يستعيد معرض فني جديد في لندن إحدى أبرز الأفكار التي طبعت تجربة الرسام البلجيكي رينيه ماغريت، والمتمثلة في إخراج الأشياء من سياقاتها المعتادة ووضعها أمام المتلقي في علاقات بصرية ومفاهيمية تثير السخرية والالتباس. ويستحضر معرض «حياة ماغريت الأخرى»، المقام في غاليري غاغوسيان، العبارة الشهيرة التي رافقت أحد أشهر أعمال الفنان، «هذا ليس غليوناً»، في محاولة لتتبع تأثير تجربته في أجيال متعاقبة من الفنانين.
ويضم المعرض، الذي افتتح الخميس الماضي ويستمر حتى 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل، مجموعة من أعمال ماغريت التي تعود إلى مراحل مختلفة من مسيرته، إلى جانب أعمال لأكثر من أربعين فناناً تأثروا بأفكاره وأساليبه، بما يكشف امتداد حضوره في الفن المعاصر وتحوّل بعض أسئلته إلى مصادر إلهام لتجارب فنية لاحقة.
وكان ماغريت قد رسم عام 1929 غليوناً مصحوباً بعبارة «هذا ليس غليوناً»، قبل أن يعود إلى الفكرة نفسها بعد نحو 23 عاماً، لكن مع تعديل العبارة إلى «هذا ليس غليوناً بعد». ولم تكن العلاقة بين الشيء وصورته واسمه مجرد تفصيل بصري في أعمال الفنان، بل شكلت محوراً رئيسياً في مشروعه الفني، الذي يعد من أبرز التجارب المرتبطة بالسريالية.
اعتمد ماغريت على إعادة تقديم الأشياء المألوفة بطريقة تفصلها عن وظائفها وسياقاتها اليومية، كما كان يمنحها أسماء لا تتطابق بالضرورة مع ما تمثله. وامتدت هذه الأسئلة من الفن إلى الفلسفة، خصوصاً من خلال مراسلاته مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، التي ارتبطت لاحقاً بكتاب فوكو «هذا ليس غليوناً». ومن الحذاء والتفاحة إلى الشجرة والوردة، أعاد الفنان بناء مفردات الحياة اليومية من خلال تغيير أحجامها أو مواقعها أو علاقاتها داخل اللوحة.
وتتوقف الأعمال المعروضة عند محطات بارزة من مسيرته، من بينها «أزهار الرحلة» و«عطر الهاوية»، التي كان أندريه بريتون، مؤسس الحركة السريالية، أول من اقتناها، فضلاً عن «مفتاح الأحلام»، التي أنجزها ماغريت لمعرضه الفردي الأول في الولايات المتحدة. كما يضم المعرض لوحة «اللعنة»، التي تظهر فيها سماء تتوزع السحب في فضائها، إلى جانب «المصباح الفلسفي»، التي أنجزها الفنان قبيل «المعرض السريالي الدولي» الذي أقيم في لندن.
ويأتي المعرض الحالي بعد تسعة عقود من ذلك الحدث الذي شكّل محطة مهمة في تاريخ السريالية، مستعيداً في الوقت نفسه جوانب أخرى من مسيرة ماغريت، من بينها أعمال مرحلة «فاش». ومن أبرزها «المسيرة الظافرة»، التي اتجه فيها الفنان إلى ألوان قوية وأشكال خشنة ومقصودة، على خلاف الأسلوب الدقيق الذي ارتبط بالكثير من أعماله. كما تحضر لوحة «إمبراطورية الأنوار»، التي تقوم على مفارقة بصرية تجمع بين مشهد ليلي وأجواء النهار في صورة واحدة.
ولا يتوقف أثر ماغريت في المعرض عند حدود الرسم، إذ تتجلى أفكاره أيضاً في أعمال فنانين استثمروا مفاهيم الصورة والشيء واللغة ضمن تجارب الفن البوب والفن المفاهيمي. ويظهر هذا الامتداد في أعمال أسماء مثل آندي وارهول، وجون بالديساري، وإد روشا، ويوكو أونو، وفييا سيلمينز.
كما يفتح المعرض مساحة للحوار بين تجربة ماغريت وممارسات فنانين معاصرين، من خلال أعمال لاحقة مثل «المأدبة» لهارولد أنكارت و«المغني» لدانا شوتز، إلى جانب مجموعة واسعة من الأعمال التي تكشف تنوع التأثيرات التي تركها الفنان البلجيكي في الفن الحديث والمعاصر.
وتبرز ضمن المشاركات أعمال الفنانة الفلسطينية منى حاطوم، التي تعود صلتها الفنية بأفكار ماغريت إلى بدايات تجربتها. وتعيد حاطوم توظيف الأثاث والعناصر المنزلية داخل تركيبات فنية تنقلها من وظائفها الأصلية إلى دلالات مرتبطة بالحرب والخطر والهشاشة. كما تلجأ أحياناً إلى تغيير أحجام الأشياء اليومية بما يجعلها تبدو غريبة عن وظيفتها المعتادة، بل ويحوّل بعضها إلى عناصر يصعب استخدامها أو تثير شعوراً بالتهديد.
ومن الأمثلة على ذلك عمل سابق لحاطوم استبدلت فيه قاعدة سرير طفل بأسلاك رفيعة، فتحول العنصر المنزلي المألوف إلى هيئة تشبه أداة تقطيع، في معالجة تطرح تساؤلات حول مفهوم الأمان داخل الفضاء الذي يفترض أن يكون مألوفاً وحامياً.
ويضم المعرض إلى جانب حاطوم أعمالاً لفنانين بارزين من أجيال واتجاهات مختلفة، من بينهم يوكو أونو، وجيف كونز، وماوريتسيو كاتيلان، وماثيو بارني، وسارة لوكاس، وجورج كوندو، وروبرت غوبر، وديفيد هامونز، وفييا سيلمينز، وبيتي سار، بما يعكس اتساع دائرة الفنانين الذين واصلوا الاشتغال على الأسئلة التي أثارها ماغريت حول الصورة والواقع واللغة والشيء.
وبذلك يقدم «حياة ماغريت الأخرى» قراءة تتجاوز استعادة أعمال الفنان البلجيكي، لتتبع حضور أفكاره في تجارب فنية جاءت بعده، وكيف انتقلت مفاهيمه من اللوحة السريالية إلى مجالات متعددة من الفن المعاصر.
طنجة الأدبية

