الرئيسيةأخبارجالسة بالقرب من الطاولة

جالسة بالقرب من الطاولة

امرأة نحيلة ذات عينين عسليتين وشعر كستنائي أشعث تجلس بجوار طاولة مستديرة غريبة ذات حواف مثلثة.

جالسة بالقرب من الطاولة، تحملق في مجموع الرؤوس، تنهض وتجلس غير آبهة باستدارة الطاولة؛ رؤوسها المقمقمة، أرجلها الطويلة، بعينين عسليتيّن، ووجه باهت مصفر، وجسد ضامر، وظهر منعكف، وشعر كستانيّ أشعث.

تنزاح الطاولة، تعود وتنكفىء ثم تعود…، في الزمان ضرب من العودة، عودة الطاولة، استدارتها؛ عودة الحروب، والأوبئة، والعنف، والاستبداد…، في حلل متباينة، من يحلم بالبعيد يجد القديم، يدير الدورة ليأخذ به، يحدده، ينحازه في ضفاف خادعة، في دورة الطاولة ملجأ الأعين كما فيها خلاص العقول التائهة، وَالحائرة، وَالأجساد المالّة من وطأة الاستقامة المنتهية.

من ينجو؟ لا أحد ينجو سوى الرؤوس المحاطة  بصاحبة الأعين العسليّة، تنظر الكلّ فيه ملجأ، خلاصا، لا خطََّا واضحا، ولا أملا في الرجوع، فقط تسمو مبتعدة عن الأرض الديستوبيّة، إلى أرض ومرة سماء يوتوبية، ليس هناك أوسيا، فقط ما قبلها يلتوي ويلهث من أجل أوسيا دائمة التجدد.

للطاولة حافات مثلثة، مقمقمة، منها يخرج القديم المتمثل في حلته الجديدة؛ نكبات، وصدمات، وثورات…، عراقل جعلت للتاريخ هفوات وأخطاء، أخذت منه الحقيقة الإطلاقية المستقيمة، صرح اصطدم بالنسبيّة، بالجزئيات الهدامة، لينكب في مزبلة تاريخيّة، هو مجرد عود كاذب، هكذا قالت.

ما زالت تعتبر، تتأمل في الأرجل الطويلة، التي يظهر أنها الأساس، مالكة السلطة، البطل-الإله، انبجست من روح العصر التي ماهي إلا أرواح بتجليات جديدة-قديمة، تقول للعالم: “أنا الأول والأخير… أنا ربكم الأعلى…” لكن ما يلبث أن يرمى بجوار الرؤوس الأخرى إمّا ماقة، منتقما، عدوا، وإمّا طيبا، ورعا، خادما للربّ، وإمّا ميتة على الحافة. هو الآخر يلقى في العود.

الكلّ إذن يحتكم للطاولة، للعود، فهل في الأمل خلاص؟ أَفِي الفأل مهرب؟ أَفِي التفكه مزيّة؟ أَفِي النضال تغيير؟ أَفِي الحلم ملاذ؟ ما دام الكلّ يؤوب.

انتهت من تأملها، نهضت من على الطاولة، تاركة الأجساد تأتي وتذهب، تحوم وتتفرق بدون توقف، لتبحث عن اعتبار آخر.

“هكذا هي الحياة، هكذا هو التاريخ عود ثم عود بلا توقف، لكن مع انقطاع في المسارات، انقطاع جزئيّ مؤقت لا كليّ نهائيّ”، قالت.

تنظر إلى الكلّ، الرأس على الرجلين، والقفا معقوفة، أصابع ملتوية، لفاع رثة، لثغة متأنقة، تشابه في السمائل  يطبع الجزء في الكل كروح  واحدة.

ماذا يضعون؟

سماعة؟

سماعة أذن على الأذن، حاملة لخيط يصده في الجزء الأول حدّ دائريّ، وفي الجزء الثاني حدّ مماثل، لطالما رأت إبداعا، لكنها تظل مجرد سماعة على أذن أو أذنين.

روح ينصهر فيها الكلّ، لا أحد ينظر المخالف، أنت تنظر، وهي تنظر، ننظر نفس ما تنظر، وتنظر نفس ما ننظر، هم نحن، ونحن هم، لكن ماذا عن السماعة؟

يضعها الفقير والغني، الجليل والدنيء، الشاب والكاهل، لكن هل من ناظر؟ لا تسهب في النظر ولا في القول، فقط  ضع. هكذا يقولون، لكنها تنظر.

تنظر  في طرفيْ السماعة صراعا، فمرة يصعد طرف، ومرة ينزل، مرة يفوز، ومرة يخسر، مرة يكون هو السيّد ومرة هو العبد، وأحيانا السيد عبد والعبد سيد، وفي ذلك انعدام لحالة الطبيعة وبروز للمميزات المدنية.

 في القوة سيادة، سيادة في حالة الطبيعة كما في  المدنيّة، فأين سبيل التمييز؟ هي في الطبيعة تخويف، وقتل، وتجويع، وحرمان…، وفي المدنية حبّ، وأخلاق مخصّصة رخوة، تدَين وأمانة معوجة، تخور فيها القوى الجسديّة وسلطة السيف، تنعدم البراءة والعاطفة الطبيعيّة، لا استحسان في الفضيلة، فقط الغلبة للرذيلة، هل هي براءة، وَحبّ، وَتعاطف، وضع للآخر مكان الذات، أم قوة وسفك للدماء، أم  قوة مع التميزات؟

مهما كانت الطبيعة، ومهما كانت المدنيّة، يبقى هناك صراع في كلى الحالتيّن، صراع الأجيال، صراع الأطراف، جيل القدامة و جيل الحداثة والتحديث، أمّا المابين فهو مباح عند البعض وعند البعض مرفوض، كما هو بين المتماثلين ليصبح  الصراع  بين التماثل تباين.

لم تعتبر الروح السائدة تقليدا أو تحديثا أو حتى وسطا، فقط نظرت الى الأطراف، إلى طرفيْ السماعة، الواحد منهما يصعد والأخر يهبط بتناوب مستمر، والرابط بينهما خيط جامع للأولى بالثانية، رقيق وَحادّ، سهل الفكّ، لكنه قاس، وجارح في حالة الاستبداد.

كلّ ما حلمت به الأعين هو عيش آمن، في غيريّة وتعاطف طبيعيّين، بعيدا عن التطبيع، وعن سيادة الساسة، هل الحاجة هي الجائزة إلى المدنيّة، أم الرغبة، أم هي عجرفة صاحب السيف؟ هو التاريخ، وروح العصر الدافعة، تفرض لكلّ عصر أفكار، وأفعال، وسلوكات، وسياسات، والخارج إمّا فائت عن عصره، رافض للتطبيع، عيشه هو عيش الناسك، المتوحد، وَالمنبوذ من الكثرة، المقبول من القلة السابقة، وإمّا عائد إلى القديم، مقلدا، وهو في مزبلة التاريخ، وإما خاضع لروح عصره، سائر مع التطور الطبيعيّ و التلقائيّ.

ليس هناك من هو فائت لروح العصر، فقط الخاضع، ذلك وهم يكون إذا كان الأفراد ليس أفراد عصر مسايرين، بل رافضين، ماقتين لذلك، عائدين الى الماضي، فيظهر العكس.

تنظر إلى بؤبؤها، عسلية لامعة، استدارة مستقيمة، في استمراريّية دائريّة، لا هفوات، لا أخطاء، فقط التقدم والعودة، فيه اتكاء ومعونة، ارتداد  الى الخلف في تقدم كاذب.

تبل لسانها، في استقامته خط أبديّ، ذي بداية ونهاية، لا عودة، لا ارتكاسة، الكلّ للتقدم، والتقدم للكلّ، فمن يرى العتمة؟ السنّ بالجانب تخلق جروحا، انتهاكات، لتظلّ في الجانب لا أحد ينبس بكلمة، لا أحد يعري، يظهر، يكشف الجارح والمنتهك، ولا المجروح المنتهك.

في تضارب الرؤى، يخفى الواقع، تنسدل الستارة، تنتشر الحمى، ويهزم الضعيف، يحمل القويّ راية النصر ليحمي نفسه وسط الكلّ المؤيد، يمكن للانحناء أن يخلق العكس، فيحمل الضعيف راية النصر، وينكسر القويّ إلى شظايا من الكثرة، فيستحال هنا المابين، مابين القويّ والضعيف، الحد بين جماح الغني وثورة الفقير، لا وسط ولا مساواة فالكلّ يسير وفقا لفكر ورؤية المهيمن، سواء كان واحدا ضد الأغلبية، أو كلاّ صار واحدا لقوة الأغلبية وسطوتها. 

لم تخف ذراعيها الطويلتين، والضامرتين، فيهما بأس، بأس السيف النحيف المقبوض بأيد عدة، تسير في خطى واحدة، جنبا الى جنب، إرادة عامة هي، من قال في توحيد الرغبات استحالة؟ من قال أن الكل ينحل في إرادة الواحد ورغبته؟ توحيد الرغبات هو. 

قوة هذه الأيدي، توحيد الاتجاهات، والمحرمات، والمباحات، والحقوق، والواجبات، والغايات… تجمعهم إرادة الكلّ، الأغلبيّة التي صارت واحدا في كرسيّ السيادة، والقلة هي المضطهدة. فما الفائدة التي يظنّ الفقراء أنهم سيحصلونها من تفقيرهم للأغنياء؟

ليست الغاية هي المساواة، أو استرداد الحقّ، بل الأول إضعاف وتفقير الغنيّ، دفعه جانبا وأخذ ما بيده، للكثرة فهم مقلوب.

دائما ما يتمثل صوت الأغلبية ويدعم من صوت نصّ مقدس، فهمه الصحيح عند العامة استحالة، ما يزيد من فهمه المقلوب للعقول حيرة، وللقلوب خوفا، وللأمور سوءا، هو انفعال يقود كالسيد على  الكلّ إلاّ جزءا لا يعدّ به، لكنّها دائما ما تخفى بحجاب، أو تعوض بصورة مخالفة، صورة العقل الحكيم، والوقور، هي حقيقة واقعيّة كما عبر عنها سبينوزا، هي مخالفة للطبيعة تأتي من الخارج، من المقدس، من المجتمع، من السائد، الأغلبيّة لا تفهم فقط تحكم، فقط ترغب. وتبقى مستمرة، محافظة على بقائها ووحدتها، حبيسة ميتافيزيقاها الخاصة.

تتلمَّس أذنيها لتأخذ منهما مثال الآذان الصاغية لكل رأي مريب، لكل صوت يهدّد الكلّ، وجوده لم يعد أمنا ضمن هذه الكثرة، في الجمال رأي واحد، في الدين رأي واحد، في التاريخ رأي واحد…، سوف تعيش مضطهدا، وبئيسا، وفقيرا في دولة تحكمها أغلبية شبيهة، يحكمها واحد لا شريك له، يظنّ أنّ الكلّ هو صاحب السيادة. إنّه مجرد حجر مساند

إذا أراد الشعب سفرة الأكل فقدمها له في أيادٍ كثيرة، مدّ لها بيد واحدة، مد لها هي الأخرى بيد إله، وقل له  إنه من السيد المتوكل إلى شعبه الطيب. 

زد فيهم قوة الكلّ، واطمس قوة الفرد، ليكونوا حميرا تائهة، بأفواه محلولة، تلتهم عندما تفقد المقدس، تقتل عندما يهدد قول الكل الذي ما هو إلاّ واحد ملبس، وَمزيّن، وَمبهلل كالمكرر الفاقد لكلّ قدراته. إذا أراد الشعب الحياة فلا بد أن يستجيب الفرد وينهض.

واحدية المعنى هكذا يصرخ، يسلب ويتهكم، يقتحم وينبذ، يصرخ السيد واحديّة المعنى، لم يتبق شيء، كلّ شيء سُلبَ، المعنى، والخيالُ، والمجازُ، لم تعد العقول سوى رؤوس خاويّة، تابعة، روحانية. كلّ شيء سلب حتى اللغة، حتى المعنى، وَحتى الخيال، وَحتى المجاز.

نادية المهدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *