مقدمة:
نسعى من خلال هذه الورقة إلى تتبع الأنساق الثقافية التي تزخر بها المجموعة القصصة «أفلاطون يصل متأخرا» للقصاص سعيد موزون، محاولين في الوقت ذاته إعطاء مشروعية للبعد الثقافي في الدراسة الذي يشح الاهتمام به في دراسة الأعمال القصصية والسردية بصفة عامة، ولذا يجدر بنا أن نجيب على عدد من الأسئلة التي تعد منطلقا وهدفا لإنجاز هذه الدراسة، وهي على التوالي: ما مفهوم الدراسة الثقافية؟ وما سياق ظهورها؟، وما هي انشغالاتها؟ ثم ما تجليات الأنساق الثقافية في المجموعة القصصية قيد الدراسة؟.
1- الأنساق الثقافية في المجموعة القصصية (أفلاطون يصل متأخر)
سنناقش في هذه المرحلة من التحليل بعض الأنساقق الثقافية التي عنت لنا أثناء التمعن في قصص المجموعة، والتي تستحق الوقوف عندها وإظهارها للقارئ؛ وهي فيما سيأتي:
1-1- عنوان المجموعة/ النسق الثقافي الأفلاطوني
يبدو للمتأمل في عنوان المجموعة (أفلاطون يصل متأخرا) من الوهلة الأولى أنه عنوان يتوي وراءه دلالة مباشرة لا تحتاج إلى بحث أو تنقيب، إذ أن الأمر يتعلق باستحضار شخصية فلسفية فكرية رياضياتية منطقية، مؤسسة لأكاديمية تنتمي إلى العالم اليوناني القديم. لها آثار واضحة في بناء صرح التاريخ الفكري والعلمي العالمين، بما يشكل من زخم فكري يعد الأساس المعرفي للثقافة العلمية العالمية في العصر الحديث، بيد أن العنوان يخفي وراءه نسقا فكريا سائدا، وهو ما نعته عبد الله الغدامي بالفحولة الذي يعتبر النموذج الذي يقتدى، ولا يمكن الخروج عنه مهما حاولنا. يقول عبد الله الغدامي: «شخصية الفرد المتوحد فعل الفحول ذي الأنا المتضخمة النافية للآخر من جهة ثانية، وهي من السمات المترسخة في الخطاب الشعري، ومنه ترسبت إلى الخطابات الأخرى. ومن ثم صارت نموذجا سلوكيا ثقافيا يعاد إنتاجه بما أنه نسق منغرس في الوجدان الثقافي مما ربى صورة الطاغية الأوحد (فعل الفحول)»1؛ وهو ما ينطبق على الثقافة العربية بصفة عامة في علاقتها بالثقافة اليونانية، بل بفحل من فحولها (أفلاطون) الذي يختفي في دهاليز الثقافة العربية وتطفو بين الفينة والأخرى فقاعاته على سطحها، وهذا أكده عديد من الدارسين للتراث النقدي العربي وبرهنوا عليه، بل وتتبعوه زمنيا من خلال تأثر النقاد والأدباء القدامى والمحدثون بالثقافة اليونانية. يقول عباس ارحيلة:» والحضارة العربية الإسلامية استوعبت حصيلة الحضارات السابقة، وهيمنت عليها.
وقد اصطدمت بالتراث اليوناني، وهي في عنفوانها، فتفاعلت مع معطياته وتصوراته في ضوء قناعتها وقيمها الدينية وشروطها التاريخية والحضارية»2، ذلك أن الأمر استمر حتى عصرنا الراهن، وهو ما نلاحظه في المجموعة القصصية قيد الدراسة والتحليل بالرغم من أنه يعد من المرجعيات الثقافية للكتابة القصصية عند القاص سعيد موزون، ولكنه في الوقت ذاته يخفي الحمولة الدلالية المؤسسة على فكرة الفحولة اليونانية التي تفرض وجودها الثقافي المطلق في الفكر العربي عبر العصور؛ وهو ما تبين بشكل صريح في القصة الأخيرة من الأضمومة المعنونة بـ(أفلاطون يصل متأخرا). يقول السارد: «مهما يكن من دل فالأولى أن لا أضجر إلا لماما، ماذا أصنع الآن بعد بما كان، وقد صرت أسيرا له، أجدد له الولاء. وللهوان الذي ليس لي منه بد !؟ لقد ضجرت مما أقول. أليس كذلك يا شوشو؟ لكن لا بأس عليك بعد الآن بعد أن بِتُّ أقلبُ أمري على غير هدى وأبصق على الحب الأفلاطوني المسكين الذي أصبح قذِرا.. آه الحب الأفلاطوني؟ هل قلت هذا؟ يحسن بي أن ألعنه بشدة حتى أطرد وساوسه من قلبي المتعب بِك..»3.
إن حضور الحب الأفلاطوني هو محاولة من السارد خلق تشابه بين حب المحبوبة والحب الأفلاطوني الذي ترسخ في ثقافتنا، وسرى بها سيران الدماء في عروق الأجساد، حيث لا يمكننا التخلص منه مهما حاولنا إخفاءه باللعب اللغوي أو المجازي أثناء الكتابة لكونه يسكننا ويعيش بيننا. جاء على لسان السارد أيضا.» ما كان لها أن توجد لتخلف بعدها ما أرى، حبذا لو نبتت في شجرة غير شجرة أفلاطون. أفلاطون تفزعني حاله.. لم يعد يقوى على الركض ليلحق بنا. أعرف أنك ستنتفضين رياء لتقولي- أمسك لسانك وتأدب في حضرة الرجل وشجرته وإلا شوهتُ وجهك»4
هكذا إذن تتوهج حقيقة النسق الثقافي الأفلاطوني الذي يسكننا ويعيش بيننا بل ويتماها في كتاباتنا بالرغم من محاولة إخفائه وتوريته بين السطور لتضليل القارئ بامحائه، لكن فحولته وفرادته تجعله مختفيا إلى أن تتاح له فرصة الظهور، وهو ما حاولنا تجليته في السطور أعلاه.
2-1- النسق الثقافي الديني
نقصد بالنسق الثقافي الديني تلك الثقافة التي يتشبع بها الانسان منذ كان صغيرا في مجتمعه الصغير والكبير، والتي تهم الجانب الروحي لديه، أي ما يربطه بخالقه، لكون المجتمعات تختلف من حيث الأديان والمعتقدات. فكل مجتمع له دينه ومعتقداته، وهو ما ينتج عنه ثقافته الدينية، ويعتبر القرآن الكريم روح الثقافة الدينية الإسلامية، فأي حضور لمتنه في أي سياق. فإنه يعبر بشكل أم بآخر عن الثقافة الدينية الإسلامية. بيد أن مبدعينا وكتابنا باتوا يوظفون كلمات وآيات القرآن الكريم لدلالات أخرى تقتضيها سياقات كتاباتهم. إما لتقوية الدلالة وإيضاح المعنى المقصود عن طريق التشبيه أو الاستعارة أو القصص القرآني، غير أن الأمر بالنسبة للنقد الثقافي يختلف، حيث يرى رؤى أخرى، ويذهب مذاهب أخرى، وذلك أنه يذهب إلى أن الأمر يتعلق بمعتقدات وقيم روحية تسكن المبدع وتعيش في جوانيته وتسلط قوتها الفكرية عليه.
وتحفل المجموعة القصصية قيد الدرس بتجليات النسق الديني في مواضع عدة من خلال استحضار الآيات القرآنية والرموز الدينية والقصص القرآنية. فمهما حاول القاص إخفاء هذا النسق، فإنه يفرض عليه ذاته بقوته الروحية والقيمية. قال السارد في قصة (وحيد في وحدتي): «ابتسمت ساخرة لا تثريب عليها ما دامت تمعن في ردي إلى شيء لست أدركه»5. فحاول في سياق حديثه عن موقف المخاطبة التي تسخر منه بسياق أولاد يعقوب عندما طلبوا العفو والمغفرة من أخيهم يوسف عما ارتكبوه من أخظاء اتجاهه، غير أن الأمر في هذا المساق يذهب إلى معنى آخر ؛ هذا المعنى هو سلطة الديني المقدس الذي يؤكد وجوده الروحي على نفسية القاص مما يدعوه لتوظيفه. وهذا المعنى أيضا يفاجئنا به القاص أيضا في القصة نفسها عندما يقتبس قصة أهل الكهف في قوله: «والتراب الصلد يضايقني ذات اليمين وذات الشمال ورغم شاهدتي القبر المتدليتين من فوقي فإني أظنني الآن أرى جبل تدغى حقيقة لا وهما»6.
فالقاص اقتبس معنى هذه الآية من قوله تعالى من سورة الكهف» (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا)»7. وفي ذات السياق يقتبس من القرآن الكريم في قوله «أيها النمل ادخلوا مساكنكم في جسمي والزموها لعلي أأوب إلى وطني الذي يسقط من أوصالي»8؛ وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى في سورة النمل «(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وجنوده وهُمْ لا يَشْعُرُونَ)»9.
فالأخذ والاقتباس من القرآن الكريم في المجموعة القصصية كثير؛ وهو ما يبين ما ذهبنا إليه، إذ أن الثقافة الدينية تفرض سلطتها المعنوية والروحية على المبدع مما يحتم عليه الانسياق وراء استحضارها في إنتاجه الأدبي قاصدا من وراء توظيفها مقاصد شتى؛ وهي مقاصد ألفها النقد المؤسساتي والمتلقي بصفة عامة؛ وهو ما يرفضه النقد الثقافي. يقول ليتش: «لا يؤطر النقد الثقافي في فعله تحت إطار التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي، بل ينفتح على مجال عريض من الاهتمامات إلى ما هو غير محسوب في حساب المؤسسة، وإلى ما هو غير جمالي في عرف المؤسسة سواء كان خطابا أو ظاهرة»10.
يتضح من خلال ما أشرنا إليه أعلاه أن النسق الديني أحد الأنساق الثقافية التي تحفل به المجموعة القصصية (أفلاطون يصل متأخرا) للقاص سعيد موزون بحمولته الروحية الضمنية التي يسكن المبدع والقارئ، بل وتفرض سلطتها العليا على الكتابة متحدية توظيفاتها الفنية والأسلوبية المعهودة لدى سلطة المؤسسة النقدية.
3-1- النسق الثقافي الصوفي
يعتبر التصوف من أهم المرجعيات التي بات المبدعون والكتاب يلجؤون إليها للاتكاء على معانيها ودلالتها في التعبير في الوقت الذي لم تعد اللغة المباشرة كافية، وقادرة للتدليل على المعاني المقصودة في الإبداع الأدبي، مما جعلهم يبحثون عن وسائل تعبيرية فكرية وفنية وثقافية للتعبير عن مقاصدهم وتبليغ رسالتهم الأدبية والفنية، ولعل التصوف من أهم هذه المرجعيات التي لقيت حظوة واهتماما من طرف الكتاب والمبدعين والشعراء الذين اتخذوها منبعا ينهلون منه، بل ويتيهون في غياهب معانيه ودلالاته التي تسعفهم في التعبير في الوقت الذي عجزت فيه وسائل التعبير الكلاسيكية عن تحقيق الكفاية التبليغية لرسالتهم الأدبية والفنية. وهذا ما وقفنا عليه في المجموعة القصصية قيد التحليل، حيث اعتبر القاص المرجعية الصوفية إحدى المرجعيات المركزية لبنينة عوالم قصصه، بيد أن توظيفه نحا نحو المؤسسة النقدية التي تتوخى من هذا التوظيف تعزيز الدلالة وتقوية المعنى وتعميق المقصدية النصية؛ وهو ما يرفضه مشروع النقد الثقافي الذي جاء ليوسع دائرة قراءة النص بعد انحصارها داخل أفق توقعات القارئ لتنفتح على مجالات أوسع؛ وهي الثقاقة، ويتحول دور القارئ متجاوزا ذاته نفسها ليلعب دور الوسيط بين الثقافة والنص ويلعب وعيه بالثقافة وبعناصرها المركبة دورا مهما في الكشف عن المعنى ويكتمل المعنى من خلال وعي القارئ أيضا باللغة وبنسقيتها11.
إن منطق توظيف المعاني والرموز الصوفية في المجموعة القصصية ظل حبيس المتعارف عليه بين القراء، وأخفى وراءه النسق الثقافي المضمر الذي يعبر عن حقيقة التصوف وعلاقتنا الروحية والدينية والنفسية به؛ وهو ما نسعى للوقوع عنده في هذا المساق.
لقد وظف القاص في عمله هذا الرموز الصوفية في سياقات عدة من أهمها الحوار الذي دار بين السارد ومخاطبته (المحبوب)؛ وهو حوار مغمور بنفحات الحب والعشق، وفي هذا المساق حاول القاص أن يجعل منه حوارا يرقى إلى مستوى حوار المتصوفة حول الحب الإلهي الذي يحلون فيه ويحل فيهم. جاء في متن الحوار:» نظرت إلى عرض الأفق وأشارت إليه ثم استطردت قائلة:
– السعادة تهفو إليك.. من هنا إن أنت سعيت إليها.
– كيف؟
– من ذاق عرف ومن عرف اغترف. فلتحاول أن .. تنظر، وتدمن النظر
– ماذا سأنظر..؟
– مرآة الكون
– ولماذا؟
– لتتهيأ لسجود القلب و.. للوامع أيضا.
– وما اللوامع؟؟
– أنوار ساطعة تلمع لأهل البدايات من أرباب النفوس الضعيفة مثلك؟
– ومتى ستصطع؟
– في وقت ابتداء وصول السالك إلى عين الجمع ومقام البالغين في المعرفة»121
يتضح من هذا الحوار الشيق بين المحب والمحبوب أن السارد سعى إلى إغماره وشحنه بالنفس الصوفي الذي يتسم بتماهيه في الحب الإلهي في إشارة إلى الرقي بالحب الإنساني العادي إلى مستوى حب المتصوفة الذي يتسامى عن الحب الإنساني العادي، لكن هذه الخطة في التعبير يألفها المتلقي ولا تكسر أفق انتظاره. مما يؤكد انسياق القاص مع المرجعية المؤسساتية التي تفرض هيمنتها على الإبداع والمبدع معا، مما يجعل النسق الثقافي الصوفي وأبعاده الروحية التي تجيش بها نفسية المتصوف الممارس، وانعكاساتها الروحية على المجتمع من حيث نظرتهم إليه وعلاقتهم الاجتماعية والتربوية التي تنبني على الاحترام والتقدير إلى حد التقديس والتبرك به؛ بل وإقامة الضريح على قبره بعد موته وزيارته والتبرك به. كل هذه العناصر تشكل مكونات النسق الصوفي الضمني التي يسكت عنها المبدع والإبداع معا، لكنها تفرض سلطتها الوجودية على كل من المبدع والقارئ والإبداع.
خاتمة:
تأسيسا على ما سلف يتبين أن النقد الثقافي عمل جاهدا على فتح آفاق جديدة في التحليل من خلال الاستراتيجية التي عمد إليها في التعامل مع الإبداع الأدبي، حيث وقف موقف الشك من النقد المؤسساتي، بل ورفض طرق تعامله مع العمل الأدبي، مما حدا به إلى تبني خطة كشف المغمور والضمني أثناء تحليل النصوص الأدبية، وهو ما توقفنا عند بعض معالمه في القراءة الثقافية التي طبقنا إجراءاتها التحليلية على المجموعة القصصية (أفلاطون يصل متأخرا) للقاص سعيد موزون، فتمكنا بموجبها من رصد ثلاثة أنساق ثقافية هي النسق الثقافي الأرسطي، والنسق الثقافي الديني، والنسق الثقافي الصوفي.
هوامش:
-1 النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، عبد الله الغدامي، المركز التقافي العربي، الدار البيضاء، 2004، ص: 93/94.
-2 الأثر الأريسطس فس النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري، عباس ارحيلة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، 1999، ص:21.
-3 أفلاطون يصل متأخرا، سعيد موزون، قصص، الراصد الوطني للنشر والكتاب، طنجة، 2016، ص: 82.
-4 نفسه، ص: 83.
-5 نفسه، ص: 9.
-6 نفسه، ص19.
-7 القرآن الكريم، سورة الكهف، آية: 18.
-8 أفلاطون يصل متأخرا، ص: 19.
-9 القرآن الكريم، سورة النمل، آية: 18.
-10 النقد الثقافي. قراءة في الأنساق الثقافية العربية، مرجع سابق، ص: 204
-11 نفسه، ص: 204.
-12 أفلاطون يصل متأخرا، ص: 13.
عبد الكريم الفزني

