتى العناصر غير المألوفة جزءاً من اللغة البصرية، فيما تتحول الصفحة نفسها إلى مجال مفتوح للخيال والتجريب.

ويكشف المعرض بذلك عن جانب أقل تداولاً من تاريخ السريالية، حيث لم يقتصر طموح الفنانين على كسر القواعد في الرسم والكتابة، بل امتد أيضاً إلى إعادة تصور ماهية الكتاب وحدوده المادية، وتحويله إلى مساحة تجمع بين الأدب والفن والحرفة والمواد غير التقليدية.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *