حقق فيلم “The Odyssey” للمخرج كريستوفر نولان نجاحًا استثنائيًا منذ وصوله إلى دور العرض، بعدما تجاوزت إيراداته العالمية 650 مليون دولار خلال أسبوعين فقط، ليعتلي صدارة الأفلام الحية الأكثر تحقيقًا للعائدات في عام 2026، ويقترب بخطى ثابتة من دخول نادي المليار دولار.
لكن الأثر الذي أحدثه الفيلم لم يتوقف عند الأرقام القياسية في شباك التذاكر، إذ امتد ليعيد إحياء الاهتمام بإحدى أشهر الملاحم الأدبية في التاريخ. فقد سجلت قصيدة “الأوديسة” لهوميروس ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات القراءة والشراء بعد عرض الفيلم، في مؤشر على قدرة السينما على إعادة الجمهور إلى الأدب الكلاسيكي.
وأظهرت بيانات حديثة أن مبيعات “الأوديسة” في المملكة المتحدة ارتفعت بنسبة 70% مقارنة بعام 2025، فيما قفزت مبيعاتها في الولايات المتحدة بنسبة 76% منذ بداية العام، وفق أرقام مؤسسة “سيركانا بوك سكان”. كما شهدت منصة “سبوتيفاي” في فرنسا زيادة لافتة تجاوزت 752% في معدلات الاستماع اليومية للكتاب الصوتي خلال منتصف يوليو مقارنة بالشهر السابق.
ولم يتوقف تأثير العمل عند حدود القراءة، بل امتد إلى الاهتمام باللغة اليونانية نفسها، إذ كشفت بيانات “غوغل ترندز”، استنادًا إلى منصة “بريبلي” وصحيفة “The Times”، عن زيادة وصلت إلى 5000% في عمليات البحث عن عبارة “تعلم اليونانية” خلال الأسبوعين الماضيين.
وترى خبيرة اتجاهات تعلم اللغات في منصة “بريبلي”، مادلين إينوس، أن هذا الاهتمام يعكس رغبة الجمهور في الاقتراب من عالم هوميروس، موضحة أن اليونانية القديمة، التي كُتبت بها الملحمة، تختلف عن اليونانية الحديثة، غير أن تعلم أي منهما يمنح المهتمين فرصة لفهم أعمق للثقافة اليونانية وتراثها الممتد عبر القرون.
وفي الوقت الذي أشاد فيه كثيرون بقدرة نولان على تقديم معالجة سينمائية معاصرة للنص الكلاسيكي، واجه الفيلم انتقادات من بعض المتخصصين في الأدب الإغريقي، الذين اعتبروا أن الرؤية الإخراجية ابتعدت عن روح الملحمة الأصلية، خاصة مع اعتماد الحوار باللغة الإنجليزية الحديثة.
ومن بين أبرز المنتقدين الباحثة والمترجمة البريطانية الأمريكية إميلي ويلسون، التي اعتبرت أن الفيلم يركز على الإبهار البصري أكثر من البناء الدرامي، وأن شخصياته لا تمتلك العمق الكافي لتجسيد القضايا الإنسانية التي تناولها هوميروس، مثل الزمن والذاكرة والحرب والهوية والعلاقات الإنسانية.
كما رأت ويلسون أن السيناريو يفتقر إلى التماسك النفسي والعاطفي، وأن دوافع الشخصيات تبدو غير مقنعة، مؤكدة أن العمل لا يرتقي إلى مستوى الملحمة الأدبية التي استند إليها.
ورغم هذه الملاحظات، أقرت الباحثة بأن الفيلم نجح في تحقيق إنجاز ثقافي مهم، بعدما دفع أعدادًا كبيرة من الجمهور إلى اكتشاف الأدب اليوناني القديم، والعودة إلى قاعات السينما في الوقت نفسه، معتبرة أن هذا الأثر يستحق التقدير.
من جانبها، وصفت مراجعة نشرها موقع Euronews Culture الفيلم بأنه مشروع سينمائي طموح يقدم قراءة حديثة لشخصية أوديسيوس بعيدًا عن التناول التقليدي للعناصر الأسطورية، إلا أنها أشارت إلى أن إيقاع الأحداث والمونتاج وغياب العمق العاطفي حالت دون وصول العمل إلى مستوى الطموحات الكبيرة التي صاحبت إنتاجه.
طنجة الأدبية

