تستعيد مدن فرنسية وعربية تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش من خلال برنامج ثقافي واسع يمتد بين 25 و27 سبتمبر/أيلول، ويجمع بين الشعر والمسرح والموسيقى والسينما والفنون البصرية، في تظاهرة تحمل عنوان «يوم محمود درويش الشعري»، وتنظمها مؤسسات ثقافية من بينها مركز بومبيدو ومعهد العالم العربي في باريس، بمشاركة فضاءات ثقافية في نحو 15 مدينة داخل فرنسا وخارجها.
وتقود أعمال الفنان الفرنسي إرنست بينيون إرنست إلى واحدة من أبرز المحطات التي تستعيد حضور درويش في المكان الفلسطيني، بعدما أنجز «مسار محمود درويش» في قرية البروة، مسقط رأس الشاعر، وعدد من مدن الضفة الغربية، حيث وضع صوراً له وأبياتاً من شعره على الصخور، في تجربة فنية تربط النص الشعري بالجغرافيا والذاكرة، وتمنح المكان دوراً في استحضار سيرة الشاعر وإرثه.
ويأتي تنظيم هذه الفعاليات في ظل الحرب الدائرة في غزة، وهو ما يفسر، بحسب الإعلان المرتبط بالتظاهرة، العودة إلى شعر درويش من زاوية علاقته بتاريخ الفلسطينيين منذ نكبة 1948، وما ارتبط بها من اقتلاع وفقدان للمكان ومحاولات طمس الذاكرة. وفي هذا السياق، يُقدَّم الشعر بوصفه إحدى الوسائل التي تتيح الحفاظ على الذاكرة واستعادة الأصوات التي غيبتها السرديات المهيمنة.
وفي باريس، تتناول الباحثة إيف دو دامبيير نواراي هذه القضايا من خلال مقاربة تربط التجربة الفلسطينية بتجربة السكان الأصليين في أميركا، مع التركيز على أهمية إنتاج سرديات بديلة تمنح مساحة لأصوات الجماعات التي جرى تهميشها في الروايات التاريخية السائدة.
وتحضر أعمال درويش كذلك في طنجة المغربية عبر برنامج يجمع بين الفنون المسرحية والسينما والأدب والفن التشكيلي. فإلى جانب معرض إرنست بينيون إرنست «ذكريات العابر»، تقدم فرقة «داباتياتر» عرض «محمود درويش، كلمة حيّة»، في صيغة مسرحية ترافقها الموسيقى، بينما يُعرض الفيلم الوثائقي «محمود درويش، ذاكرة فلسطين». كما يشارك الروائي الجزائري واسيني الأعرج في لقاء بعنوان «قراءة محمود درويش اليوم»، لبحث حضور تجربة الشاعر في المشهد الأدبي المعاصر.
وتتكرر فكرة استمرارية أثر درويش في عدد من محطات البرنامج، من خلال البحث في تأثيره على الأجيال الجديدة من الشعراء والفنانين. ففي باريس، تناقش جلسة «الورثة» انعكاسات تجربته على كتابات وممارسات أدبية جديدة، بمشاركة الشاعرة الفلسطينية بتول أبو عقلين، فيما تقدم الشاعرة الغزية نور العاصي مجموعتها الأولى «هذا بيتي» خلال افتتاح البرنامج الباريسي، مستحضرة تجربة الحرب في غزة.
وفي الدوحة، يركز برنامج آخر على إرث درويش من منظور فني ولغوي وسينمائي، بينما تستضيف تورينو جلسة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، التي تسعى إلى إبقاء صوت الشاعر وحضوره الفلسطيني في أعمال وتجارب استلهمت قصائده وأسلوبه. أما الموسيقى، فتحتل موقعاً بارزاً في البرنامج من خلال استعادة القصائد التي تحولت إلى أعمال غنائية، ومن بينها تجربة مارسيل خليفة في أمسية «وعود العاصفة: بعد خمسين عاماً»، إلى جانب تقديم معالجة موسيقية لـ«جدارية» من توقيع وليد بن سليم.
وفي المغرب أيضاً، يوسّع المعهد الفرنسي نطاق الاحتفاء ليشمل أكادير ومراكش، من خلال قراءات وعروض تستعيد أعمال درويش وتتناول خصوصاً ثيمة المنفى وما ارتبط بها من أسئلة الهوية والمكان والذاكرة.
وتأتي هذه الدورة ضمن مبادرة «يوم الشعر» التي أطلقت عام 2020 بهدف تقديم الشعر من خلال أشكال جديدة وفعاليات تقام في فضاءات ومدن متعددة. وقد خصصت الدورات السابقة للاحتفاء بتجارب شعرية وفنية مختلفة، من بينها الشاعر الأميركي جون جيورنو عام 2020، والشاعر الفرنسي شارل بودلير عام 2021، ثم الفنانة الأميركية باتي سميث عام 2022، والشاعر والسينمائي الأميركي جوناس ميكاس عام 2024.
وبذلك، تمتد دورة محمود درويش بين مدن عدة، من بيروت والدوحة وطنجة إلى باريس وتورينو وجنيف ومونتريال، مقدمة قراءات متعددة لتجربته، تجمع بين استعادة نصوصه وإعادة تفسيرها واستحضار تأثيرها في الشعر والموسيقى والمسرح والسينما والفنون البصرية.
طنجة الأدبية

