نجحت ورزازات مرة أخرى في استقطاب أنظار كبار صناع السينما في العالم، بعدما اختارها المخرج البريطاني الأمريكي كريستوفر نولان لتصوير جزء من فيلمه الجديد “الأوديسة”، لتواصل المدينة المغربية حضورها القوي في كبرى الإنتاجات العالمية، إلى جانب أعمال خالدة مثل “غلادياتور” و”المومياء” و”مملكة السماء” و”صراع العروش”، وهو ما يعزز مكانتها كإحدى أبرز الوجهات السينمائية على المستوى الدولي.
وشكل قصر آيت بن حدو، المصنف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، أحد أهم مواقع تصوير الفيلم، بعدما تحول إلى مدينة طروادة الأسطورية بفضل ما يزخر به من معالم معمارية فريدة ومشاهد طبيعية آسرة، ما أضفى على العمل بعدا بصريا يتماشى مع رؤية نولان الإخراجية، في إنتاج يعد من أضخم المشاريع التي يقودها خلال مسيرته الفنية.
ولم يقتصر الرهان على القيمة الجمالية لمواقع التصوير، بل انعكس أيضا على النجاح التجاري للفيلم، الذي حقق انطلاقة قوية في دور العرض العالمية بإيرادات بلغت 264 مليون دولار خلال أول عطلة نهاية أسبوع، قبل أن تتجاوز مداخيله 640 مليون دولار في ظرف أسبوعين فقط، وسط توقعات بأن يصبح أحد أبرز أفلام السنة بتجاوزه سقف مليار دولار، خاصة مع الإقبال الكبير على عروض “آيماكس 70 ملم”.
وشملت عمليات التصوير كذلك عددا من المدن المغربية، من بينها الصويرة ومراكش والداخلة، في مؤشر جديد على الثقة التي تحظى بها المملكة لدى كبريات شركات الإنتاج العالمية، بفضل تنوع فضاءاتها الطبيعية وتوفرها على بنية تقنية وبشرية تستجيب للمعايير الدولية.
ويؤكد المتابعون أن المكانة التي بلغتها ورزازات لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة عقود من احتضان الإنتاجات السينمائية العالمية، ما جعل المدينة تستحق لقب “هوليوود إفريقيا”، بعد أن أصبحت فضاء مفضلا لتصوير الأفلام التاريخية والملحمية التي تتطلب مواقع طبيعية استثنائية.
كما تواصل هذه الإنتاجات تحقيق آثار اقتصادية مهمة على المنطقة، من خلال تنشيط قطاعات الإيواء والنقل والخدمات والمطعمة والصناعة التقليدية، فضلا عن توفير فرص عمل لفائدة التقنيين والمهنيين المحليين الذين يشاركون في مختلف مراحل الإنتاج.
وفي هذا الإطار، أكد الفاعل الجمعوي عبد المولى أمكاسو أن نجاح ورزازات في استقطاب هذه الأعمال لا يرتبط فقط بجمالية طبيعتها، وإنما يعود أيضا إلى توفرها على كفاءات مغربية راكمت خبرة كبيرة في مجال الصناعة السينمائية، وأصبحت تحظى بثقة كبريات شركات الإنتاج العالمية.
وأوضح أن عددا من نجوم الفيلم، من بينهم توم هولاند ومات ديمون، عبروا عن إعجابهم بالمستوى المهني الذي أبانت عنه الفرق المغربية، مشيرا إلى أن مواقع التصوير كانت تضم في بعض الفترات ما يقارب ألف شخص بين تقنيين وعاملين في مختلف التخصصات، يعملون وفق أعلى معايير الاحترافية.
ومن بين هذه الكفاءات، برز اسم زينب الإدريسي، التي اشتغلت ضمن قسم الأزياء، حيث أكدت أن المشاركة في إنتاج بهذا الحجم تطلبت دقة كبيرة في العمل واحتراما صارما للتفاصيل، موضحة أن كل قطعة ملابس كانت تمر بمراحل متعددة من المراجعة قبل اعتمادها أمام الكاميرا، وهو ما يعكس مستوى الاحتراف الذي يميز الطاقات المغربية.
وفي موازاة هذا الزخم السينمائي، تواصل ورزازات الاستثمار في مستقبل الصناعة السمعية البصرية من خلال مشروع “المدينة الدولية للسينما”، الذي يروم توفير فضاءات حديثة للإنتاج والتصوير، وتعزيز جاذبية المدينة أمام الشركات العالمية، مع تثمين الرأسمال البشري والتقني الذي تزخر به.
وأكد المدير الإقليمي للثقافة بورزازات-زاكورة-تنغير، عزيز جيلالو، أن هذا المشروع يترجم رؤية استراتيجية تروم جعل السينما رافعة للتنمية المحلية، مشيرا إلى أن المدينة الدولية للسينما ستقام على مساحة 10,49 هكتارات باستثمار إجمالي يبلغ 240 مليون درهم، بما يمكنها من مواكبة التطورات التقنية والفنية التي تعرفها صناعة السينما والتلفزيون، وترسيخ مكانة ورزازات كأحد أهم الأقطاب السينمائية في إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.
طنجة الأدبية

