بقلم: فؤاد اليزيد السني
عندما وصلني طلب “طنجة الأدبية”، للمشاركة بدراسة أو بحث عن موضوع “المغرب في عيون الرحالة والادباء الأجانب”، وذلك استكمالا لمشروعها الثقافي، الرامي إلى تفكيك الصور النمطية، وإعادة قراءة الذات من خلال مرايا الآخر، وذلك من خلال أسئلة مطروحة ك:
- كيف تشكلت صورة المغرب في الأدب الغربي؟
- ما الذي تغير فيها من الرحلات الكولونيالية والكتابات الأدبية الحديثة؟
- وكيف يمكن للأدب المغربي أن يستعيد روايته الخاصة عن ذاته بعد أن كتبها الآخر عنه لعقود طويلة؟
هي ذي الأسئلة التي جمعناها في بوتقة واحدة، وحاولنا الإجابة عنها من خلال دراستنا التي خصصناها لكم، عن موضوع “طنجة في المخيال الجماعي الأوربي”، مقاربة إناسية، حضارية وثقافية. مساهمة منا في رفع جانب من الستار، عما غاب أو خفي عنا من جذورنا التاريخية والحضارية. ولقد وقع اختيارنا لمدينة طنجة كنموذج ونقطة انطلاق، للمساهمة بهذه الدراسة التي نضعها بين أيديكم اليوم. وهذا الاختيار لم يكن صدفة ولا ضربة حظ ياناصيبية، ولا مجاملة أو تسلية سياحية، لعرض وجوه المدينة وخباياها الروحية، في عيون زوارها الأجانب الذين قدموا إليها من مختلف بقع العالم. بالفعل، ليس شغلنا هنا، تسلية القارئ بعرض سياحي إشهاري، وليس أيضا عرض شهادات لكتاب أجانب كمرجع افتخار، فقط لأنهم مروا من هنا مرور الكرام، وخلفوا لنا من ورائهم صدى صيتهم الذائع، والفاتن لبعض أدباءنا المبتهجين بهم لأنهم كانوا هنا!
ولهذا السبب بالذات، ولتجنب كل هرطقة دعائية، جعلنا من موضوع “طنجة في المخيال الجماعي الأوربي”، مدخلا لبحث مفيد وبناء. ونقصد اعتمادنا على “المنهجية المقارِنَة”، كمقاربة موضوعية، تفيدنا في الوقوف على بعض الإجابات الهامة والموضحة لبعض الأسئلة الشائكة، تلك المتعلقة بلقاء الثقافات، بل واصطداماتها المدمرة في غالب الأحيان. فحين نعرض مثلا لرؤية الآخر، وأعني هنا رؤية الزائر الأوربي لنا، في مرحلة ما قبل الاستعمار العسكري، فإننا نقف في الوقت نفسه، على رؤية مركزية تتحكم فيها أحكام مسبقة، وخلفيات ومرجعيات ثقافية مختلفة، تتمحور في مجموعها حول المركزية الذاتية بشكل فردي، والمركزية العرقية الأوروبية بشكل جماعي، ومِخْيالها الجماعي وتصوراتها الوهمية عن الآخر. ومصطلح “الِمخيال الجماعي “يعود ابتكاره وتوظيفه، للفيلسوف الفرنسي “جيلبير دوران”، كما تداوله في مجمل أعماله المتفرقة والمتنوعة عن الأساطير وتاريخ الديانات، وبسيكولوجية الأعماق، والأنثروبولوجيا، والعلوم الإنسانية. ونجد مجمل هذه المصطلحات المنهجية، في أهم مؤلفاته ك “المخيال الرمزي” و”البنيات الأنثروبولوجية للمخيال”. وهذا المصطلح قد أصبح رائجا اليوم في ميدان “علم الاجتماع المخيال”.
وبالمخيال الجماعي، نعني حسب المصادر التي تحدد مصطلح المخيال الجماعي بمفهوميه: الخيال الذي يفحص المجهول، والخيال الذي يفسره. والمخيال الجماعي عموما، هو من يلعب دورا أساسيا في سلوك الأفراد والجماعات، موجها وعيهم في نظرتهم للعالم من حولهم، وتفسيرهم لأحداثه. إذًا، المخيال الجماعي هو ما يحدد مجموع التصورات والمعتقدات والخرافات والأساطير لمجموعة أو مجتمع معين، من حيث تأثيره على نظرتهم للعالم وعلى سلوكهم الثقافي.
وبخصوص “المركزية العرقية الأوربية”، فإنها قد أُسِّست على كل المخلفات والأوهام والتصورات الدينية الصليبية التقليدية، التي مهدت بها لطموحها الاستعماري الحديث ومؤسساته الاستعمارية. وبطبيعة الحال، عن كيفية التعامل معنا نحن من يشكل في نظرهم “الآخر المسلم”، باستعبادنا ومحو تاريخنا وحضارتنا، بمعنى ممارسة “الإبادة الثقافية” علينا، واستبدال الكل باسم “التدخل الأوربي الحضاري الضروري، من أجل مصلحتنا، ومن أجل إنقاذ مخلوق بربري بدائي متخلف ومتوحش، وإعادته إلى حضيرة البشر المتحضرين.. !”. فكل هذه العوامل مجتمعة، والموجهة بعقلية انتهازية استعمارية، تفسر لنا خلفية الأحكام العرقية، بحيث أن المركزية العرقية الأوربية، بآليتها الأيديولوجية قد سعت إلى تجريد الآخر من هويته، واختلقت له مواصفات اصطلاحية جديدة، كنعت السكان المحليين، المغاربة مثلا، ب “indigènes”، أو ” العرب” أو” maures” وأيضا “mauresques “، والسود منهم بالعبيد أو الزنوج، عوضا من تسميتهم بالمواطنين المغاربة باختصار. علما بأنهم ينتمون لبلد له اسمه، منظومة حكمه، بل تراثه الإمبراطوري الحضاري الممتد عبر التاريخ لأكثر من ألف سنة، كما هويته الثقافية ومقوماته التاريخية. يعقب هذا التصنيف، تجهيز حزمة “مركز عرقية” أوربية من الأحكام المزعومة حضارية، تلك التي تنظر إلى الآخر هنا، في هذه الجهة المقابلة لهم من الضفة العربية الأمازيغية الإسلامية، وكأنه مخلوق بدائي قريب العهد بالتوحش. وأخيرا الأحكام الثقافية الاستعلائية، التي تجعل من الآخر ونعني نحن في مقابلهم، مجرد بهلوانات متخلفة بئيسة، ومتنوعة الألوان والأطمار، تثير الشفقة والاشمئزاز في آن، الشيء الذي سنقف عليه في شهادة الكاتب الأمريكي “مارك توين” وغيره على سبيل المثال، والتي سنعرض لها بالتفصيل في هذه الدراسة لاحقا.
فهذه المقدمة الاستهلالية التي مهدت بها، ليست سوى مدخلا لدراستي هذه التي استوحيت منهجيتها من “الدراسات المُقارِنة”، أيام تحضيري لرسالتي في ميدان اللسانيات بجامعة “لوفان الجديدة”، تحت إشراف الأستاذ “كي جيكوا”. ولقد قام الأستاذ بتطبيق هذه “المقاربة المقارِنة” في أبحاثه، مع نخبة من المختصين معه في شؤون الحضارات والثقافات العالمية. وكان موضوع البحث، ظاهرة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، الذي راحت ضحيته الملايين من الهنود الحمر بالقارة الأمريكية بعد اكتشافها، على أيدي المستعمرين الأوربيين. ومن مقدمة مؤلفه “من التمركز الذاتي إلى التمركز العرقي”، نسوق لكم هذا المقطع من المقدمة، الذي يشير بوضوح إلى أهمية منهجية “الدراسات المُقارِنَة” حيث يقول: “نستفتح بهذه المقاربة المُقارِنة إذ نرى، بأنه من الممكن بالنسبة لبعض الأشخاص، أن العلاقة بين مسألة تيمة هذا المؤلَّف والمنهجية المقارِنة، قد تظل مسألة غير واضحة وبيّنة، ولهذا خصصنا لهم هذا المدخل بشكل خاص… إن “التمركز الذاتي” و”التمركز العرقي”، يحيلان كليهما إلى موقف متمحور سواء على الشخص المعني أو على طائفته. غير أنه من النادر جدا، أن تكون للشخص المعني نفسه، القدرة الكافية على النقد الذاتي، وعلى اتخاذه للمسافة اللازمة بينه وبين خطابه، وعلى إقدامه على إنشاء خطاب يكون نوعا ما غريبا عنه ومفارقا له. إن القدرة على خلق المسافات – أي اتخاذ موقف محايد بين ألأنا والهو- تفترض لدى الشخص المعني، تَمَرّنا ونضجا يسمحان له بأن يستشعر نفسه أكثر صفاءً ووضوحا، واضعا بالمناسبة بين قوسين إوّالياته (ميكانزماته) النرجسية، التي تقيه وتحميه في سجنه الداخلي الخاص به. وإن التأهيل للموقف المركزي يأتي في غالب الأحيان من الآخر الذي يعنى بمحصلات الأوهام المركزية المحتملة الوقوع….
إن مسألة لقاء الآخر، تعد مركز قلق للباحثين المختصين في “علم المقارنَة”. وهذا اللقاء، يشكل دائما حدثا يستدعي استحضار الموضوع: كيفية تواجد الآخر، ردود فعله وتفكيره، هي عندنا أسئلة هامة تحيلنا على التفكير في مواقفنا الخاصة بنا، حين نرفض هذه التساؤلات لأنفسنا، طالبين من الآخر أن يتصرف ويتمثل حسب عوائدنا الخاصة بنا، هو ذا ما يؤسس “التمركز العرقي”، بمعنى هذه المأساة التي تترجم بعدم القدرة على مقاسمة عيش “الغيرية”، أي ما يخص الآخر في مقابل الأنا. الشيء الذي يمهد لاستراتيجية شفهية وسلوكية، تهدف فيما تهدف إليه، إلى سحق الآخر ومحوه واختفائه جسديا من الوجود كمبرر نهائي”.
ونضيف ختاما بهذه المناسبة، نادرة ساقها المؤلف طيات مؤلفه، إذ عرض على القارئ نصا لرحَّالة مجهول، ورد كالتالي: “لا يمكن أن نرى أناسا أكثر وساخة، ولا أكثر خداعا وقذارة. يجهلون النظافة، ولا يغتسلون بالماء البارد إلا مرة أو مرتين في السنة. لا ينظفون قط ثيابهم التي يضعونها على ظهورهم إلى أن تساقط مزقا …”. ثم قال المؤلف معقبا مما لا شك فيه أن معظم من يطلع على هذا الوصف، لا يخاله إلا لرحالة أوربي في زيارته لأحد البلدان العربية، ولكن العكس هو الصحيح، لأنها شهادة الرحالة العربي “إبراهيم يعقوب” لأوروبا، في لب العصور الوسطى. ولكن بعض العنصريين المتطرفين عندنا، قد يتوهموا بأن الوصف ينطبق على المهاجرين المغاربة، ما لم يطلعوا على حقيقة قائله”.
إذاً، يتضح من هذه المقدمة التمهيدية، رغبتنا في إجراء دراسة ممنهجة وموضوعية عن مدينة “طنجة في المخيال الجماعي الأوربي”، ولكن ليس من وجهة نظر سياحية إشهارية كما سبق وذكرنا من قبل، ولكن عبر شهادة نصوص أدبية لأدباء وكتاب ودبلوماسيين أوربيين، يعدون من مشاهير المثقفين في أوساطهم الأوربية بل العالمية. هؤلاء الذين زاروا مدينة طنجة، وخلفوا لنا فيها شهادات مختلفة، كل حسب زاويته الخاصة، وانطباعه الخاص، وشهادته الشخصية. ولقد اعتمدنا على انتقاء بعض نصوصهم الأصلية المتعلقة بشهاداتهم وانطباعهم عن موضوع مدينة طنجة، وتناولناها بالبحث والتحليل، كما أجرينا عليها آليات “المقاربة المقارِنة”، للكشف عن الخطابات الخفية اللاشعورية، التي كانت تتحكم في رؤاهم وأحكامهم عنا وعن مدينتنا.
وبالمناسبة، نذكر بأننا قد تجاهلنا كتابنا المغاربة المحليين، لأن قصد دراستنا يكمن في رؤية الأجانب لنا، أولئك القادمين من الخارج، وليس لأبناء جلدتنا. وكذلك تجاهلنا مجموعة من الكتاب، المنتمين إلى تيار أدبي عرف ب “Beat Generation”. إذ في سنة 1947 شد الكاتب “بول بولس”، رحاله إلى أفريقيا الشمالية واستقر بمدينة طنجة المغربية. وبعد سنتين التحقت به زوجته “جان”، ليبدئا معا رحلتهما الأدبية المغاربية معا. ولحسن الحظ، فلقد حظيا معا باستقطاب عدة وجوه أدبية لامعة، قدمت من أقصى العالم للقائهما، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، كل من “ترومان كبوط”، و”تينيسي ويليام”، و”كور فيدال”، و “ألان ݣرينزبرغ”، و”وليام بوروغث”، و”جان جنيه”، أي هذه النخبة الممثلة للأدب الصعلوكي، المتمرد على قيم كل المعايير الأخلاقية. فلقد تجنبنا دراسة تجاربهم، لأنها كانت في مجموعها تجارب متمحورة حول الذات وشهواتها ولذاتها، أكثر منها اهتماما بتجارب اجتماعية مع الآخر. وعن هؤلاء بالذات ستنشأ في المغرب بدايات الأدبيات الصعلوكية لدي كل من محمد الزفزاف، وادريس الخوري، وباطما، بشكل محتشم، وعند محمد شكري بشكل متمرد وعنيف. على كل حال، لمن رغب في الاطلاع على تجربة هؤلاء الكتاب، بإمكانه الرجوع إلى مجلة “طنجة الأدبية” الورقية، في أعدادها السابقة للوقوف على سلسلة مقالات، سبق لنا ونشرناها عن هذا الموضوع. نستثني في هذه الأثناء “بول بولس”، الذي كان قد قدم لمدينة طنجة من “نيويورك” في الثلاثينيات، ثم غادرها ليعود إليها من جديد، في منتصف الأربعينيات ليستقر بها بصفة نهائية. وخلف لنا مؤلفات قيمة عن طنجة خصوصا والمغرب عموما، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: “شاي في الصحراء “، و”مذكرات بدوي مترحل”، و”سهرة رأس السنة بطنجة “.
ونذكّر أخيرا، بأننا جمعنا لهذه الدراسة مراجع متعددة ومتنوعة، صادرة في مجملها باللغات الأجنبية (الفرنسية، والإنجليزية والإسبانية)، بالإضافة الى بعض المراجع والوثائق الهامة باللغة العربية. ولقد قمنا شخصيا بترجمة الفقرات والمقاطع المعنية ببحثنا بشكل دقيق، وبتصرف في بعض الأحيان لتقريب الفهم، دونما إخلال بأساليبها أو مضامينها. ولأمانة البحث، ننبه بأننا سقنا بعض المراجع مباشرة داخل هذه الدراسة، ووثقنا الباقي في الفهرسة الملحقة بهذه الدراسة.
وقفة مع نماذج من الحكايات الأسطورية للمغرب القديم
حكاية أسطورة أطلس
حسب المصادر الإغريقية واللاتينية، بل وحتى الفينيقية قبلهما، أن الإله أطلس، كان ملكا على موريطانيا الأطلسية، نسبة إلى المحيط الأطلسي، وكان عالما خبيرا بعلم الحساب. ولقد كان حسب المصادر، من مخلوقات العماليق، تغلب عليه “زيوس”، وعاقبه بحمل قبة السماء على رأسه وكتفيه. ولمزيد من الوضوح، سنعرض بشكل مختصر لبداية خلق الكون، في حكاية الأسطورة الإغريقية، كيما يتضح لنا من مسلسل فكرة بداية خلق الكون، والخلق والخليقة عند الإغريق.
فحسب الحكاية الأسطورية الإغريقية، التي وردت في كل من مصادر، هوميروس وأفلاطون وهيرودوت، أن بداية الكون وتشكليه، بدأت بالإلهة “ݣاية” ” رمزا للأرض الأم، التي كانت أول من رأى النور، ثم أنجبت إلاه السماء “أورانوس”، وبالتوحد معه، أنجبت كل من العماليق ومخلوقات أخرى عجيبة. ثم قدم من بعدهم “كرونوس”، إله الزمن. ومن بعده الآلهة الثلاثة الذين اقتسموا الكون ووظائفه، وهم الإله “هاديس”، مديرا لشؤون العالم السفلي، التحت أرضي، بمعنى مملكة الموت. والإله “بوزيودون”، حاكما على البحار وأسرارها، والإله الأكبر “زيوس”، حاكما على السماء وشؤونها. وتشكل من هؤلاء الثلاثة، مجلسا “بالأولمب”، يعد من أعلى جبال بلاد الإغريق ارتفاعا، “مقر الآلهة”، الذي كانت تدار منه شؤون الدنيا ومجريات أحداثها.
حكاية هراقليس وحدائق هيسبيريدس.
بطلب من أخيه، خرج “هراقليس” حسب تسمية الإغريق، وهرقل حسب تسمية “الرومان”، في مغامرة للبحث عن التفاح الذهبي، المتواجد بحدائق “هيسبيريدس”، تسمية لبنات العملاق أطلس، اللائي كان في خدمتهن التنين “لادون”، ذو الرؤوس المائة، كحارس للحدائق، والتي تصفها المصادر بأنها كانت جنة على الأرض. واستخدم “هراقليس” الحيلة، حين عرض على العملاق “أطلس” حمل ثقل السماء مكانه، إذا هو قبل بتلبية طلبه بإحضار التفاح الذهبي، وكذلك كان. وحين عاد بالتفاح الذهبي، اقترح أطلس أن يبعثها مباشرة للذي كان سببا في طلبها. ولكن “هراقليس”، اختلق عذرا لحملها بنفسه، والعودة لاتخاذ مكانه تحت ثقل القبة. ولكنه راح ولم يعد. كل ما يمكن أن نستنتجه من هذه الرحلة الهيراقليسية البطولية، وهو أن الإغريق كانوا على علم بحضارة أطلسية منسوبة للملك العملاق أطلس، وكذلك بالمدنية الأطلسية المتطورة افتراضا، التي كانت سائدة لما قبل الطوفان.
الحكاية الشعبية لنشأة مدينة طنجة والعملاق “أنتي”.
تعود جذور حكاية أصول نشأتها، ودائما حسب المصادر المتقدمة التي ذكرناها، إلى أزمنة عتيقة غابرة، ضاربة بجذورها في حقبة ما قبل تاريخ الكتابة. قد تحولت حكايتها مع مرور الزمن، إلى حكاية بل حكايات شعبية بطولية متنوعة، تناقلتها الذاكرة الشفهية، وروجت لها بأساليب وأحداث وهمية خيالية.
وبالعودة إلى الحكاية الأسطورية التي ساقتها لنا المصادر الإغريقية، تحكي لنا أن العملاق “أنتايوس”، وهو “أنتي” بالأمازيغية، من أبناء “بوزيدون” “وݣايا”، قد تصارع مع “هيرا قليس”، في مغامرته الحادية عشرة، أي أثناء مغامرته في البحث عن التفاح الذهبي بحدائق “هيسبيريدس”. وقد تغلب عليه هيراقليس وصرعه، ثم امتلك زوجته الإلهة “طنجيس”، التي أنجبت له ابنا اسمه “سوفاكس”، والذي سيرث الحكم كأول حاكم أمازيغي خلفا للعملاق “أنتي”. ولكن بعض المصادر الأخرى، تحكي لنا حكاية التسمية بشكل مختلف، وتقول لنا، بأن التسمية “طنجيس” أو “طِنݣو”، كانت اسما للإلهة زوجة “أنتي”. وأن تسمية المدينة جاءت من قبل الابن “سوفاكس” تخليدا لاسم أمه.
وحسب المصادر الفينيقية، فاسم مدينة طنجة قد عثر عليه، في القرن الثامن ق.م. منقوشا عند البحارة الفينيقيين، بصيغة مركبة “طين ݣا” و”تيت ݣا”. وأما في النصوص اللاتينية، فقد ورد الاسم مركبا أيضا من “تيت ݣا” و”طين ݣا”. ولكن الجذور الأمازيغية الأصيلة، التي يقدمها لنا بعضهم، تطرح تفسيرا جديدا لاسم المدينة. ويفسر جذر اسم الكلمة للأصل الأمازيغي ب “ثاتْنْ ݣا”، ومعناها الموجة الكبيرة العالية. وأيضا “ثينْݣي” أو “تيتْݣي”، وبمعنى عرف الجبل. وباللفظ الأمازيغي ” تين ݣي”، وهي الموجة العالية المرتفعة.
توطئة تاريخية لمدينة طنجة
من حيث موقعها الجغرافي، فإن طنجة مدينة مرفئية، تقع داخل خليج صغير نصف دائري، تحيط به التلال والروابي من كل جهة بشكل تصاعدي. فمن الجهة الشرقية، نصادف مرتفعات “رأس مالاباطا”، على بعد عشرة كيلومترات تقريبا، ومن الجهة الغربية، مرتفعات “رأس سبارتيل”، على بعد أربعة عشر كيلومترا تقريبا. وهي من حيث الإقليم، كان يقصد بها المنطقة الواسعة، الممتدة من المغرب الأوسط إلى ساحل المحيط، نزولا في اتجاه “وليلي”. فهي إذن من المملكة المغربية، تقع في أقصى الشمال عند مضيق جبل طارق، على شاطئي الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وتكون بهذا الوضع الجغرافي المتميز رابطة وصل بين القارتين: الأفريقية والأوربية. وتاريخها حافل بالأحداث وغني بالأساطير، لكونها كانت مركز التقاء لعديد من الحضارات الأطلسية الأمازيغية الضاربة بجذورها في العصر ما قبل التاريخ، وكذلك الحضارات النامية على الشواطئ المتوسطية في العصر القديم. وذلك، ابتداء بالفينيقيين الذين قدموا حوالي القرن العاشر قبل الميلاد من أجل التجارة، فالقرطاجيين في القرن الرابع قبل الميلاد، لغاية سقوط دولتهم في القرن الثاني قبل الميلاد، حيث أصبحت طنجة عاصمة مستقلة لموريتانيا، وظلت كذلك لغاية مجيء الإمبراطور الروماني “كلوديوس” سنة 42 بعد الميلاد، حيث تحولت حينها إلى “طنجيس”، عاصمة “موريتانيا طنجيتان”. ولقد قام الرومان بتقسيم شمال أفريقيا إلى قسمين: إلى “موريطانيا القيصرية” الممتدة شرقا من “وهران”، و”موريتانيا الطنجية” الممتدة غربا، وتضم كل من طنجة وكورها بمعنى إقليمها. ومع بداية انحطاط الامبراطورية الرومانية، احتل “الوندال” المدينة سنة 429 م، ثم جاء من بعدهم كل من القوط بالأندلس، والبيزنطيين ورثة الرومان على طنجة، لغاية ما فاجأهم الفتح الإسلامي سنة 683م، أي مجيء العرب المسلمين في نهاية القرن الأول للهجرة، الموافق لبداية القرن الثامن ميلادي. ومن المعروف تاريخيا، أن مدينة طنجة استقبلت القائد المسلم الفاتح، عقبة بن نافع الفهري، عند الفتح الأول، ثم جاء من بعده القائد موسى بن نصير إلى طنجة فاتحا بصفة نهائية، سنة ثمانية وثمانين هجرية، واتخذها قاعدة إدارية لتحركاته العسكرية. وهكذا يكون العرب الفاتحين بمساندة المسلمين الجدد من الأمازيغ، قد انتقلوا من شمال المغرب مجتازين البحر إلى “جزيرة إيبيريا”، بقيادة طارق بن زياد، فاستولوا عليها وقضوا على مملكة القوط، وأصبحوا يتحكمون في العدوتين حوالي ثمانية قرون تقريبا.
ونذكر بخصوص هذا المبحث الوارد أعلاه، المتعلق بأساطير طنجة في تاريخ المغرب القديم، بأننا اعتمدنا مراجع ومصادر متعددة، منها على سبيل المثال: قاموس الميثولوجيا للباحثة “مريم فيليبير”، و”طنجة في التاريخ المعاصر من 1800 إلى 1956″، لمجموعة من الباحثين عرب وأجانب، خصوصا المبحث الصادر تحت عنوان “حول معنى اسم طنجة”، للكاتب أحمد توفيق، وكذلك “طنجة في العصر الوسيط”، لأعمال الندوة الدولية المنعقدة في طنجة سنة 2019. سيجدها القارئ ملحقة كلها بشكل مفصل بفهرسة هذه الدراسة.
خطاب أدبيات الرحلة في خدمة الوعي المركز عرقي
والمخيال الجماعي
Chantal de La Véronne (1923-2016).
طنجة تحت وطأة البرتغاليين
“شانتال دي لافيرون”، من أصول فرنسية إسبانية، وهي من مواليد باريس، لها تخصص في التاريخ والأدب والإسلاميات. ولقد نشرت في سنة 1972، كتابا تحت عنوان “طنجة تحت الاحتلال البريطاني”. والأهم ما في هذا المؤلف هو الشهادة التي ساقتها عن مدينة طنجة، من مذكرة زائر كاثوليكي إسباني مجهول، كان يعمل في خدمة العرش الملكي. وكان يطالب الإنجليز بإلحاح عن عدم التفريط في المدينة أو التخلي عنها. وعن هذا الحضور الإنجليزي، نذكر بأن مدينة طنجة التي استولى عليها البرتغاليون سنة 1471، وظلت في حوزتهم لغاية ما تنازلوا عنها للإنجليز وقدموها لملكهم “شارلز ال ثاني” كمهر، بمناسبة زواجه من ابنة ملك البرتغال “كاثرين دو براݣانس”، سنة 1661م.
ومن مذكرته يخبرنا الزائر المجهول، بأن الإنجليز لما قدموا إلى طنجة بعد البرتغاليين، حولوا كل المنازل من دور صغيرة إلى منازل كبيرة تليق بمزاجهم ورفاهيتهم. بالفعل، وجدوا عند مقدمهم، بأن الدور التي شيدها البرتغاليون غير فسيحة، فلهذا السبب قاموا بمسحها، وبنوا محل كل أربع منازل، منازل ضخمة زودوها بنوافذ زجاجية لم تكن معروفة عند البرتغاليين، لدرجة أن هذ الأحياء السكنية التي شيدوها، قد أصبحت أشبه ما تكون بأحيائهم في إنجلترا. وفيما يخص بناية الحاكم “الكومت دو ميدلتن”، فإنها قد صارت هائلة وجاهزة لكل الحكام الذين قد يأتون بعده.
وفي هذه السياق، وفي الظرف الزمني نفسه ولكن من زاوية مختلفة، عقبنا على النص الوارد أعلاه بهذه الشهادة الأخيرة التي وردت على لسان الإعلامي الشهير للدوريات الإنجليزية، “صامويل بيبس”، الذي كان قد عُيِّن أمينا لصندوق المالية، من قبل لجنة المراقبة لغاية سنة 1683. حيث يصرح بأن طنجة التي اكتشفها في هذه السنة، إلى جانب “اللورد دارتموث”، قد أرعبته طالما أن النفقات التي خصصت للمدينة كانت ضخمة. وأن العامل الحالي يحتقر الساكنة، وقد حول المدينة مع زوجته إلى ماخور هائل في خدمتهما. وفي هذه الحالة، فإن طنجة هي آخر مكان في العالم قد يبعث بشاب نزيه إليها، باستثناء الجحيم. وفي هذه الأثناء، باسم الإله واسم الملك، كان يظن بأنه قد حان الوقت لمحو هذه المدينة من الوجود. ولم يتوقف غضبه عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى لعنة وسب المناخ الذي وجده قاهرا وخانقا. وفي سنة 1683م، أمر الحاكم “دارتموث” بتفخيخ ميناء المدينة ثم تفجيره مع تخريب قسما من الأحياء السكنية، قبل تسليمها إلى السلطان العلوي الشريف، مولاي إسماعيل الذي استعادها فاتحا.
يتبين لنا من خلال ما ورد في هذه الفقرات، بأن مدينة طنجة كانت عرضة لأطماع صليبية من أجل خدمة الكنيسة والمعمرين. والشيء الملفت للنظر أنه لم يرد اسم أو الإشارة إلى السكان المحليين الأصليين. فالنظرة المركز عرقية تبدو جلية هنا، من خلال هذه الشهادات التاريخية. ثم إن المستعمر، من الناحية الأخلاقية، كان عديم الضمير، فقد دنّس المدينة وحولها إلى مسرح للفساد والعربدة. وردا على هذه الشهادات عمدنا إلى مصادر مغربية، عربية إسلامية، تقدم لنا من جهتها نظرة مختلفة وأجوبة شافية عن المدينة وروحها الإسلامية. وعن الجغرافيين المسلمين في العصر الوسيط، نقف على شهادة الجغرافي الأندلسي الشهير أبو عبيد البكري، الذي عاش في القرن الخامس الهجري، الموافق للقرن الحادي عشر ميلادي، من مؤلفه “المسالك والممالك” حيث يصفها بدار ملوك: ” وهي طنجة البيضاء القديمة المذكورة في التواريخ. وفيها آثار للأول، كثيرة قصور وأقباء وغيران وحمام وماء مجلوب في قنا ورخام كثير وصخر منجور…”. وشهادة الجغرافي الشريف الإدريسي من بعده قائلا من مؤلفه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق: “بأنها تقع على هضبة “مرشان” المرتفعة، وهي مدينة حسنة تقع في مسند الجبل إلى ضفة البحر، لها أسواق وصناع وفعلة، وبها إنشاء المراكب، وبها إقلاع وحط. وهي على أرض متصلة بالبر فيها مزارع وغلات…”. ومع بداية القرن السادس عشر ميلادي، يطلع علينا الجغرافي والسفير المغربي الحسن الوزان، من كتابه “وصف أفريقيا”، قائلا عن ماضيها: “وما زالت طنجة مدينة متحضرة شريفة مأهولة بأحسن العناصر من السكان…”. ويعقب قائلا عن حاضرها: “عاش سكان طنجة عيشة راضية إلى أن سقطت أصيلا بيد البرتغاليين. وعندما بلغهم الخبر-سكان طنجة- أخذ كل واحد منهم أثمن ما يملك، وغادر المدينة ليلجأ إلى فاس. فأرسل ملك البرتغال حينئذ ضابطا احتلها باسم هذا الملك…”. وعن سقوط مدينة طنجة بأيدي البرتغاليين سنة 1471، نسوق شهادة قيمة على ضوء كتاب “أوضاع طنجة خلال السيطرة البرتغالية”، للمؤرخ البرتغالي “فرناندو دي منيزش”، حيث يروي لنا الأحداث من وجهة نظر المنتصر قائلا:” وفي 15 غشت 1471م، استولى البرتغاليون على مدينة طنجة، بعد أن حشدت لها فرقًا عسكرية كبيرة، بقيادة الملك شخصيا، يرافقه ابنه “دون خوان” وعدد من الأمراء والنبلاء البرتغاليين… فأرض المغرب يجب أن يرفع فيها الصليب وتطهر من طغيان المغاربة “الكفرة”، وأن الحرب على السواحل هي حرب مقدسة تباركها الكنيسة… وقد تم الاستلاء على مسجد المدينة، وأقيم فيه أول قداس رسمي شارك فيه الملك شخصيا مع عدد من القساوسة… وبخلاف خمسة آلاف من الأسرى، فلقد تم ترحيل باقي السكان المسلمين بأعداد كبيرة، وأقيم احتفال ضخم بهذه المناسبة، وأنشئت أول مدرسة تعنى بتعليم الأمور الدينية تحت رعاية الرهبان “الفرنسيسكان”.
نكتفي بهذا القدر من الشهادات، التي تفيدنا إلى ما صار عليه مآل مدينة طنجة، جراء احتلالها من قبل الجيوش الصليبية، التي تشير علنا إلى ترحيل السكان وتخريب معمارها المغربي الأندلسي. وهذا وحده يكفي لتفسير الحالة التي آلت عليها المدينة، والشهادات السلبية في حقها من هنا فصاعدا، في عيون زائريها الأجانب. وهذا ما سنقف عليه، نلمسه ونراه في سلسلة الشهادات اللاحقة من هذه الدراسة.
Pierre Loti (1850 –1923 ).
الديبلوماسية البحرية.
“بيير لوتي”، كاتب وأكاديمي فرنسي، كان ضابطا بالحرية الفرنسية. وكيما يشفي غليله من حبه للسفر، اختار البحرية كمتنفس ووسيلة ناجعة لتحقيق هدفه. وهكذا دخل مغامرة البحار، مبحرا على متن سفن عدة من “تاهيتي” مرورا بالمغرب لغاية الأراضي المقدسة. ولقد كان مجيئه إلى المغرب عبر طنجة كأول محطة اتصال، في مارس سنة 1889، في مهمة دبلوماسية لخدمة مصالح فرنسا، التي كانت قد حلت بجوار المغرب بعد احتلالها للجزائر سنة 1830.
ومن مذاكراته إبان عبوره من العدوة الأوربية إلى العدوة المغربية، يروي لنا قائلا: “ومن السواحل الجنوبية لإسبانيا، من الجزيرة الخضراء وجبل طارق، نلمح هنالك على الضفة الأخرى من البحر، طنجة البيضاء، قريبة جدا من قارتنا الأوربية. وتبدو لنا هذه المدينة الأولى من المغرب، جاثمة كحارسة خيال على أعلى حرف من شمال أفريقيا. وعلى مسافة ثلاثة او أربع ساعات بالباخرة، يروح السياح ويعودون على الضفتين في فصل الشتاء. لقد أصبحت هذه الرحلات اليوم عادية جدا، لغاية أن سلطان المغرب قد سمح في نصف المدينة للزوار الأجانب، غاضا طرفه عن مدينة أصبحت في نظره خائنة وكافرة. ورؤية هذه المدينة من الأفق، تبدو وكأنها ضاحكة بدورها الكبيرة المحيطة بها، المشيدة على طراز المعمار الأوربي، وسط حدائق غريبة نوعا ما، ولكن ما تزال محتفظة بطابعها الإسلامي إذا ما أنا قارنتها بمظهر مدننا بالجزائر… ما زالت بأسوارها البيضاء اللامعة، وبقصبتها المزدانة بشرفاتها ومشربياتها، ومآذن مزخرفة بالخزف الملون… والغريب في الأمر، أن الانطباع الذي انتابني حين قدومي إلى هنا، كان يوحي لي بالتواجد في ميناء فريد من نوعه، لا يشبه أي ميناء أفريقي زرته من قبل. بالرغم من السياح الذين نزلوا معي، وبعض واللافتات الفرنسية، المعروضة هنا وهناك على مداخل الفنادق والبازارات، فإنني شعرت بمجرد ما وضعت قدمي على رصيف ميناء طنجة عند الظهيرة، وكأن الزمن قد عاد بي فجأة إلى الأزمنة الغابرة… بعيدا عن إسبانيا التي كنت بها هذا الصباح، وعن السكك الحديدية، والبواخر السريعة، وعن الزمن الذي كنت أعتقد بأنني أعيش فيه…! ههنا ثمة شيء ككفن أبيض يسدل بين الضفتين، ماحيا كل الضجيج القادم من هنالك، وواضعا حدا قاطعا لكل مظاهر ضوضاء حياة الحداثة… السماء هنا عند الغروب، تتجلى في صفاء عميق، وطنجة التي كنت ألمحها من بعيد تحت قدمي، تبدو لي في هذه اللحظة كقطع مكعبات بيضاء على منحدر جبل. وكل هذا البياض الناصع، يتحول مع حلول العتمة، إلى أزرق ثلجي، أمام امتداد بحري أزرق قاتم، يفصل بين هذه الضفة، وشبح رمادي لإسبانيا وأوروبا عند الضفة المقابلة…”.
شهادة رحلة وردت بأسلوب أدبي شيق، لأن الأديب “بيير لوتي”، أديب معروف بمذكراته، وأعماله الأدبية الروائية في الوسط الثقافي الأوروبي. ولكن ما يهمنا هنا في مقاربتنا التحليلية، هو الوقوف على الإشارات الصريحة، التي وردت في شهادة رحلته الأولى في حياته لمدينة طنجة. لقد كان في منتهى الصراحة في ملاحظاته وانطباعاته المباشرة. لقد أشار إلى تخلي السلطان عن نصف المدينة للأجانب، بسبب نمط حياتهم الإباحي الذي لم يكن يستساغ من قبل السّاكنة المغربية المسلمة. نتفهم من هذا، أن الرحلة كانت تؤرخ لمطلع القرن التاسع عشر، حيث كانت القنصليات الأجنبية تتمتع بمزايا الحماية لها ولمواطنيها الأجانب، في مقابل تهميش المواطن المغربي واستعباده. ومن هنا نتفهم الحرية، بل السلطة المطلقة التي كانت هذه القنصليات تمارسها، في ظل مملكة أنهشها الضعف والانكماش والتخلف عن الركب. وغياب المواطنين المغاربة المسلمين عن المدينة، كان قد بدأ قبل هذه الفترة بكثير، لأسباب نذكر منها التهجير البرتغالي، ثم سنين الجفاف التي عقبتها، والأوبئة كالطاعون والكوليرا وأمراض مزمنة أخرى، تفشت في البلد منذ أواخر القرن الثامن عشر (من 1798-1819)، وبالأخص وباء الكوليرا طوال الفترة الممتدة بين (1834 -1895). أما الانطباع الثاني الذي تركه لنا الزائر، وهو ذو أهمية بالغة بالنسبة لنا، عامل الزمن الذي كان يفصل بين الضفتين: الأوربية من جهة ولأفريقية من الجهة الأخرى. فالكاتب الزائر يحدثنا عن انطباعه وإحساسه بالتواجد في زمن الحقب الغابرة. ولقد أشار إلى الستارة الرمزية التي شعر بعا كحد فاصل بين عالمين: عالم الصخب وجعجعة القاطرات الحديدية والضوضاء الحداثية، وعالم طبيعي وطفولي بريء. لقد كان يوازن بين ضجة الثورة الصناعية التي كانت تجتاح أوربا آنذاك بآلياتها، وبين مسحة رومانسية لمدينة، ما زالت تعيش على إيقاع الزمن الطبيعي الساذج بكل مظاهر تجلياته وألوان فضاءاته المغرية.
Paul Morand(1888–1976).
طنجة كشخصية رسمية.. وهم ديبلوماسي.
الكاتب الأكاديمي والديبلوماسي الفرنسي “بول موران”، كان يشغل منصب سفير لحكومة “فيشي”، التابعة للنازية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد عمل في السلك الديبلوماسي، ولكنه فصل من منصبه بعد انتصار الحلفاء، سنة 1945. ولقد شهد مرحلة المنفى بين (1945-1955)، إذ تنقل خلالها من سويسرة إلى المغرب في بداية الخمسينيات. ولقد كان أن حصل له وزار مدينة طنجة من قبل، أي في سنة 1938، وخلف لنا شهادته فيها، والتي نجدها في كتابه “حكاية سفر من مرسيليا لبيروت”.
وعن انطباعاته عن سفره لغاية حلوله بمدينة طنجة يخبرنا قائلا: ” حين أفكر في أيام السعادة المطلقة، تلك التي أصبحت ورائي، فإنها كانت في مجملها أيام صيف، بمعنى كان دائما ثمة حمامات البحر. وتحت خطوط العرض، شواطئ برتغالية من “كَسْكايس إلى الناصرة إلى الأجواء الأندلسية الخانقة، ومن جزر البليار إلى مغاور طنجة البحرية… لقد كان نزولنا من الباخرة من مدينة طنجة شاقا للغاية، خصوصا في هذا الظرف الصعب. وإنها لفرجة أن ترى هلع وخوف السيدات من النتوءات الحادة، المتواجدة أسفل سلم الهبوط أثناء نزولهن. رجل مدلاة في الفراغ، في انتظار القفز داخل المركب المعد لنقلهن إلى اليابسة. ومن وسط المركب تحت أقدامهن، تمتد أيادي “المَحَلِّيين” نحوهن، أيادي سوداء تجعلهن في تردد للمسك بها. وعلى الرصيف، مرشدين ومترجمين في لباس محلي: في قندورات وأقمصة ملونة بالأصفر الزعفراني، والأخضر الباهت، وأزرق شاحب، مزركشة بتطريزات فضية، يتهافتون على السياح بلهفة وسلطة ونفوذ. رؤوسهم حليقة ومزينة بطرابيش حمراء وأحذية فاسيّة. منذ عشر سنوات من قبل، لم نكن نزور طنجة إلا على أظهر الحمير والبغال، ولكن اليوم، فقد أصبح بإمكاننا أن نصعد على متن سيارة فورد لغاية الحي العربي. ومن السوق التي ليست سوى معرض لقرية بئيسة، مقارنة بأسواق تونس وفاس، نلاقي عربا متربعين، يبيعون أشياء فقيرة في أعماق دكاكينهم الداكنة، وهم ممتلئين حقدا على المشترين ولكن بهم نهم شديد لنقودهم. وتلتقي بنساء ملثمات ومسمطات بحائك قطني أبيض، إذا ما الرياح فاجأتهن برفع ردائهن، يسارعن بوضع أيديهن على أفواههن.
لا أحب طنجة كثيرا، لأنها شخصية رسمية ووهم ديبلوماسي. ولا تمد لها جذورا عميقة في أرض أفريقيا. وهي مدينة دولية: قواديس مجاريها إسبانية، كهرباؤها إنجليزية، و”طرامواياتها” فرنسية. ومن هذا الوكر للزنابير الذي ابتكرته دواوين القنصليات الدولية، والذي لا تلاقي فيه إلا قليلا من المحليين، تنطوي نية كل من هذه القوى الدولية، على الاستحواذ وبشكل منفرد، على المدخل الشرقي للأبيض المتوسط…”.
من هذا المشد السينمائي الخاطف، الذي يعرضه لنا الكاتب الزائر عن لقطة ثابتة للحظة النزول من الباخرة على رصيف ميناء طنجة، يجسد لنا بأسلوبه ورؤيته الخاصة به، امتعاضه واشمئزازه من السياح البيض كما المحليين” les indigènes” كما ينعتهم، أي العرب ذوي الأيادي السوداء المتلهفة. ضف على هذا بؤس الدكاكين الغارقة في العتمة ووسائل النقل البدائية كما الحديثة. إنها نظرة لزائر ديبلوماسي فرنسي معروف بميوله الوطنية اليمينية. فالآخر هنا، والمتواجد بنسبة قليلة على أرض مدينته، أي العربي كما ينعته، والمجرد من هويته الوطنية، يضعه من وجهة نظره المتعالية، واقعا تحت مجهر أقدام أوربية خائفة ومتوجسة منه. وهذا لا يفاجئنا حين نعلم بأن المعمرين الفرنسيين الذين نقلهم الاستعمار إلى مستعمراته، كانوا في جملتهم من الكاثوليك العنصريين المتشددين، الراغبين في محاربة الإسلام ومحوه ثقافيا، واستبداله بالمسيحية المتشددة، كما كانت المحاولة بالجزائر، التي لم يحالفها الحظ، كما هو شأن بالمغرب، لشدة تمسكه بجذوره الإسلامية. ونشير أخيرا، بأن الكاتب، قد تراجع فيما بعض عن بعض أحكامه التي وردت في وصف هذه الرحلة، وذلك حين عاد في الخمسينيات للإقامة من جديد بمدينة طنجة لمدة ثلاث سنوات، حيث ترك لنا شهادة مختلفة من روايته “حمامات البحر”، التي استوحاها من فترة إقامته بطنجة.
Alexandre Dumas (-1802 (1870
من جنة قادش إلى غاب طنجة.
الكاتب الفرنسي الشهير، “ألكسندر دوماس الأب”، المنحدر من أصول سوداء من جهة جده وجهة أمه ذات الأصول “الهايتية”، أي “الهجين” كما تنعته المصادر الفرنسية، يخبرنا عن رحلته على متن ” Le Véloce ” باخرة للبحرية العسكرية الفرنسية، وعن قضائه ليومين بمدينة طنجة، خلال شهر نوفمبر من سنة 1846، كمبعوث دبلوماسي من قبل وزارة المعارف العامة، في مهمة تتعلق بالبحر الأبيض المتوسط، و”بالبروباݣاندا”،أي الدعاية التبشيرية، الساعية لتشجيع المعمرين الفرنسيين على الاستقرار بالمستعمرة الجزائرية، التي كانت وجهته الأساسية من هذه الرحلة. ومن مذكرات رحلته التي كان يسجلها على متن “الڤيلوص”، ترك لنا انطباعا حادا وشديد اللهجة عن سفره، قائلا بأنه كان يمشي على خطى الرسام الفرنسي الشهير ” أوجين دي لاكروا”، الذي كان هو الآخر، قد بعث من قبله في مهمة دبلوماسية مماثلة. ويستهل سرده الحكائي قائلا: “على كل حال، من الملفت للنظر من كل هذا، أن طنجة كانت النقطة الأكثر سوادا من الساحل. وكيما لا يراودك أي شك، يجب أن تكون قد نُبّهتَ من قبل بأن هنالك مدينة، وأن بها سبعة آلاف من السكان: هنالك حيث الليل وصمت المقابر… وخلفنا عند خصر الجبل الدائري الذي يشكل الخليج، كانت تلمع بعض النيرات، وتتعالى صيحات أشبه ما تكون بأصوات بشرية… وهذه الصرخات كانت عويلا واستهلالات للثعالب والضباع. وليس هنا أية غرابة أكثر من القناعة التي تسكننا، أن تجد نفسك وقد حملت إلى عالم جديد ومجهول. لدرجة أن أي حس من حواسنا، بقادر أن يربطنا علانية بهذا العالم. إلا أن الذهن البشري، له القدرة بإقناع المادة التي هنا، بأن لا شيء قد تغير حولها، فيتدخل الذكاء مخبرك بأنك في هذا الصباح غادرت بلدا صديقا، وعند المساء سترقد في بلد عدوّ. وهذه النيران التي تراها، قد أوقدت من طرف جنس بشري مضاد في كل شيء لجنسك أنت، والعدو القاتل لك أنت الذي لم تؤذيه. إن هذا الصراخ، هو لحيوانات ضارة وشرسة غير معروفة بالأرض التي أنت على وشك أن تغادرها. إنها أشبه ما تكون بالأسود الضارة، المذكورة في كتبنا المقدسة، التي تخرج باحثة عمن تفترسه. ضع قدمك على هذه الأرض، فإذا أنت نجوت من الحيوانات فلن تنجو من البشر…
وحين طمأنني “ڤيال”، لينتشلني من شكي قائلا، بأن القمر لن يبزغ قط، ذهبت للنوم تاركا أوامري بإيقاظي في الصباح الباكر. وفي هذه اللحظة من الفجر، حيث الليل المنسحب ما زال في صراع مؤقت مع النهار البازغ، ونحن في الحوض الشاسع الذي قضينا فيه ليلتنا، والذي يشكل نصف دائرة من حولنا، قد توهج فجأة بضياء أجهله، وبدا كبحيرة من خالص الفضة، في الإطار الذي رسمته له الجبال السوداء. فمن جهة، كنا نلمح الصومعة التي تشكل “رأس مالاباطا”، وهي تنفصل عن الإشراقات الصباحية الأولى، بينما من الجهة الأخرى، فبالأحرى، استطعنا أن نميز عند ظهر “رأس سبارتيل”، طنجة وهي ما تزال نائمة على شاطئ البحر. النيران كانت ما تزال مشتعلة في الجبل، والنجوم الأخيرة تضطرب أيضا في السماء. وقريبا منا، ضباب وردي بدا قادما من جهة المضيق، متجها من الشرق إلى الغرب، منزلقا بين أوربا وأفريقيا، راميا بصبغة في منتهى الرقة، ذات شفافية عجيبة، على كل الساحل الإسباني، من “سييرا دي سان ماثيو” لغاية “رأس ترا فلغار”. وعلى إشعاع هذا الضوء المضيء، كنا نرى القرى وهي تزداد بياضا لغاية البيوتات المنفردة، المبذورة على الشط الأوربي… “.
الكاتب “ألكسندر دوما”، يحذو خطى “أوجين دي لاكروا”، الذي كان قد سبقه في زيارة لكل من الجزائر والمغرب في مهمة ديبلوماسية هو الآخر. إنها المؤسسة الاستعمارية الفرنسية كما نعهدها، في تخطيطها لاحتلال أفريقيا الشمالية بالكامل، ونقصد المغرب العربي الأمازيغي الإسلامي لغاية دول الساحل، كالنيجر وبوركينا فاسو والتشاد وغيرها لغاية السينغال. فلقد بدأ التخطيط بجواسيس من دبلوماسيين في ثياب كتاب وتجار وفنانين وقناصل ومبعوثين، لغاية البعثات العلمية المزعومة، لجمع كل المعلومات التاريخية الثقافية والدينية والطوبوغرافية، قبل مباشرة الاستعمار العسكري الفعلي. ومن هذه الخلفية والنية المبيتة سلفا للهدف من الرحلات والزيارات القصيرة، يطلع علينا الكاتب “ألكسندر دوماس”، بهذه الشهادة المباشرة لمدينة طنجة التي قضى يومين بها. ومن نص حكاية الرحلة الوارد أعلاه، لا يسعنا إلا أن نصاب بالدهشة من هذه الفانتازيا الخارقة للخيال، التي كانت توجه فكره المشبع بالأوهام والأحكام المسبقة. فالرجل يصرح بأنه قد نبه لتواجد مدينة ما على الساحل الآخر، مدينة شبيهة بغاب تسرح فيه الوحوش المفترسة وأشباه البشر. والرجل الزائر لم يصل بعد، ولكن الفانتازيا الغالبة على تصوره، تركته يصف لنا عالم وهمي متوحش لا يشبه عالمه الإنساني في شيء. عالم افتراضي ولكنه بدائي وغريب يشبه في هول صمته رهبة المقابر، عالم يتصف سكانه بالهمجية والعدوانية القاتلة لجنس كاتبنا، الذي نسي أو تناسى بأنه ينحدر من أصول أفريقية مثلنا نحن المغاربة، وأن بعض الفرنسيين بالرغم من مكانته الأدبية، لا ينعتونه إلا “بالزنجي” استحقارًا واستخفافًا بأصوله. فاللوحة الوصفية التي يقدمها لنا، قد سبقت أوهامها حقيقتها الفعلية. فهو لم يكن قد وطء هذه الأرض من قبل، ولكن تصوراته الوهمية قد سبقت تدبيره العقلاني، فصار بذهنه وذكائه حسب ما صرح به، مروعا بالقدر القاتل الذي ينتظره عند الضفة الأخرى، بين مخلوقات شبه بشرية شرسة وقاتلة. وبالعودة إلى النموذج المنهجي “المقارن” الذي وضعناه كنهج وطرق لتتبع الخفايا الماورائية للخطابات الرسمية المباشرة، يتضح لنا بأن الزائر المراقب، ليس بقادر على التخلص من مركزيته الذاتية” المحكومة بالخلفية الأوروبية “المركز عرقية”، وليس بقادر على التخلص من نرجسيته، ومد المسافة اللازمة بينه وبين الآخر، الذي أصدر أحكامه العرقية عليه قبل ملاقاته. والآخر هنا، ذاك الواقع على الضفة المقابلة، ليس له الحق في الكلام، لأن صمته أو هذا الصمت المفروض عليه من قبل هذا الزائر الغريب المراقب، تتحكم فيه وتوجهه الأيديولوجية المتمثلة في الخطاب الذي يمتلكه من له الحق في الكلام، ونعني به هنا، الكاتب في مهمته الدبلوماسية للمؤسسة الاستعمارية.
Henry De Montherlant (1895-1972).
المرايا المُحَدّبة ل “وردة الرمال”.
لقد قام الكاتب الفرنسي “هنري دي مونترلان”، بزيارة مدينة طنجة لعدة مرات. بل وأقام فيها لفترات متقطعة، قبل أن يصدر روايته “وردة الرمال”، التي ألفها في سنة 1932، والتي ظلت منسية ومهملة في درج الكاتب لغاية ما أصدر طبعتها الأولى سنة 1968. والسبب في هذا التأخير حسب رواية الكاتب نفسه، أنه أجلها لغاية تحرر أفريقيا الشمالية من نير الاستعمار الفرنسي. فالفترة التي كتب فيها روايته، كانت عصيبة على فرنسا لما كانت تتعرض له من هجمات، من قبل كل من الصحافتين: النازية والفاشية، لذا لم يشأ أن يزيد الطين بلة بفضحه للممارسات المشينة التي كان يمارسها المستعمر الفرنسي في أفريقيا الشمالية. وكل هذا لا يبرر عذره، من وجهة نظرنا الاستقرائية للدوافع النفسية اللاشعورية.
ولقد انتقينا لكم بضع فقرات من الرواية، التي شخصيتها الرئيسية، الملازم الأول “أوليني”، ضابط شاب، يتصف بالنزاهة والاعتدال والانضباط. وهو حين اقترحت عليه أمه الالتحاق بالخدمة العسكرية بالمستعمرة المغربية، قبل بالفكرة مع العلم أنه لم يكن متحمسا للفكرة. ولكن حين استقر به المقام، حصل له أن وقع في حب طفلة بدوية اسمها “رحمة” لا يتجاوز عمرها أربعة عشر سنة على ما يبدو، التي استبدل اسمها باسم “رام”، وأطلق عليها لقب “وردة الرمال”. لقد كانت جذابة بجمالها، ولكن باردة الأعصاب والحواس. وهنا إشارة واضحة للعلاقات الإنسانية الشائكة والمعقدة، التي كانت تفرضها مؤسسة الاستعمار، في ظل مستلزماتها ومتطلباتها العقائدية… وفي هذا السياق ترك لنا بطل الرواية صرخة مدوية: “ليس ثمة سوى الانفعالات العاطفية العنيفة من تجعلنا نفكر…”.
وننتقل لفقرة أخرى من الرواية، في شأن الاستعمار، جاءت صريحة العبارة لحوار كان يدور بين البطل “أوليني” وأحد رفاقه في الخدمة العسكرية الرسام “ݣيسكار”:
- أنظر قال “ݣيسكار”، تعامل الأجانب مع العرب، هي مسألة محسومة عموما. فهم حين يقدمون لأول مرة يعدون أنفسهم من محبي العرب، فتسمعهم يقولون “يا لهم من نبلاء هؤلاء العرب! وكأنهم أمراء! ولكن يا للأسف، فالناس هنا يتعاملون معهم بقسوة وعنف شديد…”، وذات يوم، حين يسرقهم أحد خدامهم من العرب، ينفجرون فجأة “جنس منبوذ هؤلاء العرب! وسخين، لصوص، كسالى، كذابين، نكارين للجميل، ووحوش مع النساء والحيوانات… آه! الحق علينا لأننا لسنا أشد قسوة معهم…”. وفيما بعد، حين تمر بضعة سنوات على إقامة هؤلاء المعمرين الأجانب بهذا البلد، تسمعهم يقولون من جديد “لهم نقط ضعف ليست لنا نحن الأوربيون، ونحن الأوربيون لنا أيضا نقط ضعف ليست لهم، وهذا يساوي ذاك”. ولكن الضرورة التي تلزم الأدباء الفرنسيين، بمعنى كل الفرنسيين، رسم صورة شخصية للعرب، وأعني بكل أوجهها المختلفة حسب متطلبات فن الرسم، كل هذا قد ساقهم إلى المبالغة في التفاصيل، لغاية ما جرهم الأمر إلى خلق صورة على مقاسِهم، صورة هزلية، “كاريكاتورية” مبالغ فيها للمخلوق العربي. وثمة بعض “الكليشيهات”، التي تروج “أن هؤلاء العرب لا يمكن أن يساقوا إلا بالقوة…”. ولكن في الواقع، إن العرب والأمازيغ معهم، كلهم أبناء الأبيض المتوسط، مثلهم مثل باقي السكان. والعربي أو الأمازيغي، لا يختلفان عنا كثيرا نحن الفرنسيين، كما هو شأن اختلافنا مع الإنجليز أو الألمان.
- ولكن هنالك إجماع بإلصاق كل العيوب بهم، أجاب “أوليني”.
- لأن كل عيب أو تصرف مشين صادر من أحدهم، يحمل المسؤولية للجنس كله. فإذا سرقك خادمك الفرنسي مثلا، فلن تقول الفرنسيين الوسخين، بل ستجد لك مبررا لتقول، يا له من خسيس! أما إذا سرقك خادمك العربي، فستقول “العرب الوسخين”، ضف على هذا، إذا كنت فرنسيًا وتستخدم خمسين مأجورا عربيا، ومر بين يديك تسعة وأربعون منهم، يتمتعون بأقصى درجات النزاهة والاعتدال، وسرقك آخرهم، فلن تتوانى أن تصيح “جنس وسخ وخبيث.. !”.
- إذن، فهم لا يقلون سرقة عن الآخرين؟
- نعم هو كذلك.
نكتفي بهذا القدر، تاركين للقارئ الفضولي الاطلاع على الرواية “وردة الرمال” من مصادرها، إذا كانت به الرغبة في معرفة المزيد. ولمعرفة استخدام بعض الأوصاف، يقول الكاتب من مقدمة روايته، بأن مصطلح “العرب” كان يستخدم في الثلاثينيات مقابل “مسلمي شمال افريقيا”، وأن مصطلح “الزنوج” كان هو الآخر رائجا لغاية ما عُوِّض بالسّود” مؤخرا. ثم إن استبدال اسم “رحمة” بطلة الرواية باسم “رام”، فهو يندرج في إطار “الإبادة الثقافية”، التي كان ينهجها المستعمر في مستعمراته، لمحو معالم الهوية الثقافية المحلية، واستبدالها بأخرى مستوحاة من ثقافته الاستعلائية الخاصة به.
ما يثير انتباهنا في هذه الفقرات التي تناولناها من الرواية، هو شخصية بطل الرواية وقدرته على إجراء انتقاد حاد على نفسه في شخص محاوره “ݣسكار”. الآخر هنا، هو المرآة التي تعكس له عيوبه الشخصية، وتبطل نرجسيته المتمركزة حول رؤيته الخاصة به للأشخاص والأشياء والأدوات المحيطة به. فالخطاب هنا لبطل الرواية، يتخذ له مسافة كبيرة من المؤسسة الاستعمارية، كيما يواجهُ خطابها الأيديولوجي المحقِّر للآخر، بخطاب عقلاني مضاد وفاضح في الوقت نفسه، لكل هذه المزاعم الاستعلائية الخادعة، التي كانت تروج لها هذه المؤسسة الاستعمارية الخبيثة كضرورة تاريخية. فعملية تصنيف الآخر كمخلوق دوني ووضعه في خانة كاريكاتورية معينة، مرسومة من قبل، هي ذي الأنماط التي كان يسير عليها الاستعمار كذبا، باسم ضرورة التربية الحضارية للآخر، الذي يفترض فيه أنه ما زال في طور التوحش والبدائية. وعلى سبيل المثال، نستحضر وجهة نظر “جيكوا” بهذا الخصوص، حيث يرى بأن خطاب المستعمر الأوربي من بعدما يضع يده على الموارد الأولية للبلد المستعمَر، وينهبها باستخدامه لليد العاملة المحلية البخيسة الثمن، فإنه ما يفتأ يروج لمصطلح التطور بخطاب “تربوي” مغلف بمظهر “خُلقي”، يزعم من خلاله، فائدته في تلقين هؤلاء، قواعد التنمية والتطور والسلوك الحسن.
وبالعودة إلى الفقرات الواردة أعلاه، فإننا نصدم فعلا بالمركزية الأوربية، التي كانت تروج لعرقها الأوربي بضرورة التحكم في العالم وسيادته، باسم اللون والجنس والذكاء الفطري، علاوة على المرتبة العليا التي تحتلها من بين كل الأجناس البشرية الأخرى، التي ليست سوى نسخ ناقصة لم تنضج ما فيه الكفاية، ولم تكتمل طبيعة نشأتها وتطورها. ونشير بهذا الخصوص “، للكاتب والمستشرق الفرنسي “جوزيف ݣوبينو”، الشهير بعنصريته في نظريته للجنس الآري والسلالات البشرية، من مقالته الشهيرة “حول عدم المساواة بين العروق البشرية”، حيث كان يرى باختصار بأن الحضارة مرتبطة بالعرق الأبيض وسيادته. كانت هذه التفاتة سريعة وهامة، للوقوف على ما كانت تروج له ثقافة الاستعمار الاستشراقية، منذ بداية القرن التاسع عشر، وعن تأثيرها المباشر في العقلية الاستعمارية التي كانت تتهيأ للسيطرة استعماريا على بقية العالم منذ هذه المرحلة.
Dominique Pons ( 1934-2024).
الفردوس الأرضي.
الصحفي الإخباري الفرنسي “دومينيك بونس” من حولياته عن المجتمع الطنجي، خلف لنا في كتابه “الساعات الغنية لطنجة”، وصفا فريدا من نوعه عن هذه المدينة، إبان الفترة المتميزة التي كانت خاضعة فيها للحكم الدولي ولسيادة سلطان المغرب في آن، ابتداء من سنة 1923 إلى سنة 1956، تحت إشراف إدارة أوربية بها بما فيها الولايات المتحدة.
يطلعنا الصحفي الإخباري “دومينيك بونس”، عما أطلق عليه “بالعصر الذهبي لمدينة طنجة”. ويسوق لنا الحدث المؤرخ سنة 1939 قائلا: ” بأن رئيس المجلس الفرنسي “إدوارد دالادييه”، في 7 غشت من هذه السنة، كان قلقا بشأن طنجة، لأن وضعها القانوني كان يبدو له غير كاف لحمايتها من تهديدات وأطماع النازية. ولذا ارتأى أن يحتل المدينة بتعزيزات عسكرية، توفرها له كل الدول الموقعة على “ميثاق الجزيرة الخضراء”، سنة 1906. وفرنسا إلى جانب بريطانيا، فإنهما قد يتحركان معا. فالإنجليز على استعداد لتوفير سبعة فرق عسكرية… ولكن الأحداث كانت تتسارع، والتاريخ كان يمر بسرعة. ففي الأول من سبتمبر 1939، اجتاحت فرق جنود “هتلر” بولونيا، وفي الشهر نفسه، أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على “الرايخ” الثالث. وليس من المستغرب، أنه في خضم هذه الأحداث الجارية، وفي التوقيت نفسه، ظهرت مجلة ” Tanger Riviera ” في عددها الجديد كعادتها، لمساندة وكالة السياحة، وكأن أي حديث جسيم لم يحدث في العالم. وكان غلاف المجلة، يحمل صورة كبيرة لزواج تم في إنجلترا، بين “اللورد ريديان كريشتون-ستيوارت” و”سيلينا ݣيرث ڤان ويك”، ابنة الوزير الهولندي المطلق الصلاحية بطنجة. وداخل المجلة، كانت تتواجد لائحة للمدعوين تملأ صفحة بكاملها. ومن جهة أخرى، تخبرنا المجلة بانتخاب ملكة “جمال طنجة الشاطئية” لهذه السنة. وكان اسمها “إيڤا كوفيز”، مهاجرة من أصل بولوني، والتي حققت شهرة كبيرة بفوزها بهذا اللقب. أما الموضة، فقد خُصّصت لها ثلاث صفحات بالإضافة إلى مسابقة أدبية، الهدف من ورائها تشجيع الإقبال على المدينة ومزاياها الساحرة.
وللتذكير فقط، فإن العدد الأول من المجلة، كان قد صدر في 30 سبتمبر 1937، تحت عنوان “الفردوس الأرضي”، ومحررا بكل من الفرنسية والإنجليزية والأسبانية.
وجه جديد لطنجة، يطل علينا من بين صفحات مجلة “طنجة ريفييرا”. بل عالم يكاد يكون منفصلا عن بقية المعمورة، عالم قائم بذاته في هذه الفترة العصبية، من مجريات الأحداث التي كانت تمهد لنسف السِّلم العالمي بأكمله. وسخرية ليس بعدها سخرية، إذ في حين كانت “بولونيا” تحتضر تحت النيران “النازية، كانت ثمة عند الضفة الأخرى من أوربا، مُهَجّرة بولونية تتوج ملكة جمال تحت أضواء الصحافة العالمية. وأين كان قُطّان طنجة في هذه الأثناء؟ وماذا كانت يا ترى معاناتهم من الحدثين؟: حدث استعمارهم بتدويل مدينتهم وتهميشهم، وحدث جرهم للحرب العالمية الأوربية، التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل. بالفعل إن من يستحضر هذه المجلة في تصوره، يخال له أنه يعيش زمنا كونيا مختلفا عن كل الأزمنة الواقعية المحتملة. عرس ملكي ببريطانيا، دعوة للسياحة الأدبية، تتويج ملكة جمال أجنبية، وجر المدينة إلى خراب الحرب العالمية الثانية، بالاصطفاف مع الحلفاء، وجر طوابير من الجنود المغاربة المستعمَرين، للتضحية بهم في حرب أوربية، استخدمتهم كقربان لنيران مدافع العدو. الصورة كاملة وواضحة، والآخر هنا، ونعني به المواطن المغربي، غير موجود، بل شبح مستتر هنا وهناك، لأن اللافتة الملونة العريضة، يجب أن ترفع تخليدا لوجهاء سادة الاستعمار، وحكامهم ورؤسائهم وملوكهم. إن المؤسسة الاستعمارية، بسياستها لنهب موارد البلدان المُستعمَرة، كانت حريصة كل الحرص، على محو هوية المواطن المستعبَد، محو ثقافته ولغته ومؤسساته الدينية. وحين يصبح هذا الآخر عبارة عن “فانتوم”، عن شبح لا صوت له ولا صورة، يصبح بإمكان الغزاة أن يقيموا الحفلات الخالدة ويرقصوا تحت نيران الألعاب النارية.
Marc Twain (1835-1910).
من حكايات ألف ليلة وليلة.
لقد قام الروائي الأمريكي “مارك توين”، الشهير بمؤلفه مغامرات “توم سوير”، بزيارة خاطفة لمدينة طنجة قادما إليها من جبل طارق، وهو في طريقه للأراضي المقدسة بنية الحج سنة 1867، استغرقت نحو ثلاثين ساعة. وكان قدومه يندرج في مهمته كمبعوث خاص، لصحيفة “سان فرانسسكو” كصحفي مبتدئ. ولقد ظهرت حكاية هذه الزيارة، على صفحات كتاب “رحلة الأبرياء”، الذي طبع سنة 1869. ولقد اخترنا منه بضع فقرات جد معبرة، عن تذبذب أسلوب الكاتب المتراوح بين الواقعية المباشرة والسخرية اللادغة: “طنجة مدينة ليس أغرب منها في الوجود. ولن تجد روحها الحقيقية في أي كتاب، باستثناء “ألف ليلة وليلة”. لم نصادف أي رجل “أبيض”، علما بأننا كنا محاطين بخلية من البشر. هي ذي مدينة طنجة، مدينة مكتظة ومزدحمة، ومنغلقة على نفسها بين أسوار صخرية ضخمة، تعود لأكثر من ألف سنة. بنيت مستندة على جدار سميك، وكل دورها لها حدائق، ومكونة من طابق أو طابقين، وهي بناية مطوقة بجدران حجرية رقيقة، مدهونة بالجص الأبيض من الخارج، ومربعة مثل علب مسطحة من الأعلى كصناديق كبيرة، وكلها مبيضة بالجير. مدينة شواهد قبور ثلجية، مليئة بالبشر! والأبواب لها هذه الأقواس الخاصة، تلك التي تشاهدها على صور المدن “الموريسكية” (أي ذات الطابع المغربي الأندلسي). أما أرضية الدور، فإنها مغطاة بمربعات ملونة برشام هندسي، ومربعات صغيرة من الفسيفساء المختلفة الألوان، التي حملت إليها من أفران فاس. ضف عليها الزليج الأحمر، والآجر العريض الذي تأثير للزمن عليه. ولا تجد أي أثاث في بيوت الدور اليهودية باستثناء الأرائك. أما بخصوص البيوت “الموريسكية”، فلا أحد من الكلاب المسيحية بقادر على تخطي عتباتها المقدسة. أما الحارات فإنها على شاكلة النمط الشرقي، وهي جد ضيقة إذ باستطاعة رجل واحد أن يغلقها إذا ما تمدد وسطها…أليست هنا صورة شرقية؟ يتواجد هنا بدو الصحراء، الذين يتمتعون ببنية جسدية قوية، و”موريسكيين” عظام الخلقة، الفخورين بتاريخهم الذي يعود إلى أزمنة غابرة. ويجاورهم يهود هاجر أسلافهم منذ قرون، وجبليون سمر من الريف، وزنوج أصليون يشبه سوادهم، سواد النبي موسى، ودراويش يصرخون… ضف عليهم أكثر من مائة صنف من العرب… أناس من مختلف النحل، كل بمظهره الخاص، تدعو الغرابة للاهتمام بملاحظتهم. إن غرابة لباسهم تتجاوز كل وصف. فها هو ذا “موريسكي! “أسمر، معتمر بعمامة بيضاء رائعة، وصدرية مطرزة بأعجوبة، ممنطق بحزام ذهبي عريض بلون أحمر قاني، ملفوف عدة مرات حول خصر قامته. أما السراويل فإنها قصيرة لا تتجاوز الركب. ويحملون خناجر وبنادق طويلة بشكل سخيف. وكان هذا الرجل مجرد جندي، أما أنا فحسبته إمبراطورا… ضف على هذا، كل نوع من البرابرة في ثياب غريبة، وكلهم يرفلون في خرق ممزقة…”.
كانت هذه الفقرات المنتقاة، اختيارا موجزا اصطفيناه من وصف الكاتب “مارك توين”، لمدينة طنجة، الذي يطول شيئا ما في نصه الأصلي، ويتجاوزه إلى شواهد تاريخية أخرى في وصف مراكش، والتواجد العسكري الإسباني البحري الذي كان يتحرش بالثغور المغربية.
ومن وصفه، يشدد الزائر على الشكل الهندسي العتيق، وطراز المعمار المغربي الشرقي من جهة، وعلى مكونات الساكنة المحلية للمدينة من جهة أخرى. وكانت ردود فعله الأولى كمشاهد، إحساسه بغرابة هذا العالم الآخر، الذي لم يجد من تصور مسبق له، إلا في صور “ألف ليلة وليلة” التي كانت تحتفظ بها ذاكرته الصورية. ونشعر من أول وهلة، بأن الزائر الأمريكي، لم يكن موقفه كمن سبقه إلى زيارة هذه المدينة من الزوار الأوربيين، موقفا محكوما عليه مسبقا بالحقد والكراهية ونبذ الآخر. بل جاء موقفه كمراقب فضولي محايد، كل همه أن ينقل لنا صورة، تختلف كل الاختلاف عن صور المستشرقين، تلك التي كانت رائجة في الأدبيات الأوربية. لم تصدر عنه أحكام عنصرية مسبقة، بل هي مجرد ردود فعل عفوية وساخرة أحيانًا، يطلقها كأنه مراقب لعالم جديد يتشكل تحت مرمى ناظريه. عالم وكأن روحه منبعثة من حكايات “ألف ليلة وليلة”. عالم مبهرج وملون برجاله وبطابع معماره الخاص به. عالم مختلف وغريب، ولكنه يكتنفه غِنى براق إلى جانب فقر بادٍ في أسمال ثيابه المتآكلة. ثم إنه يستغرب من هذه الكتلة البشرية المختلفة المشارب والنحل، مشيرا في الوقت نفسه إلى افتخار بعضهم بتاريخهم العريق. بالفعل يصور لنا مدينة خارج تاريخ الحداثة، بل ومغربا ما زال منغلقا على نفسه. وهذا ليس جديدا، إذا نحن علمنا بأن الإمبراطورية المغربية الشريفة المجسدة في مراكش، لم تكن بهذا القدر من الانفتاح على الآخر الأوربي، بسبب كثرة الغزوات التي كان يتعرض لها، من قبل البرتغاليين والإسبان، بل وحتى الفرنسيين. ونحن نعلم بأن السلاطين “السعديين”، والعلويين من بعدهم، كانوا ما زالوا منشغلين بحروب الاسترداد للمدن المغربية الساحلية المحتلة من قبل كل من البرتغاليين والإسبان. ولم يعرف المغرب ديبلوماسية الانفتاح على أوروبا، إلا بعد مبادرة السلطان العلوي الشريف “سيدي محمد بن عبد الله”، في أواخر القرن الثامن عشر، حيث دشن رسميا عهد تواجد القنصليات بطنجة مع كثير من الدول الأوربية.
وباختصار، لقد جاءت شهادة الكاتب الصحفي “مارك توين”، كشهادة صريحة وجريئة ومحايدة، في فترة كانت الأطماع الاستعمارية الأوربية، بعد احتلال فرنسا للجزائر، تشرئب برؤوسها لاحتلال باقي أفريقيا واقتسامها فيما بينها.
Josef Kessel (1898-1979).
أحدب ساحة السوق.
أقام الكاتب الفرنسي “جوزيف كيسيل”، بالمغرب خلال الخمسينيات. وكان أيضا صحفيًا ومراسلاً عسكريًا خلال الحرب العالمية الثانية. ومن مدينة طنجة يطل علينا من جديد، عبر روايته “السوق الكبير”، بمعنى “السوق البرّاني”، حسب التعبير المحلي، الواقعة في قلب مدينة طنجة القديمة. والتي خلفت لديه انطباعًا عن المدينة في مستهل الخمسينيات، إبان مرحلتها الدولية، ولكن على لسان “البشير”، الطفل الأحدب والبالغ من العمر أربعة عشر سنة تقريبا، الذي يلعب دورا رئيسيًا كحكواتي في هذا النص الروائي. نقتطف منه هذا الوصف المعبر: “عند قدم المدينة القدمة لطنجة، تتواجد ساحة “السوق الكبير”. هنا حيث يحتشد جمهور مثير، يأتي البشير الطفل الأحدب ذا الصوت الذهبي. كم يا ترى سِنه؟ ما بين الثانية والرابعة عشر فيما يبدو. ولكنه يتكلم، ويروي حكايات جميلة وفريدة كحكايات “ألف ليلة وليلة” مثلا. لقد حباه الله بكلام ساحر. “اللّيْدي سينتيا”، “اللورد بيرسِڤال”، ” والطيب “عبد المجيد شقرف”، الذي يتمنى السعادة للجميع، “السيد إيڤانس”، نبي الوحوش الجريحة، “لِيا المسكينة”، “السيدة إلين” الشاذة، و”بائع الذهب”، والقائمة طويلة لكل هذه الوجوه التي تمر في تتابع، على طول امتداد الخيط الحكائي “للبشير”، الذي يسوق سرد المغامرات المدهشة بحماسة وشاعرية شرقية.”.
وكذلك وصفه للمدينة: “عند قدم طنجة القديمة، وعند الأسوار العريضة للسوق المحصنة، التي تنغلق على متاهة أزقته الضيقة، نعثر على ساحة السوق المسماة بالسوق الكبير… فيما مضى، أي من قبل ثلاثين سنة تقريبا، كانت هذه السوق الكبيرة تشرف على البادية وتلال رملية. أما اليوم فإن الحاضرة الجديدة والغريبة، تسترعي النظر من كل جهة. ولكن اليوم كما فيما مضى، ترى من الصباح إلى المساء، باعة ومشترين وفضوليين، في لقاءات بقلب السوق الكبير، تحت وهج الشمس وهبوب الرياح، من بين أسمال بمائة لون وإشاعات بألف صراخ. الأطباق المعروضة للبيع، تبدو بئيسة لأنها لا تقدم سوى أشياء وأطعمة بدائية فقيرة. وأسواق اللحوم والأسماك والخضراوات، تقع على مقربة بضع خطوات، ولكن محجوبة بأسوار وسقف. وترى كل الأقمشة بألوانها الصارخة، وكذلك الحلي والمجوهرات المصاغة في حي “الصّيّاغين”، حيث يصطف الناس بالعشرات أمام دكاكين الصرافين للعملة الأجنبية. أما عند الأسفل، في ساحة السوق الكبير، فلا تصادف سوى ملاعبي الثعابين، والقراء بأصوات جهورية، وكتاب عموميين، وباعة الكحل والفلفل المطحون، والحلويات اللزجة، وزهور عطرة وقفاف مضفورة. أما البدويات القادمات من القرى المجاورة، فإنهن يصلن بشاشيتهن الملونة، لعرض بضاعتهن من دجاج وبيض وحطب. وترى في هذا الخضم الهائل، الحمير تخب والسيارات الفاخرة وهي تشق طريقها وسط الزحمة بهدوء. وعند الأعلى من السوق، تقشعر أشجار المندوبية العريقة، حيث مقر إقامة مندوب السلطان المبعوث من الرباط لضبط حياة المسلمين…”.
نتواجد هنا من خلال رواية “جوزيف كيسيل”، “السوق الكبير” عن طنجة، أمام خشبة مسرح بكل ما تحمل الكلمات من معنى. إنه سرد روائي فعلا، ولكن يتسم بواقعية مدهشة، بحيث أن الكاتب من خلال عمله الروائي الوهمي، استطاع أن يضعنا أمام واقع طنجاوي، لا تختلف أحداثه ولا مظاهره عن حقائق طنجة الاجتماعية. ولكن ما هي الرسالة التي أراد الكاتب، من خلال عرضه الروائي أن يقدمها لنا؟ الرسالة تكمن في تجسيد متاهات المدينة القديمة وجمهور ساكنتها. ولهذا بالذات، اختار ساحة المدينة كخشبة مسرح، وكشاشة عريضة لسينما فضائية، لعرض العالم المغربي بشكل مصغر، المتصارع بين عالم تقليدي يضرب بجذوره في الماضي السحيق، وعالم حداثي معاصر في مسابقة معه لاحتلال مكانه. وفي هذا السياق، نرى الحشد الهائل من المارة المزدحمة بلغطها وصياحها، والحمير التي تشق طريقها فيه بصعوبة، أمام سيارة فاخرة لها التؤدة والوقار وحسن الصبر في العبور بسلام، وطفل حكواتي ملهم على الخشبة، يُشَوق الحضور المتحلقين حوله، بحكايات تخلط ما بين هو محلي وأصيل كحكايات “ألف ليلة وليلة”، وما هو حداثي دخيل مع الشخصيات الأجنبية، بخلطة سحرية حكائية عجيبة وغريبة. إنها مفارقة ضدية وحالة استلاب من جهة، وتشخيص دقيق لعدوى هذه الازدواجية الثقافية من جهة أخرى. لأن حضور الاستعمار بهذه المدينة خاصة وبالبلد ككل عموما، ومن خلال تواجده العسكري، زاحم وحارب الموروث الثقافي المحلي ليستبدله بين عشية وضحاها، بمنتوج حداثي استهلاكي للسائح والمتفرج والفنان والكاتب والمراقب الأوربي. نموذج كاريكاتوري للعالم الثالث بمعنى متخلف، كما سيصنف خلال مرحلة الاستعمار ومن بعدها، في سلم الحضارات البشرية. وبالمصادفة، نقف على مشاهد وعروض هزلية بهلوانية، شبيهة بهذه التي عرضناها، في الأعمال الأدبية لأدباء أمريكا اللاتينية مثلا، في الأعمال الروائية للكاتب الكولومبي المرموق “غابرييل غارثيا ماركيز”، وخصوصا في روايتيه، “مائة عام من العزلة و”الحب في زمن الكوليرا”، حيث يفضح الغزو الثقافي الأمريكي في مظاهر الحداثة لسيارات “فورد” الفاخرة، والمرشد الأمريكي الشهير، المروج لفكرة ” معجزة الحلم الأمريكي…طريقة الحياة على النمط الأمريكي… الكل باستطاعته أن يصبح مليونير…”، وهي أفكار كانت تغزو البلد الغارق في مستنقع الفقر والبؤس والحرمان.
إن رسالة الرواية تتلخص، في الخطاب الأيديولوجي الأوربي “المركز عرقي”، الذي عمل دائما على النظر إلى الآخر، من زاوية علوية استعلائية، بوضعه على خشبة مسرح، كبهلوان مسلي بأفعاله وإشاراته وصياحه وضجيجه وأسماله الملونة.
Edith Wharton (1862-1937).
شد الرحال نحو المجهول.
في سنة 1917، قَدِمَت الكاتبة والشاعرية والصحفية الأمريكية “إديث وارتون” إلى المغرب في زيارة خاطفة، قادمة من فرنسا حيث كانت مقيمة، وذلك عن سن يقارب الخمسين، بدعوة من المارشال “ليوطي”، المقيم العام لفرنسا بالمغرب، الواقع آنذاك تحت نظام الحماية الفرنسية. ولقد خلفت لنا الكاتبة، سلسلة مقالات عن هذه الرحلة، التي نُشرت وقتها على صفحات صحف أمريكية، ثم جُمعت ونُشرت في كتاب واحد “السفر إلى المغرب”، سنة 1920. ولا نغفل أن نذكر بأن الكاتبة، كان قد سبق لها وحصلت على جائزة “بولتزر” سنة 1921، كأكبر مكافأة أمريكية لعملها الروائي “زمن البراءة”، بالإضافة إلى جوائز أخرى، ووسام شرف فخري فيما بعد.
وعن رحلة عبورها من الجزيرة الخضراء إلى طنجة، انتقينا هذه الفقرات المعبرة عن بداية المشاهدة: “أن تصعد على متن باخرة بميناء إسباني، وتغادرها بعد ثلاث ساعات على رصيف بلد لا مرشد سياحي له، شيء يحدث لديك إحساس، من طبيعته أن يوقظ فيك شهوة عارمة للسفر. إحساس كهذا، يبقى في متناول كل من اكتسبته الرغبة في التجديف للوصول من ميناء الجزيرة الخضراء، خلف هذه الباخرة السوداء التي تعبر المضيق. وبمجرد ما تتوارى صخرة جبل طارق خلف السحب، حتى تكون قد وضعت قدميك على أرض أفريقية شبه مجهولة تقريبا. وطنجة بطبيعة الحال، تتواجد في المرشد السياحي، ولكن مثل “قيقب” أي طائر أسود وأبيض من فصيلة الواقواقيات، يضع بيضه في أعشاش غريبة. والمسافر الذي يرغب في المزيد من المعلومات، عليه أن يقتني كتب مخصصة لبلدان أخرى كإسبانيا والبرتغال، إذ يوجد لغاية الآن مرشد خاص بالمغرب. وبطبيعة الحال، فحين نغادر مدينة طنجة، فليس ثمة أية وسيلة لمعرفة، إلى أين ستقودنا الطريق المرسومة في اتجاه الريف. على كل حال، إنها وجهة نظر الأوربي المعتاد على قناعاته. وفي هذه الآونة، تهب علينا رياح غير متوقعة من أعالي جبال الأطلس الممتنعة. والإحساس بالمغامرة، لا يزداد إلا حدة بالتضاد بين طنجة الدولية، والتقليدية المعتادة، التي يزورها السياح منذ أربعين سنة، وهذا البلد المجهول الذي يبتدئ من هنالك بهذه النظرة البعيدة، كان من الصعب عليّ في صبيحة هذا اليوم المشمس من سبتمبر 1917، ألا أغادر فجأة مدينة طنجة. كان من الصعب على أن أرد الاعتبار لهذه المدينة الزرقاء الشاحبة، المستندة داخل هذا المتراس الأمغر، على البساتين الكثيفة للجبل. من حيوية ونشاط ساحة السوق، إلى جمال أزقتها العربية المنحدرة. طنجة تعج بأناس بلباس أوربي، وثمة لافتات بالإنجليزية والفرنسية والاسبانية، تعلو واجهات المحلات والدكاكين ومحطات عربات الجياد. إنها مثل الجزائر المدينة، نقطة عبور لا مفر منها للمسافر… ولكن خلف آخر انحدار للجبل، يمتد عالم مدهش يشرق عليه فجر وردي، وكانت السيارات جاهزة في انتظارنا أمام الباب…”.
تتلخص رحلة الكاتبة “إديث وارتون”، في تلك الجملة المعبرة، التي أتت في سياق نظرتها لهذا العالم الجديد، الذي وضعت قدمها على أرضه لأول مرة قائلة: ” على كل حال، إنها وجهة نظر الأوربي المعتاد على قناعاته”. بماذا يتعلق الأمر يا ترى؟ بطبيعة الحال، يكمن الجواب في مواجهة “المجهول”. فالكاتبة منذ بداية الرحلة، وهي تتذمر من عدم وجود مرشد سياحي، وعن رحلتها التي لا تدري وجهتها إلى أين على هذه الأرض الأفريقية، التي تقول عنها بأنها “شبه مجهولة”. ومن الغريب في الأمر أن الكاتبة المرموقة، تجهل جهلا مطلقا تاريخ وجغرافية البلد التي استدعيت لزيارته. وهذا لا يدهشنا، إذا نحن علمنا بأن الكاتبة الأمريكية التي كانت مقيمة بفرنسا، والتي تنتمي إلى عائلة “نيويوركية” ميسورة من الطبقة العليا، أن سبب زيارتها لهذا البلد، كانت بدعوة من المارشال “ليوطي” القائم العام بالمغرب. فهي إذن زيارة أرستوقراطية، قدمت ملبية لدعوتها كيما تزكي بمرتبتها الأدبية التي تحتلها، مدح الإدارة الفرنسية الاستعمارية، والإطراء بالمناسبة على المستعمر الفرنسي في شخص “ليوطي”. ننبه القارئ الكريم، بأننا سقنا له بضع فقرات من مقالات الرحلة المتعلقة بمدينة طنجة، وتركنا جانبا باقي الرحلة التي قادتها لغاية مدينة مراكش، تحت الرعاية السامية للإدارة الفرنسية. وإشارتنا إلى موقفها الداعم للاستعمار والإمبريالية الأوربية قد ورد في باقي المقالة حيث تصرح: “لقد كانت حضارة المغرب في سنة 1919، في طريقها للانقراض، ولولا التدخل الفرنسي لانقرضت تماما”. ولقد عثرنا على كتاب للمؤلفة المغربية-الأمريكية ليلى العلمي، صدر بالإنجليزية تحت عنوان ” In Marocco”، ردا على مؤلف الكاتبة “إديث وارتون” الذي صدر هو الآخر بالعنوان نفسه. ولقد انتقدتها واصفة إياها ب “محامية الإمبريالية”. بالفعل لم تسلم “وارتون” من الانتقادات التي وجهت لها، حتى من قبل أدباء أمريكيين، الذين وصفوها جميعا بأنها كانت تروج لثقافة المستشرقين وتزكيهم، وكذلك كونها “مكبر صوت” للمؤسسة الاستعمارية. وبالعودة إلى تحليلنا، فإننا نرى وبشكل واضح، هذه النظرة المتعالية التي تقود ردود أفعالها اتجاه بلد تصفه “ببلد مجهول”، بلد يقع خارج منظومة العالم المتحضر. فهي تتجاهل كليا الساكنة المحلية في تجلياتها الثقافية، وتركز على “أناس بلباس أوربي، ولافتات بلغات أوربية…! والباقي مجرد فولكلور للسائح الأجنبي. وهي أخيرا، وتقصد المدينة المهجنة، ليست سوى نقطة مرور لا مفر منها لمواجهة مخاوف المجهول.
خاتمة
خلاصة
لقد راودنا شعور بالارتياح، وإحساس بالقناعة والطمأنينة، ببلوغ الغاية المرتجاة من هذه الدراسة، بعد عودتنا من مجاهل هذه الرحلة الاستكشافية الشائكة والممتعة، عبر شواهد نصوص وخطابات، للكتاب والرحالة والسياح، والزوار العابرين والديبلوماسيين الفضوليين. ونذكر بأننا قد اعتمدنا في مقاربتنا هذه، على منهجية “الدراسات المقارِنَة” وبضعة مفاهيم إجرائية اعتمدنا عليها في تحليلنا نذكر بعضها ك: المركزية الذاتية، والمركزية العرقية، والإبادة العرقية كما الثقافية، والوهم والفانتازيا والمخيال الجماعي.
ولقد كانت انطلاقة بحثنا، موجهة من تساؤلنا الذي طرحناه كأساس للدراسة، عن “طنجة في المخيال الجماعي الأوربي”، وعن “نظرة الآخر لنا كغرباء عنه”. ولقد توصلنا بالفعل إلى نتائج موضوعية مرضية لنا، عرضناها كلها بالتفصيل، في كل النصوص التي تناولناها بالتحليل. ولكي نمنح هذه الدراسة مقاربة متكاملة وشاملة من كل الجوانب، عمدنا في المقدمة إلى تسليط الضوء على الأساطير والحكايات البطولية، التي تتصل بجغرافية مدينة طنجة، وما حيك عنها من خرافات. لقد كان هذا المدخل، فاتحة ضرورية لنا، كيما نعرض لتطور المدينة وتقلباتها في مسارها التاريخي لغاية يومنا هذا.
ثم جاءت المرحلة المركزية من هذه الدراسة، لعرض شواهد الرحالة الذين قدموا لأول مرة في حياتهم إلى مدينة طنجة. والتي حصرناها في الفترة الممتدة من بداية القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن العشرين. ولقد اخترنا من كتبهم بضع فقرات ونصوص، قمنا بترجمتها وتحليلها والتعليق عليها، مستخدمين من أجل هذا، توظيف مصطلحاتنا المنهجية التي اقترحناها واعتمدنا عليها. ولقد توصلنا إلى نتائج عرضناها بتفصيل. منها مثلا – وهذا بإجماع شهادات كل الزوار- مهما كانت نيتهم، وظيفتهم أو أسباب رحلتهم، نظرتهم المتعالية عن الآخر، المخلوق العربي أو الأمازيغي، بوصفه في معظم الأحيان بلباس الفقر المتمثل في الخرق، وبالجشع البؤس والفقر والطمع والكسل. وعن حالة مدنهم الفقيرة وحالتهم البئيسة وتخلفهم وجهلهم. وقد نسوا أو تناسوا أو تجاهلوا، ما كانت عليه حالتهم الاجتماعية في بلدانهم الخاصة بهم، أي مظاهر البؤس والفقر والوسخ واللصوصية والدعارة المنظمة، والإدمان على الخمور، وما شابه ذلك من آفات اجتماعية. ومن شهادتنا على هذا الوضع المرزي، شهادات الكاتب الفرنسي الشهير “فكتور هيݣو، في منتصف القرن التاسع عشر، من روايته “البؤساء”، وكذلك تنديده باستغلال الأطفال في الأعمال الشاقة، من قصيدته الذائعة الصيت “ملنخوليا”، الواردة في ديوانه الشعري “تأملات”. و”إميل زولا” في جل أعماله الروائية، وبالخصوص في روائيته الواقعية “جرمينال”، وأعمال أدبية أخرى. ومظاهر البؤس واللصوصية في رواية “أوليڤر تويست”، للكاتب الإنجليزي الشهير “تشارلز ديكنز”، لنفس الحقبة الزمنية، والقائمة طويلة، ولكننا نكتفي بهذا القدر من الشهادات الموثقة. ومن جهتنا، لا ننكر مظاهر البؤس والفاقة وتخلف الركب عن الثورة الصناعية، التي كانت من حظ بلادنا آنذاك، بحيث أننا كنا ما زلنا نجتر مخلفات التأخر الذي كان قد أصابنا منذ قرون، وجَعَلنا من أطماع الأمم الأوربية، التي كانت تؤسس لهيمنة إمبراطوريتها الإمبريالية، على بقية المعمورة، منذ اكتشاف واستعمار قارة أمريكا. ولكن تنديدنا بهذا الاستعمار، ينبع من كونه كان استعمارا همجيا، أُسّست نيته الاستعلائية، بزعمه العنصري بتفوق عرقه الأبيض على كل الاجناس البشرية. وعلى استغلال الآخر استعباده، ومحو هويته الثقافية والدينية، وأوهام دمجه في قالب التبعية الثقافية، ونهب ثوراته الطبيعية، ووضعه في خانة التبعية للأسياد البيض، كي لا تقوم له قائمة إلى الأبد.
وكل هذا كان يصب في التوجه الأيديولوجي للمستعمر الفرنسي، الذي كان يمهد الطريق للسيطرة على المنطقة، منذ استعماره للجزائر سنة 1830، ومشاركته في مؤتمر برلين الذي نظمته الإمبريالية الأوربية في المانيا سنة 1884، لتقسيم أفريقيا بين القوى الأوربية المستعمرة، تحت شعار “كشف أفريقيا وإدخال الحضارة إليها”. ولقد لعبت المؤسسة الاستشراقية الدور الأساسي في تشويه وتزييف تاريخ البلد كما حضارته وثقافته الإسلامية، للتمهيد للمهمة العسكرية القادمة لا محالة فيها فيما بعد. وإلى جانبها نجد أشباه البعثات العلمية المزيفة، وأخيرا جيش المقاولين والسماسرة والتجار، لنهب خيرات البلد. وهذا ما يفسر مخططات الاستعمار الأوربي، بكونه كان دائما وأبدا، يعتمد في مخططاته الاستعمارية، على “الميمات الثلاث “: المحارب، والمتاجر والمبشر الديني، ” le militaire, le marchand et le missionnaire” باسم العقيدة “الكونية – Universalisme “، للايدلوجية الأوربية، التي من المفترض فيها أن تصبح المرجعية العقائدية الكونية لبقية شعوب المعمورة، بكل مفاهيمها الثقافية والسياسية والاقتصادية والقانونية والمعاشية.
وفي هذا السياق الاستعماري، الساعي عندنا إلى تطبيق برنامج “الإبادة الثقافية” للهوية المغربية الإسلامية بالخصوص، لا يفوتنا أن نشير إلى طبيعة روحانية المسلم المغربي، وتعلقه بتراثه الديني، وكرمه وحسن ضيافته وسذاجة نمط حياته. وكذلك ظاهرة أخرى متميزة، أثارت انتباهنا خلال هذه الدراسة، وآثرنا تأجيل تسليط الأضواء عليها لغاية هذه الخاتمة، ونقصد ظاهرة غياب المظاهر الدينية بالمدينة، وخصوصا “ظاهرة المساجد والآذان الذي يصحبها” كعلامة مميزة للمدينة الاسلامية. فمجمل الشهادات التي سقناها، تغفل أو تتجاهل تماما الإشارة إلى هذه الميزة. والسبب الرئيسي يكمن فيما أشارنا إليه داخل هذه الدراسة، وهي ترحيل السكان المسلمين منذ سيطرة البرتغاليين على المدينة، وما عقب هذا الترحيل القصري أو الطوعي من آفات، كالأمراض المزمنة والمجاعات التي أصابت المدينة وضواحيها، خلال العقود التي لحقتها، لغاية عهد القناصل وما بعده في أواخر القرن التاسع عشر. ومن بعض الشهادات الموثقة بهذا الخصوص، نسوق شهادة الكاتب الطنجاوي “إسحاق الصباغ”، من مؤلفه “طنجة… قرن من التاريخ”، حيث يسوق لنا هذه الإحصائية عن سكان المدينة: ” في سنة 1676، كانت ساكنة مدينة طنجة تقدر بنحو 2500 نسمة: تتكون من 1500 من الحامية العسكرية الإنجليزية، و514 من المدنيين الإنجليز، و51 يهودي، و5 مسلمين، و130 أجنبي بما فيهم الإسبان والبرتغاليين وجنسيات أخرى، و300 مواطن متميز، يشمل كل من التجار والضباط والميكانيكيين والتقانيين…”. فأين ذهبت ساكنة طنجة؟ وأين اختفت روحانياتها يا ترى؟ ويأتينا الجواب هذه المرة من المصادر المغربية الموثقة. فعن الأستاذ العربي بوسلهام، المداوم بكلية الآداب بالرباط، من مقالته: “المسجد ودوره في اليقظة الطنجية لمناهضة الاستعمار”، يسوق لنا شهادات قيمة بهذا الصدد، ننتقي منها بضع فقرات معبرة: “لقد كان للمسجد دوره الطلائعي في بلورة شخصية الإنسان الطنجي المسلمة، التي تأبى أن تنجرف مع التيارات الأجنبية أو تتأثر بها… وكمراكز ثقافية تربوية، كثرة المساجد بهذه المدينة وأحوازها. فبتعدد قراها، أي 248 قرية أو مدشر، كانت تضم ثمانية وأربعين ومائتي مسجد لتعليم القرآن الكريم، منها ستون مسجدا لتعليم مختلف العلوم.”. وأيضا: “وهكذا نجد بأحواز مدينة طنجة: قبيلة الفحص، وقبيلة وادراس، وقبيلة بني منصور، وقبيلة أنجرة، قد بقيت كلها محافظة على طابعها الديني”. وعن ظاهرة التصوف التي كانت متغلغلة في طنجة وحوزها، وذلك منذ عهد الأدارسة، تطلعنا المصادر الإسلامية بأن مقام المولى إدريس بطنجة خلال سنتين، والتفاف الناس من حوله، واعتكافه على تعليمهم وإرشادهم ودعوتهم إلى الإسلام السني، كانت النواة الأولى لما ستصبح عليه هذه المنطقة مع مرور الأيام والسنين، إلى منطقة مزدهرة بحفظة القرآن الكريم، وازدهار علوم الشريعة، وانتشار علوم اللغة وآدابها. وفي هذه المنطقة الشمالية بالذات، التي تحولت إلى مركز إشعاع صوفي عبر العصور، من طرق وزوايا وأربطة ومدارس، خاصة منذ عهد المرابطين، نقف ب “تاهدارت” على ضريح “سيدي قاسم”، بن إدريس الثاني، الذي كان واليا على طنجة، وقلعة حجر النسر، وتطوان وبلاد مصمودة. ومن أكبر أعلام الصوفية الذين عرفتهم هذه المنطقة الشمالية، نذكر منهم: أبو العباس الطنجي المشهور “بالحرمل”، والصوفي الكبير عبد السلام بن مشيش، وتلميذه الإمام أبو الحسن الشاذلي، وعدد لا يحصى من الأئمة والصالحين والمتصوفين.
وختاما، ليس لنا أية رغبة، في العودة إلى تكرار واجترار ما توصلنا إليه من محصلة، في النصوص التي عرضناها وتناولناها بالبحث والتحليل. فالقارئ الذي يكون قد وصل إلى هذه الخلاصة الختامية من هذا البحث، يكون قد اطلع حتما على كل الشواهد والنصوص، والشخصيات الأدبية الزائرة التي انتقيناها وعرضناها عليه. إذاً، فهو في هذه الأثناء، ليس بحاجة لإضافات حشو، لذا نكتفي بهذا القدر، ونُذَكِّر بأننا سعينا في هذه الدراسة لتناول النصوص بالتحليل على أساس منهجي موضوعي، وليس بالإسهاب والإطناب في الوصف. وأخيرا نحيل القارئ الراغب في التوسع في الموضوع، إلى المراجع التي وثقناها أدناه. ونرجو أن تكون مساهمتنا المتواضعة هذه، لبنة جديدة تضاف إلى باقي اللبنات المساهمة في بناء صرح تاريخ هذه المملكة المغربية الشريفة.
-انتهت-
المصادر والمراجع
- ننبه القارئ الكريم بأننا استخدمنا لبعض الأحرف اللاتينية مقابلا بأحرف عربية مبتكرة معبرة عن كيفية ضبطها والنطق بها كما هي في الأصل ك: v =ڤ – g =ݣ- p = پ.
- الملتقى العلمي الأول لمدينة طنجة، مجموعة دراسات من (1800 إلى 1956)، منشورات كلية الآداب للعلوم الإنسانية بالرباط، 1991.
- طنجة في العصر الوسيط، المجال، المجتمع، الثقافة والسلطة، أعمال الندوة الدولية المنعقدة بطنجة في 19-20-21، أبريل 2019. منشورات المركز الثقافي أحمد بوكماخ، 2019.
- الاصطخري، المسالك والممالك، دار صادرن، بيروت، 2004.
- الاصطخري، ص.20. الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2002.
- ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ضبط خليل شحاذة، دار الفكر، بيروت، 2000.
- ابن حيان، المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق عبد الرحمن حجي، دار الثقافة بيروت، 1965.
- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب، دار الثقافة لبنان، 1983.
- سعد غراب: مقدمة تحقيقه لكتاب المسالك والممالك للبكري، الناشر: دار الغرب الإسلامي 1992م
- الحسن الوزان، وصف أفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، 1992.
- الكحلاوي، محمد. الفكر الصوفي في إفريقية والغرب الإسلامي، دار الطليعة – بيروت،2009، ص: 47.
- –الرابطات والزوايا في تاريخ المغرب، تنسيق نفيسة الذهبي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 69.
- –انظر: القادري، إبراهيم بودشيش. المغرب والأندلس في عصر المرابطين، دار الطليعة، بيروت، 1993
- البكري، أبو عبيد. المسالك والممالك، ج/2، بيت الحكمة والدار العربية للكتاب، تونس- ليبيا، 1992.
- التادلي، يوسف. (ابن الزيات)؛ التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي عباس السبتي، تحقيق أحمد التوفيق، الرباط 1984.
- الرابطات والزوايا في تاريخ المغرب، تنسيق نفيسة الذهبي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 69.
- القادري، إبراهيم بودشيش. المغرب والأندلس في عصر المرابطين، دار الطليعة، بيروت، 1993.
- الكحلاوي، محمد. الفكر الصوفي في إفريقية والغرب الإسلامي، دار الطليعة – بيروت،2009.
- المراكشي، عبد الواحد. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العربان ومحمد العربي الخطابي، القاهرة، 1949.
Sources bibliographiques
- Dominique PONS, Les riches heures de Tanger, Paris, La Table Ronde, 1990, 364 p.
- Emilio SANZ de SOTO, « Escritores norteamericanos en Tánger de Mark Twain a la Beat generación », El Europeo, Madrid, n° 4, sept. de 1998, pp. 102-109.
- Les lettres que William Burroughs adresse à son ami feront l’objet d’une publication : William BURROUGHS, Lettres de Tanger à Allen Ginsberg, Paris, Christian Bourgeois, 1990, 296 p.
- Joseph KESSEL, Au Grand Socco, Paris, Gallimard, 1960 (1ère édition 1952), 318 p.
- Juan GOYTISOLO, Reivindicación del conde don Julián, Madrid, Cátedra, 1985 (1ère édition 1970), 348 p.
- Thierry de BEAUCÉ, La chute de Tanger, Paris, Gallimard, 1984, 277 p.
- Guy Jucquois, De l’égocentrisme à l’ethnocentrisme, éd, Louvain-La-Neuve, 1986.
- Guy Jucquois, Le comparatisme généalogie d’une méthode, éd, Louvain-La-Neuve, 1989.
- Guy Jucquois, La méthode comparative dans les sciences humaines, éd, Louvain-La-Neuve, 1989.
- Chantal de La Véronne, Tanger sous l’occupation anglaise, éd, Librairie orientale, 1972.
- Fernando de MENEZES, Historia de Tangere éd, Forgotten Books, 2018
- Paul Morand, Méditerranée mer des surprises, éd, du Rocher, 1991.
- Alexandre Dumas, Mes mémoires [archive], Michel Lévy frères, Paris, 1863, chap. I, p. 3.
- Impressions de voyage : Espagne et Afrique, De Paris à Cadix, 1847-1848.
- Le Véloce ou Tanger, Alger et Tunis, 1848-1851.
- Daniel Rondeau, Tanger et autres Marocs, éd, Nil, 1987.
- Daniel Rondeau, Tanger, éd, Quai Voltaire, 1987.
- Issac J. Assayag, Tanger… Un siècle d’histoire, éd, Assayag, 1987.
- Josef Kessel, Au Grand Socco, éd, Gallimard, 1952.
- Marc Twain, Le voyage des innocents, Maspero, 1982.
- Edith Wharton, Voyage au Maroc, du Rocher, 1996.
- Henry de Motherland, La rose du sable, éd, Gallimard, 1968.
- Duenas, l’espionne de Tanger, éd, Robert Lafont, 2012.
- Jack Kerouac, Vraie blonde et autres, éd, Gallimard, 1998.
- Tahar B. Jelloun, Beckett et Genet, un thé à Tanger, éd, Gallimard, 2010.
- Paul Bowles, Après toi le déluge, éd, Gallimard, 1995.
- Paul Bowles, Un thé au Sahara, éd, Gallimard, 1952.
- Paul Bowles, Réveillon à Tanger, éd, Gallimard 2007.
- William Burroughs, Le festin nu, éd, Gallimard, 1964.
- Truman Capote, New York, Haïti, Tanger, éd, Gallimard, 2017.
- Dominique Pons, Les riches heures de Tanger, La Table Ronde, 1990.
- Jean-Marie André, Voyager de l’autre côté, éd, Fayard, 1991.


