الرئيسيةأخبارأمين ناسور يحوّل المصعد إلى فضاء للذنب والانتقام والغفران

أمين ناسور يحوّل المصعد إلى فضاء للذنب والانتقام والغفران

مسرحية المصعد

يحوّل المخرج أمين ناسور في مسرحية «المصعد» فضاءً يومياً مألوفاً إلى مساحة مغلقة تنكشف داخلها طبقات خفية من الشخصيات، بعدما يجد أربعة أشخاص أنفسهم عالقين بين طابقين، في انتظار نجدة تتأخر، ووسط ظرف استثنائي يسقط تدريجياً الأقنعة التي يرتديها كل واحد منهم في حياته العادية.

وقدّم العرض، الذي شهدته خشبة مركب باحنيني بالرباط في السادس من الشهر الجاري، تصوراً مسرحياً يقوم على وضع أربعة غرباء داخل مصعد متوقف، قبل أن يتحول الانتظار إلى مواجهة مع الذات والذاكرة والأسرار. فحين تتعطل الآلة، تتعطل معها أيضاً الوظائف والأدوار الاجتماعية التي تمنح أصحابها شعوراً بالسيطرة، ليجد كل شخص نفسه أمام حقيقة يصعب إخفاؤها.

يفتتح العرض بصورة تفاحة معلقة بين الغصن والسماء قبل أن تسقط، في إحالة إلى لحظة اكتشاف قانون الجاذبية، ومنها ينتقل إلى هاجس الإنسان القديم بالصعود واختصار المسافات، وهو الهاجس الذي جعل المصعد واحداً من أبرز رموز اختراع الطريق السريع نحو الأعلى. لكن توقفه في منتصف الرحلة يقلب هذه الفكرة رأساً على عقب، إذ يصبح الصعود المستحيل مدخلاً إلى رحلة مختلفة، تتجه هذه المرة نحو الداخل.

تضم المقصورة عبد المجيد، وهو طبيب نساء اعتاد ممارسة عمله بثقة، وممثلاً جاء على عجل إلى اختبار أداء بعد دخوله المبنى الخطأ، وعامل توصيل حضر لتنفيذ طلب، إلى جانب رجل رابع يبدو في البداية مجرد شخص عالق معهم في المكان. وبينما يحاول الجميع التعامل مع الموقف باعتباره عطلاً عابراً، يتحول الوقت إلى عنصر ضاغط، ويصبح انتظار وصول المساعدة محوراً للأحداث.

النص الذي كتبه الزبير هلال ينطلق من سؤال أساسي: ماذا يتبقى من الإنسان عندما يفقد مؤقتاً الصفة التي اعتاد أن يعرّف نفسه من خلالها؟ فالطبيب لا يستطيع ممارسة مهنته، والممثل عاجز عن الوصول إلى موعده، وعامل التوصيل غير قادر على إتمام مهمته، وبذلك يجد الجميع أنفسهم خارج أدوارهم المعتادة.

ومن هذه المفارقة تنشأ الكوميديا السوداء التي يعتمد عليها العرض، إذ لا يأتي الضحك من النكات المباشرة بقدر ما يتولد من التناقض بين بساطة الموقف في ظاهره والضغط النفسي الذي يفرضه على الشخصيات. ومع مرور الوقت، تتراجع المساحة المتاحة للحركة، ويصبح الجسد نفسه أداة للتعبير عن الخوف والتوتر والندم.

ويستثمر أمين بلمعزة ومحمد حميمصة وعثمان اليحياوين والزبير هلال ضيق المكان لبناء أداء يعتمد على التفاصيل الصغيرة؛ حركة الجسد، الالتفات، الاقتراب، الابتعاد، التنفس والصمت. ومع تصاعد الأزمة، تتراجع الكوميديا تدريجياً، ليحل محلها إحساس أكثر ثقلاً، حيث يصبح الجسد حاملاً لذاكرة الشخصيات ومخاوفها وما تحاول إخفاءه.

وتعزز السينوغرافيا التي صممها طارق الربح هذا الإحساس بالحصار والانكشاف، إذ وضع مصعداً زجاجياً في قلب الخشبة، بما يجعل الشخصيات مرئية أمام الجمهور طوال الوقت، رغم عدم قدرتها على مغادرة المكان. وهكذا يتحول الزجاج إلى عنصر دلالي مزدوج؛ فهو يتيح الرؤية لكنه يمنع العبور، ويجعل انكشاف الشخصيات جزءاً من محنتها.

أما المابينغ الذي أنجزه رضا تسولي، فيعيد توظيف صورة التفاحة التي افتتح بها العرض، بينما تسهم إضاءة عبد الرزاق آيت باها وموسيقى ناهي التيجاوي في مرافقة التحولات النفسية وتصاعد التوتر داخل المصعد.

ويحيل حضور شخصية الممثل، التي يؤديها محمد حميمصة، إلى عدد من المرجعيات المسرحية، من بينها «في انتظار غودو» لصمويل بيكيت و«الأبواب المغلقة» لجان بول سارتر. ويستفيد العرض من هاتين الإشارتين لتوسيع معنى الانتظار والمواجهة، بحيث لا يعود الاحتجاز مجرد عطل تقني، بل يتحول إلى اختبار للعلاقة مع الذات ومع الآخر.

ومع اشتداد الجوع والعطش، وظهور زجاجة الخمر، تبدأ الحدود التي تفصل الشخصيات عن بعضها في التلاشي. تتوالى الاعترافات، وتتضح تدريجياً حقيقة الرجل الرابع الذي يجسده الزبير هلال، إذ يتبين أنه تعمد التسبب في تعطيل المصعد بهدف الانتقام من الطبيب، الذي يرى أنه مسؤول عن وفاة زوجته.

عند هذه النقطة، يتغير مسار الحكاية، إذ ينتقل العرض من انتظار الخلاص إلى مواجهة مباشرة مع الماضي، ومن محاولة الخروج من المكان إلى محاولة مواجهة ما يحمله كل شخص داخله. ويضع «المصعد» أمام الجمهور أسئلة مرتبطة بالذنب والانتقام والندم والغفران، من دون تقديم إجابات نهائية، خصوصاً أمام سؤال ما إذا كان التسامح قادراً على تجاوز أفعال تركت آثاراً لا يمكن محوها.

وبذلك يصبح تعطل المصعد أكثر من مجرد حادث تقني، فهو اللحظة التي تتوقف فيها حركة الشخصيات خارجياً، لتبدأ في المقابل حركة الذاكرة داخلياً. فكلما تعذر عليهم مغادرة المقصورة، اقتربوا أكثر من مواجهة ما حاولوا طويلاً إخفاءه. وفي النهاية، لا يبدو الخروج من المصعد هو التحدي الوحيد، لأن ما يحمله الإنسان في ذاكرته وضميره قد يكون أثقل من أي مكان مغلق.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *