يواصل النحات البريطاني المقيم في ألمانيا توني كراغ استكشاف التحولات الدائمة التي تطرأ على المادة، وسعي الإنسان إلى فهمها من زوايا متعددة لا تنتهي. وقد جسّد هذه الرؤية في معرضه “محيط من القطرات”، الذي اختتم فعالياته نهاية الشهر الماضي في مدينة فينيسيا، حيث ضم مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الزجاج والخشب والحجر، مقدماً قراءة فنية تكشف العلاقة بين البنية الداخلية للمواد ومظهرها الخارجي.
ويأتي هذا المشروع الفني امتداداً لمسيرة كراغ القائمة على إعادة صياغة العلاقة بين الشكل والمادة والمعرفة، وهي الرؤية التي أسهمت في منحه جائزة الثقافة الأوروبية لعام 2026، التي أعلن المنتدى الثقافي الأوروبي عن فوزه بها، على أن يتسلمها رسمياً في الرابع من سبتمبر المقبل بمدينة أمستردام. وأوضح المنتدى أن اختيار كراغ جاء تقديراً لإسهاماته التي تمزج بين الفن والعلوم والطبيعة، وتمنح المنحوتة أبعاداً فكرية تتجاوز شكلها التقليدي.
وُلد توني كراغ في مدينة ليفربول البريطانية عام 1949، وكانت بداياته المهنية بعيدة عن الفن، إذ عمل في مختبر للكيمياء، وهي تجربة تركت بصمة واضحة على نظرته الإبداعية، بعدما منحته فهماً دقيقاً للخصائص الفيزيائية والبنية المجهرية للمواد، قبل أن يتجه لاحقاً إلى دراسة الفنون ويتفرغ لمسيرته الإبداعية.
وفي عام 1976 التحق بالتدريس في مدرسة الفنون الجميلة بمدينة ميتز الفرنسية، ثم انتقل بعد عام واحد إلى مدينة فوبرتال الألمانية التي أصبحت مقر إقامته ونشاطه الفني، كما انضم منذ عام 1978 إلى هيئة التدريس في أكاديمية دوسلدورف للفنون، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في أوروبا.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، برز كراغ كأحد أبرز رموز حركة “النحت البريطاني الجديد”، متأثراً بالواقعية الجديدة والدادائية المعاصرة. وفي بداياته اعتمد على إعادة توظيف المواد المهملة ومخلفات الحياة اليومية، محولاً إياها إلى أعمال فنية نابضة بالحياة، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى الاشتغال على خامات أكثر تقليدية مثل الخشب والبرونز والزجاج والفولاذ المصقول، مقدماً منحوتات تجريدية تتسم بتراكمات وانحناءات عضوية تعكس فلسفته القائمة على النمو الطبيعي للمادة وتحولها المستمر.
كما أسس في مدينة فوبرتال حديقة “والدفريدن” للنحت، التي تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أبرز حدائق النحت المعاصر في أوروبا، ومتحف مفتوح يحتضن أعمالاً فنية تتناغم مع الطبيعة، ليصبح فضاءً يجمع بين الإبداع التشكيلي والبيئة في تجربة بصرية متكاملة.
وفي عام 2024، أثار كراغ اهتمام الأوساط الفنية بمعرضه “توني كراغ: الرجاء اللمس!” الذي استضافه متحف “كونست بالاست” في دوسلدورف، حيث كسر أحد أكثر الأعراف المتحفية رسوخاً بإتاحة الفرصة للجمهور للمس منحوتاته والتفاعل معها مباشرة، معتبراً أن اللمس يمثل مدخلاً لفهم الكتلة والفراغ واستيعاب الأبعاد الفكرية للعمل الفني، بما يعيد تعريف العلاقة بين المتلقي والمنحوتة.
أما معرضه الأحدث “محيط من القطرات”، الذي أقيم بالتزامن مع الدورة الحادية والستين من بينالي فينيسيا، فيتخذ من منحوتة زجاجية تحمل الاسم ذاته محوراً رئيسياً للعرض، وقد أنجزها بالتعاون مع حرفيي جزيرة مورانو الإيطالية. وتعكس هذه القطعة خلاصة تجربة فنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، إذ تبدو المنحوتة كأنها كائن حي يتحرك باستمرار، ينبض بالطاقة والانسياب، ويمنح الزجاج الصلب مظهراً يوحي بالمرونة والسيولة، في تجسيد بصري لفكرة التحول الدائم التي تشكل جوهر تجربة توني كراغ الفنية.
طنجة الأدبية

