من روائع ما كتب أدباؤنا وليس السياسيون :رواية موسم الهجرة إلى الشمال التي تطرح تساؤلا عميقا :
من الذي يهاجر فعلا ومن الذي يستقبل من ؟؟؟…
كان الطيب صالح يعرف أن للهجرة مواسم، لكن يبدو أننا، بعد كل هذه السنوات، اكتشفنا موسماً آخر لم يخطر على باله:
موسم الهجرة إلى الناخب:
ليست هجرةً إلى الشمال هذه المرة، وإنما هجرةٌ معاكسة: سياسيون يقتربون من المواطن، يطرقون
أبوابه، يبتسمون في وجهه، يصافحون يده، يسألون عن أحواله، ويكتشفون فجأةً أنه موجود !! سبحان الله
كأنه كان لابسا طاقية الإخفاء …
الآن فقط ظهرت قيمة المواطن .. نعم إنه موجود بكامل الأهمية.فصوته، الذي لم يُسمع طوال خمس
سنوات،بمثقفيه وشكاياتهم ،ومقالاتهم … بمظلوميه واستنجاداتهم …بعماله واضراباتهم … بصراخ
المطرودين من الشغل …بجيل زيد واحتجاجاته … بمفقودي هجرة سبتة ونواح ذويهم الذي لم يصل إلى
أي واحد من هؤلاء السياسيين بل الأفظع أنهم خرجوا ليرقصوا على لحن الموت والألم …
لكن الغريب والمتجدر في قمة النفاق أن صوت المواطن يصبح في موسم الانتخابات أغلى من أي
وقت مضى.
يا لها من مصادفة!
خمس سنوات كاملة قد تمرّ دون أن يجد المواطن من يسأله: كيف تعيش؟
ثم تأتي الانتخابات فيصبح السؤال حاضراً.
كيف حالك؟
ماذا ينقصك؟
ماذا تريد؟
ماذا نحلم أن نفعل من أجلك؟
ولأن المواطن المغربي ليس قليل الذاكرة، فقد يتساءل، في سرّه:
وأين كنتم طوال السنوات الخمس؟
لا بأس.
ربما كانت تلك السنوات مجرد استراحة طويلة بين موسمين من الهجرة.
موسم يهاجر فيه المرشحون إلى الناخب بحثاً عن أصواته، وموسم آخر يهاجر فيه أبناء الناخب بحثاً عن
مستقبلهم. وهنا تصبح المفارقة موجعة أكثر مما ينبغي. فالأب الذي سيُطلب منه أن يمنح صوته، قد
يكون واحداً من أولئك الذين شاهدوا أبناءهم يغادرون.ابن هاجر بطريقة نظامية.وابن آخر لم يجد طريقاً
نظامياً.وثالث ما زال في البيت، لكنه يعيش بعقله في الضفة الأخرى. والمأساة أن الهجرة لم تعد دائماً
قراراً فردياً. أحياناً تصبح الهجرة قراراً تتخذه الأسرة كلها حين تشعر أن مستقبل أبنائها يحتاج إلى
جغرافيا أخرى. وبهذا لا يعود السؤال: لماذا يهاجر الشباب؟ بل يصبح: ماذا جعل البقاء أقل إغراءً من
الرحيل؟
ذلك سؤال لا تستطيع صورة انتخابية أن تجيب عنه. ولا ابتسامة أمام الكاميرا، وما أكثر ما تميز
سياسيونا بهذه الابتسامة التي تحولت مع الم الشعب إلى تشفي وازدراء ،وعلامة للسياسي أنني أنا من
يقرر وأنت المواطن تسكت وتعطيني صوتك متى طلبته ….ابتسامات ماكرة ،تثير غضب الشعب أكثر
فأكثر ،لأن المواطن فقد الإحساس بالأمان لا على شيخوخته ولا على أبنائه ،فكيف تكون له رغبة في
الابتسام ؟ ترك السياسي يبتسم ويلمع أسنانه أكثر لابتسامة نصر بات متأكدا منه وهو يهيئ بالمال العام
أرضية صلبة لولايته المقبلة وكأنه يطلب صوت المواطن ليس اختيارا أو اقتناعا ، بل كتحصيل
حاصل !!! وما الوعدٌ الجميل، أو الطبطبة على أكتاف البؤساء ، وتقبيل رؤوس الشيوخ سوى ماكياجا
للصور التي تفنن السياسيون في إتقانها ولم ينجزوا غيرها يستحق الذكر والتنويه …
يظنون خطابٌا يفيض بالحب على المواطن في الأسابيع التي تسبق الاقتراع كاف لجعله يلتقط معهم
صورة توحي بقليل من الصدق ،وهو المواطن نفسه الذي أنهكته خمس سنوات في جيبه، وصحته ،
وفي فلذات كبده … هل بقي فيه صبر على من يجامله. انه بحاجة إلى من يحترم ذاكرته.
والمواطن الذي فقد ابناً في البحر لا يحتاج إلى خطاب عن الأمل.يحتاج إلى أن يعرف لماذا أصبح
البحر، بالنسبة إلى بعض أبنائنا، أقل رعباً من المستقبل.
أما المواطن الذي ظل هنا، فيحتاج إلى أن يشعر أن بقاءه لم يكن خطأً: وهذه معضلة عند الدول التي
تحترم شعوبها ، في هذه المسافة بين ما يُقال وما يُعاش، يبدأ العبث السياسي.
فالعبث ليس أن يكذب السياسي مرة.العبث أن يصبح التناقض بين الخطاب والواقع أمراً مألوفاً.
أن نتحدث عن المواطن باعتباره أولوية، ثم نتذكره حين نحتاج صوته.أن نتحدث عن الشباب باعتبارهم
مستقبل الوطن، ثم نندهش عندما يبحثون عن مستقبلهم خارج الوطن، ونرقص على دموع ذويهم …
أن نتحدث عن الكرامة، بينما يعيش المواطن سنوات وهو يفاوض الحياة على الحد الأدنى منها.
وأن نعيد إنتاج اللغة نفسها كل خمس سنوات، ثم ننتظر من المواطن أن يتصرف وكأن السنوات السابقة
لم تحدث.لكنها حدثت.وهذه هي المشكلة.السنوات حدثت.والأسعار حدثت.والبطالة حدثت.والانتظار
حدث.والهجرة حدثت. والأبناء الذين غادروا حدثوا.والذين لم يغادروا بعد، وهم يحلمون بالرحيل، حدثوا أيضاً.
كل ذلك صار جزءاً من ذاكرة الناخب. لذلك فإن أصعب ما في موسم الهجرة إلى الناخب ليس الوصول
إلى بابه، الباب يمكن طرقه،واليد يمكن مصافحتها،والابتسامة يمكن رسمها وسط الألم ،لكن ماذا عن
الذاكرة؟
كيف يهاجر المرشح إلى ذاكرة الناخب؟
وكيف يقنعه بأن السنوات الخمس الماضية ليست دليلاً عليه؟
هنا فقط تصبح الانتخابات أكثر من صندوق. ..إنها لحظة مواجهة بين الذاكرة والوعد…بين الحصيلة
والخطاب….بين المواطن الذي عاش التجربة والسياسي الذي يريد منه أن يبدأ من الصفر.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الناخب في هذا الموسم ألا يكره أحداً، وألا يصدق أحداً لمجرد أنه أتقن
التملق….أن يسأل فقط: ماذا فعلتم حين لم يكن صوتي مطلوباً؟
ثم يسأل:
ماذا ستفعلون حين يصبح صوتي لكم؟
فبين السؤالين تقع خمس سنوات كاملة.
وقد تكون تلك السنوات هي المسافة الحقيقية بين السياسة والعبث السياسي.
أما الطيب صالح، فلو عاد اليوم ربما وجد أن روايته تحتاج إلى فصل جديد.
فالهجرة لم تعد دائماً من الجنوب إلى الشمال.
هناك أبناء يهاجرون إلى الشمال….وهناك سياسيون يهاجرون إلى الناخب.
وهناك، في المنتصف، وطن يحاول أن يحتفظ بأبنائه…
ويحاول أن يحتفظ أيضاً بثقة مواطنيه.
فهل سيكون هذا موسم هجرة إلى الناخب؟
أم موسم عودة الناخب إلى ذاكرته؟؟؟؟

الدكتورة نزهة الماموني

