يواصل الكاتب والروائي المغربي مبارك ربيع حضوره في المشهد الأدبي الوطني من خلال تجربة إبداعية ممتدة، انشغلت بالإنسان وتحولات المجتمع، واستمدت مادتها من الذاكرة الشعبية والعلاقات الاجتماعية والصراعات النفسية والفكرية. وإلى جانب إنتاجه القصصي والروائي، اهتم ربيع بقضايا التربية وعلم النفس، ما منح مشروعه أبعاداً متعددة تجاوزت حدود الكتابة الأدبية إلى مساءلة المجتمع وسبل تكوين الإنسان.
ومنذ مجموعته القصصية الأولى «سيدنا قدر» الصادرة سنة 1969، مروراً بروايات شكلت محطات بارزة في مساره، وصولاً إلى «مسافات حب» سنة 2024 و«أحمر أسود» سنة 2025، راكم مبارك ربيع أعمالاً رسخت موقعه ضمن الأسماء البارزة التي أسهمت في بناء السرد المغربي الحديث. وقد شكلت هذه التجربة موضوع ندوة تكريمية احتضنتها مدينة أصيلة، الثلاثاء، ضمن فعاليات الدورة السابعة والأربعين من موسم أصيلة الثقافي الدولي، تحت عنوان «مبارك ربيع: أصالة الكاتب ومدارج الكتابة».
وشهد اللقاء، المنظم في إطار برنامج «خيمة الإبداع»، مشاركة 18 باحثاً وناقداً من المغرب ومصر، قدموا قراءات متنوعة في المنجز الأدبي والفكري للمحتفى به، مستحضرين تجربته روائياً وقاصاً وأستاذاً جامعياً وباحثاً في مجالي التربية وعلم النفس. وأدار الندوة الإعلامي والكاتب عبد الإله التهاني، فيما تناولت المداخلات تقنيات الكتابة السردية، وعلاقة الأدب بالذاكرة والثقافة الشعبية، وطرق بناء الشخصيات، فضلاً عن إسهام الفكر التربوي في تشكيل الرؤية الإبداعية للكاتب.
وفي سياق البحث عن موقع مبارك ربيع ضمن مسار تأسيس الرواية المغربية، قدم الباحث والأستاذ الجامعي سعيد بنسعيد العلوي مداخلة بعنوان «في سعة من أمر: نظرات في الإبداع الروائي لمبارك ربيع عبر مثالين»، تناول فيها ملامح تجربته الروائية ووضعها في مقارنة مع تطور الرواية المصرية، مستحضراً اسم نجيب محفوظ. كما أثار مسألة تلقي أعمال ربيع، معتبراً أن تجربته في القصة القصيرة لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي، رغم ما تتطلبه كتابة هذا الجنس الأدبي من دقة فنية ومهارة في بناء الحكاية وتكثيف التعبير.
وتوقف بنسعيد العلوي عند الفوارق بين أدوات القاص والروائي، وكيف استطاع ربيع الجمع بينهما في مشروع واحد، كما استحضر رواية «الريح الشتوية» الصادرة سنة 1977، من خلال مقارنتها بأعمال روائية لبلزاك وفيكتور هوغو، في إطار قراءة تستكشف ملامح الواقعية في الكتابة. وحملت مداخلته دعوة ضمنية إلى منح هذا المنجز الأدبي الوقت الكافي للقراءة والتحليل، بالنظر إلى امتداده وتعدد قضاياه.
من جانبه، سلط الروائي والباحث شعيب حليفي الضوء على حضور الثقافة الشعبية والتحولات الاجتماعية في أعمال مبارك ربيع، متتبعاً أثر الذاكرة المحلية لمنطقة الشاوية وتنوع الروافد الثقافية المغربية في تشكيل عالمه السردي. واستند حليفي إلى قراءات نقدية سابقة، من بينها أعمال أحمد اليبوري وعبد الكبير الخطيبي، قبل التوقف عند نماذج من روايات ربيع، وفي مقدمتها «خيط الروح» الصادرة سنة 2015.
واعتبر حليفي أن الذاكرة في هذا المشروع ليست مجرد استعادة للماضي، بل عملية متجددة يعيد الكاتب من خلالها بناء الصور والتمثلات المرتبطة بالمجتمع. ومن هذا المنظور، تتحول القرية والحكاية الشعبية والعلاقات بين الأفراد إلى عناصر فاعلة في فهم تشكل الوعي المغربي الحديث، كما تتيح هذه المقاربة الوقوف على أثر تجربة ربيع في أجيال من الروائيين الذين اهتموا بعلاقة الكتابة بذاتها وبالواقع الذي تستمد منه مادتها.
أما الناقدة والباحثة زهور كرام، فتناولت رواية «مسافات حب» في مداخلة حملت عنوان «مسافات حب بين العتبة والفضاء الثالث»، مركزة على الفضاء الذي تتحرك داخله الشخصيات والعلاقات التي تنشأ بينها. وربطت قراءتها بين هذه الرواية الصادرة سنة 2024 ورواية «الطيبون» التي تعود إلى سنة 1971، مبرزة ما تكشفه المسافة الزمنية بين العملين من تطور في تجربة الكاتب، سواء في بناء الشخصيات أو في توظيف الخيال، إلى جانب الصلة بين تكوينه في علم النفس الاجتماعي واختياراته الفنية.
وفي مداخلة أخرى، عاد الأكاديمي والمترجم والناقد محمد أيت لعميم إلى مسارات قراءة رواية «بدر زمانه»، مستفيداً من دراسات جورج طرابيشي ومحيي الدين صبحي، إلى جانب تأملات مبارك ربيع في تجربته الخاصة. وأثار أيت لعميم، في تعقيبه على مداخلة بنسعيد العلوي، مسألة محدودية الاقتباسات الدرامية من أعمال ربيع، مقارنة بما أسهم في انتشار أعمال نجيب محفوظ، معتبراً أن وسائط تحويل النصوص الأدبية وتداولها يمكن أن تؤثر في توسيع دائرة قرائها وترسيخ حضورها لدى الجمهور.
بدوره، تناول الناقد المصري شوقي بدر يوسف التحولات التي عرفتها كتابة مبارك ربيع، انطلاقاً من مجموعته القصصية «سيدنا قدر» سنة 1969، ثم روايته «الطيبون» سنة 1971، وصولاً إلى «حب فبراير» الصادرة سنة 2014، التي تتصل بأسئلة الربيع العربي وتحولات الزمن. وركزت قراءته على قدرة الكاتب على الجمع بين لغة واضحة تتيح التواصل مع القارئ وعمق دلالي يفتح المجال أمام التأويل، مع اهتمام خاص برصد الحياة النفسية والاجتماعية من خلال الشخصيات والأحداث.
كما قرأ الناقد المصري طارق النعمان رواية «أيام جبلية» الصادرة سنة 2003، من خلال آليات سردية تقوم على التنافر والإرجاء والتشتيت والتشظي، في إطار مشروع نقدي يعمل عليه بشأن أحد جوانب تجربة الكاتب. وتناول عبد العزيز كوكاس انتقال السرد عند ربيع من تصوير واقعية المجتمع إلى التعبير عن شعرية الوعي، بينما قاربت الأكاديمية رشيدة بن مسعود رواية «أحمر أسود» الصادرة سنة 2025، من زاوية دلالات اللون وعلاقته بتخييل الحلم.
وانشغل الناقد عبد اللطيف محفوظ بتحليل كيفية بناء دلالة الواقع في رواية «غرب المتوسط»، فيما بحث الشاعر والباحث أحمد أزنيبر في تمثلات الخطاب المدرسي داخل أعمال ربيع. من جهته، تتبع الباحث في التراث الشعبي والتسويق عبد العزيز أباية حضور الحكاية والذاكرة الشعبية والرموز الروحانية في رواية «خيط الروح»، مبرزاً تعدد المرجعيات التي يستند إليها النص في بناء عالمه الفني.
ولم تقتصر أشغال الندوة على الجانب الإبداعي، بل امتدت إلى المشروع التربوي والعلمي لمبارك ربيع. وفي هذا الإطار، قدم الباحث المتخصص في سوسيولوجيا التربية وعلومها عبد الله الخياري مداخلة حول الفكر التربوي ورهانات التحديث البيداغوجي لدى الكاتب، متوقفاً عند التفاعل بين التحليل العلمي والخيال، وعند اهتمامه بمواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع ومؤسساته التعليمية.
واستحضر الخياري عدداً من مؤلفات ربيع في هذا المجال، من بينها «نحن والتربية: دراسة في استراتيجية التربية والتنمية» الصادر سنة 2013، و«المدرسة والذكاء» سنة 2022، ثم «التربية والتحديث في متوالية التحولات التكنولوجية» سنة 2026. وتطرح هذه الأعمال، وفق المحاور التي ناقشتها الندوة، قضايا المدرسة والذكاء والتكنولوجيا باعتبارها عناصر أساسية في التفكير في بناء الإنسان والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
وفي السياق نفسه، قدم عبد الكريم بلحاج، مدير المدرسة العليا لعلم النفس بالرباط، قراءة في المسار الأكاديمي لمبارك ربيع، بدءاً من تكوينه الجامعي وصولاً إلى عمله في التدريس والبحث العلمي والممارسة الميدانية. وأشار إلى أن إنتاج ربيع في علم النفس لم يحظ بالاهتمام النقدي والإعلامي نفسه الذي ناله أدبه، رغم ما يمكن أن يقدمه هذا الجانب من مفاتيح لفهم أوسع لمشروعه الفكري، وللعلاقة بين اهتماماته العلمية وخياراته في الكتابة الإبداعية.
وعكست المداخلات المتعددة التي شهدتها الندوة اتساع تجربة مبارك ربيع وتداخل حقولها، من القصة والرواية إلى التربية وعلم النفس، كما أعادت فتح النقاش حول موقعه في تاريخ الأدب المغربي وسبل قراءة أعماله وتوسيع حضورها لدى القراء والباحثين.
طنجة الأدبية

