الرئيسية ⁄ أخبار ⁄ اطلالات: 61.98%  لم يصوّتوا… فمن سدّ شهية المغاربة؟

اطلالات: 61.98%  لم يصوّتوا… فمن سدّ شهية المغاربة؟

العزوف عن التصويت في المغرب.. من سدّ شهية المغاربة؟

       حين أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية بلغت 38.02%، بدا

الرقم، للوهلة الأولى، مجرد نسبة تُضاف إلى جداول الانتخابات. لكن بعض الأرقام لا ينبغي أن تمرّ

كالأرقام.لأن خلف نسبة 38.02% مواطنين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع، وخلف النسبة الأخرى، التي

تبلغ حسابيًا 61.98% من المسجلين في اللوائح الانتخابية، مواطنين لم يذهبوا.

وهنا يبدأ التساؤل الذي تتوالد منه الأسئلة، واحدًا يجرّ الآخر.

لا نستطيع أن نقول إن كل من لم يصوّت كان محتجًا، كما لا نستطيع أن نقول إن كل من صوّت كان

مقتنعًا؛ فالأسباب متعددة، والرقم وحده لا يكشف لنا ما دار في ذهن كل مواطن.

لكننا نستطيع أن نتساءل:

لماذا لم يعد صندوق الاقتراع قادرًا على استقطاب أغلبية المسجلين؟

هل ابتعد المواطن عن السياسة؟

أم أن السياسة ابتعدت عن المواطن؟

والفرق بين السؤالين شاسع جدًا.

فالمواطن الذي لا يذهب إلى الصندوق قد يكون هو نفسه الذي يناقش الأسعار، والتعليم، والصحة، والشغل، والعدالة، وتفاصيل الحياة اليومية. يتابع الأخبار، ويغضب، وينتقد، ويطالب، ويعبّر عن رأيه في كل مكان.

فهل يمكن أن نسمي هذا المواطن «غير مبالٍ» لمجرد أنه لم يضع ورقة في صندوق الاقتراع؟

ربما ينبغي أن نبحث عن معنى آخر.

من سدّ شهية المغاربة؟

ليس السؤال اتهامًا لجهة بعينها، ولا حكمًا مسبقًا على الأحزاب أو المؤسسات.

إنه سؤال عن تلك المسافة التي نشأت بين المواطن وصوته.

ما الذي جعل الانتخابات، وهي لحظة يفترض أن يشعر فيها المواطن بأن له كلمة في صناعة المستقبل، لا تستقطب إلا هذه النسبة؟

هل يتعلق الأمر بالخطاب السياسي؟

أم بصورة الأحزاب؟

أم بالمسافة بين الوعود والنتائج؟

أم بشعور المواطن بأن صوته، بعد أن يخرج من صندوق الاقتراع، يفقد قدرته على التأثير؟

وهذا ربما هو الأخطر، والأكثر بعثًا على اليأس.

أم أن ضعف الصلة بين المسؤولية والمساءلة، في نظر المواطن، ساهم بدوره في تغلغل هذا اليأس؟

فالمواطن الذي يؤمن بصندوق الاقتراع بوصفه ممارسة ديمقراطية، يفترض أيضًا أن يؤمن بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لأنه لا يعقل أن ننتقي من الديمقراطية ما يوافق الأهواء الشخصية؛ فنؤمن بصندوق الاقتراع حين يخدم اختيارنا، ثم نغض الطرف عن مبدأ المحاسبة حين تصبح المحاسبة غير مريحة.

فالديمقراطية لا تُؤخذ انتقائيًا؛ المشاركة فيها تقابلها مسؤولية، والمسؤولية تقابلها مساءلة.

ومن هنا يبدأ سؤال أكثر خطورة في التسلل إلى الوعي العام:

ما الجدوى من المشاركة إذا لم تكن المسؤولية مقرونة بالمحاسبة؟

فالمشاركة لا تعيش على النداء إليها وحده.

إنها تحتاج إلى إحساس المواطن بأن صوته لا ينتهي عند الصندوق، وأن من يتولى المسؤولية يظل، بطريقة أو بأخرى، تحت عين المجتمع ومساءلته.

وتحتاج، أيضًا، إلى أن يشعر المواطن بأن أداء من منحه ثقته قابل للتقييم والمحاسبة، قبل أن يُطلب منه أن يمنحه ثقته من جديد.

هل تكفي 38.02%؟

وهنا يفرض نفسه سؤال أكبر:

هل تكفي مشاركة 38.02% لكي نقول إننا أمام ممارسة ديمقراطية مكتملة المعنى؟

لا يتعلق السؤال بالطعن في قانونية الانتخابات، ولا بمصادرة حق من شاركوا فيها.

فالمؤسسات الانتخابية والقواعد القانونية هي التي تحدد شروط صحة العملية الانتخابية ومخرجاتها. لكن الديمقراطية لا تختزل في سلامة الإجراء وحده.

إنها أيضًا مشاركة، وتمثيل، وثقة، وشعور بأن صوت المواطن قادر على إحداث أثر.

ولهذا، فإذا كان أكثر من نصف المسجلين لم يشاركوا، فربما لا يكفي أن نقول:

لقد جرت الانتخابات وانتهى الأمر.

السؤال الأعمق ليس:

هل توجد ديمقراطية أم لا؟

بل:

أي عمق للمشاركة الديمقراطية نريد؟

وهل نستطيع أن نكتفي بممارسة ديمقراطية صحيحة من حيث الإجراء، إذا ظل جزء كبير من المواطنين بعيدًا عن المشاركة فيها؟

هنا يصبح الرقم 38.02%  ليس حكمًا على الديمقراطية، وإنما سؤالًا موجهًا إلى الديمقراطية نفسها:

ماذا تفعل حين يبتعد عنها أكثر من نصف المسجلين؟

وهل يكون العلاج بمطالبة المواطن بالعودة إلى الصندوق فحسب؟

أم بإعادة بناء الأسباب التي تجعله يريد العودة إليه؟

لكن ماذا عن الذين لم يدخلوا أصلًا في الحساب؟

وهنا تظهر طبقة أخرى من السؤال، ربما تكون أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى.

عندما نقول إن 61.98%  لم يصوّتوا، فإننا نتحدث عن 61.98% من المسجلين في اللوائح الانتخابية، لا عن جميع المغاربة الذين بلغوا سن التصويت.

وهذا التفصيل ليس هامشيًا.

ففي معطيات المشهد الانتخابي لسنة 2021، أشارت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن عدد المغاربة في سن التصويت بلغ نحو 25.226  مليونًا، بينما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية نحو 17.509 مليونًا، أي إن معدل التسجيل بلغ 69.4% من السكان في سن التصويت.

إذن، قبل أن نسأل:

لماذا لم يصوّت 61.98% من المسجلين؟

ربما علينا أن نطرح سؤالًا أسبق:

وماذا عن الذين لم يسجلوا أصلًا؟

فهم لا يظهرون في نسبة المشاركة، ولا يدخلون في نسبة العزوف، ولا يظهرون في الرقم الذي نقرأه يوم إعلان النتائج.

إنهم، ببساطة، خارج المعادلة الانتخابية.

وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

فنحن أمام مواطنين مسجلين لم يذهبوا إلى الصندوق، ومواطنين آخرين في سن التصويت لم يدخلوا أصلًا إلى اللوائح الانتخابية.

ولا يجوز لنا أن نفترض أن هؤلاء جميعًا يملكون موقفًا سياسيًا واحدًا؛ فقد تكون وراء عدم التسجيل أسباب مختلفة، تمامًا كما تتعدد أسباب عدم التصويت.

لكن مجرد وجود هذه الفئة خارج اللوائح يستحق وقفة تأمل.

لأن السؤال لم يعد فقط:

لماذا لم يذهب بعض المسجلين إلى صناديق الاقتراع؟

بل يصبح:

لماذا لا يصل جزء من المواطنين، أصلًا، إلى مرحلة التسجيل والمشاركة؟

وهنا نحتاج إلى التمييز بين ثلاثة أرقام مختلفة:

من هم في سن التصويت.

ثم من سجلوا في اللوائح الانتخابية.

ثم من ذهبوا فعلًا إلى صناديق الاقتراع.

وكل رقم منها يحكي قصة مختلفة.

لذلك، فإن قراءة نسبة المشاركة وحدها قد تعطينا صورة صحيحة من الناحية الحسابية، لكنها لا تمنحنا بالضرورة الصورة الاجتماعية والسياسية الكاملة.

وربما تكون الوقفة الحقيقية التي تستحقها هذه النتائج هي أن نسأل عن المسافة الكاملة:

من المواطن الذي بلغ سن التصويت،

إلى المواطن الذي سجل اسمه،

إلى المواطن الذي ذهب إلى الصندوق،

ثم إلى المواطن الذي يشعر، بعد كل ذلك، أن صوته ترك أثرًا في حياته.

فإذا كانت الديمقراطية لا تختزل في لحظة وضع الورقة في الصندوق، فإن أزمة المشاركة لا ينبغي أن تُقاس فقط بمن لم يصوّت.

بل علينا أن نتأمل أيضًا في أولئك الذين لم يدخلوا أصلًا إلى دائرة المشاركة الانتخابية.

وهنا يصبح السؤال أكثر اتساعًا:

كم مواطنًا نطلب منه أن يختار، قبل أن نسأل: ماذا فعلنا لكي يشعر بأن الاختيار يعنيه؟

إنها ليست دعوة إلى تحميل المسؤولية لطرف واحد، ولا إلى افتراض أن كل غير المسجلين أو غير المصوتين يحملون الموقف نفسه.

إنها دعوة إلى قراءة الرقم من جميع جهاته.

لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأوراق التي دخلت الصندوق، وإنما أيضًا بحجم المواطنين الذين يشعرون أن لهم مكانًا وصوتًا وتأثيرًا داخل المجال العام.

وربما تستحق هذه النتائج، لهذا السبب تحديدًا، وقفة متأملة دقيقة.

هل التصويت هو الطريق الوحيد؟

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل التصويت هو الطريق الوحيد الذي يستطيع المواطن من خلاله أن يقول ما يريد؟

فالمواطن يستطيع أن ينخرط في العمل الجمعوي والنقابي، وأن يشارك في النقاش العمومي، وأن يقدم العرائض، وأن يحتج سلميًا، وأن يستعمل الفضاء الرقمي، وأن يراقب أداء ممثليه ويطالبهم بالمحاسبة.

الديمقراطية لا تبدأ صباح الانتخابات وتنتهي عند إغلاق الصناديق.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو:

هل هذه الأبواب مفتوحة وفاعلة بالقدر الذي يجعل المواطن يشعر أن صوته مسموع، وأن مشاركته تصنع فرقًا؟

فالمشكلة ليست فقط أن يعزف المواطن عن التصويت.

المشكلة الأكبر أن يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يرى جدوى من أي شكل من أشكال المشاركة.

أما إذا كان لا يزال يتحدث، ويناقش، ويحتج، ويطالب، ويقترح، ويحاسب، فربما لم ينسحب من المجال العام.

ربما غيّر فقط الطريق الذي يسلكه صوته.

ماذا يقول لنا الرقم؟

ولهذا لا أريد أن أسأل:

لماذا لم يصوّت المغاربة؟

بل أريد أن أسأل:

ماذا يقول لنا هذا الرقم؟

38.02% ذهبوا إلى صناديق الاقتراع.

فماذا عن الذين لم يذهبوا؟

وماذا عن الذين لم يكونوا مسجلين أصلًا؟

هل كانوا صامتين؟

أم أن صمت بعضهم كان كلامًا، لكننا لم نتعلم بعد كيف نقرأه؟

وربما السؤال الأكثر إلحاحًا:

إذا أغلق المواطن باب صندوق الاقتراع، فهل فتحنا له أبوابًا أخرى يقول من خلالها بوضوح: هذا ما أريد؟

ومن سدّ شهية المغاربة؟

قد لا يكون الجواب في الرقم نفسه.

وقد لا يكون هناك جواب واحد أصلًا.

لكن الرقم يترك أمامنا حقيقة لا ينبغي تجاهلها:

هناك مسافة بين المواطن وصندوق الاقتراع… وهناك مسافة أخرى تسبق الصندوق نفسه، بين المواطن واللوائح الانتخابية.

وحان الوقت لأن نسأل:

من صنع هذه المسافات؟

ومن جعل سؤال «ما الجدوى؟» أكثر حضورًا من سؤال «من أختار؟»

لعل الوقفة التي تستحقها هذه الانتخابات ليست فقط عند عدد من صوّتوا، ولا حتى عند عدد من لم يصوّتوا.

بل عند السؤال الأعمق:

كم مواطنًا يشعر أن صوته، أينما عبّر عنه، يمكن أن يصنع فرقًا؟

فالأرقام لا تتحدث وحدها.

نحن من نقرأها.

والقراءة الجادة لا تبحث عن مذنب جاهز، بقدر ما تبحث عن معنى ينبغي أن نفهمه قبل أن نطلب من المواطن أن يشارك من جديد.

الدكتورة نزهة الماموني

الدكتورة نزهة الماموني
الدكتورة نزهة الماموني

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *