لم تعد العصا من خشب… بل أصبحت علمًا وتكنولوجيا واقتصادًا.
اشتهرت الكثير من الأزقة العربية، ولا سيما في مصر، بشخصية فريدة عُرفت باسم “فتوة الحارة”. كان حضوره طاغيًا يملأ المكان هيبة، وصوته مسموعًا لا يكاد يُرد له أمر، بينما كانت العصا التي يحملها في يده أكثر من مجرد أداة للدفاع أو القتال؛ فقد تحولت مع مرور الوقت إلى رمز للسلطة والنفوذ، وعلامة تختصر مكانته في أعين الناس. يلتف حوله الأتباع، ويهابه الخصوم، ويعرفه سكان الحي باعتباره صاحب الكلمة الفصل في كثير من شؤونهم. وكان يعرض على أهل الحارة معادلة بسيطة في ظاهرها: أنا أوفر لكم الحماية، وأنتم تدفعون المقابل.
والمفارقة أن العصا نفسها لم تكن تُستخدم دائمًا بقدر ما كانت تُرى. فمع الزمن، وبعد أن يرسخ الفتوة نفوذه في النفوس قبل الشوارع، تتحول العصا من سلاح يُشهر عند الحاجة إلى رمز يكفي حضوره لإثبات القوة. بل إن بعض الفتوات كانوا يتقدمون في العمر، وتضعف أجسادهم، ويصيبها الترهل من كثرة الراحة والكسل وما تمنحه السلطة من امتيازات، ومع ذلك يبقى نفوذهم قائمًا، ليس لقوة عضلاتهم، بل لقوة الصورة التي صنعوها والخوف الذي استقر في عقول الناس.
في بدايات ظهوره، ارتبط دور الفتوة أحيانًا بغياب الدولة وضعف مؤسساتها، فكان يُنظر إليه بوصفه حارسًا للنظام ومصدرًا للأمن في بيئة تفتقر إلى سلطة قادرة على فرض القانون. لكن التجارب الإنسانية تخبرنا أن القوة حين تُترك بلا رقابة، كثيرًا ما تتحول من وسيلة للحماية إلى أداة للهيمنة. وهكذا، لم يعد بعض الفتوات يحمون الناس من الخوف، بل أصبحوا هم أنفسهم مصدر الخوف الذي يدفع الناس إلى طلب الحماية منه.
قد تبدو هذه الصورة جزءًا من الماضي، أو مجرد حكاية من حكايات الأحياء القديمة، لكن التأمل في واقع العالم المعاصر يدفعنا إلى طرح سؤال أكثر عمقًا: هل انتهى عصر الفتوات فعلًا؟ أم أن البشرية غادرت الحارة الصغيرة لتدخل حارة أكبر اسمها العالم؟
نجد أن فتوة العصر الحديث قد غيّر أسلوب “الفتونة”، إن صح التعبير، من حيث الأدوات والوسائل، لكن جوهر المعادلة ظل على حاله. فالقوة لم تغادر العالم يومًا، بل أعادت تشكيل نفسها في قوالب جديدة أكثر تعقيدًا وفاعلية. ولم تعد العصا هي الوسيلة الوحيدة لفرض النفوذ، لأن عالم اليوم، رغم ما بلغه من تقدم، ما يزال مليئًا بنقاط الضعف التي لم تنجح كثير من الدول في تجاوزها أو حتى إخفائها عن الأنظار. وهكذا تجاوزت الفتونة حدود الأزقة الضيقة لتؤدي دورها عبر الأسواق العالمية، وشبكات المال، وممرات الطاقة، ومنصات التكنولوجيا، ومراكز البحث العلمي، حيث تُصنع موازين القوة الحقيقية.
لقد أدركت الدول الكبرى مبكرًا ما يحتاجه الآخرون، فأبدعت في إنتاجه واحتكرت مفاتيحه، وبذلك ضمنت لنفسها القدرة على فرض حضورها وتأثيرها. فهي لا تتصدر المشهد لأنها الأكثر عددًا أو الأوسع مساحة فحسب، بل لأنها تمتلك المعرفة التي تُصنع بها التكنولوجيا، وتمتلك التكنولوجيا التي تُبنى عليها الصناعة، وتمتلك الصناعة التي تخلق الثروة والنفوذ. ومن يسيطر على هذه السلسلة المتكاملة يمتلك في الواقع أدوات التأثير في العالم، حتى وإن لم يرفع صوته أو يستعرض قوته بصورة مباشرة.
وهكذا تحولت هذه العناصر مجتمعة إلى عصا الفتوة الجديدة؛ عصا لا تُرى بالعين المجردة، لكنها أكثر تأثيرًا من كثير من أدوات القوة التقليدية. فصاحبها لا يحتاج إلى استخدام القوة المباشرة في كل مرة، لأن حضوره يترسخ في حياة الآخرين من خلال حاجتهم المستمرة إلى ما ينتجه ويملكه من معرفة وتقنية وصناعة. إنه حاضر في هواتفهم، وأدويتهم ومصانعهم، وشبكات اتصالاتهم، قبل أن يكون حاضرًا على حدودهم أو في ساحات الصراع معهم.
وكما كانت عصا الفتوة قديمًا كافية أحيانًا لإخضاع الحارة دون أن تُرفع، أصبحت أدوات القوة الحديثة قادرة على تحقيق النتيجة نفسها دون إطلاق رصاصة واحدة. فقد تُفرض الإرادة اليوم بعقوبة اقتصادية، أو بحرمان دولة من تقنية متقدمة، أو بالتحكم في تدفق المعلومات والبيانات، أو بالهيمنة على الأسواق التي يعتمد عليها الآخرون في غذائهم ودوائهم واتصالاتهم. وهكذا تغيّر شكل العصا، لكن وظيفتها بقيت كما هي: فرض الإرادة وترجيح كفة من يملك أسباب القوة.
لكن المشكلة أن كثيرين ما زالوا ينظرون إلى القوة بالمنظار القديم نفسه. فحين يُذكر الحديث عن دولة قوية، يتجه التفكير مباشرة إلى اتساع المساحة أو ضخامة عدد السكان أو وفرة الثروات الطبيعية. غير أن التجربة الإنسانية خلال العقود الأخيرة أثبتت أن هذه المعايير، على أهميتها، لم تعد كافية وحدها لصناعة النفوذ أو ضمان المكانة.
لأن في عالم اليوم، لم يعد حجم الدولة يُقاس بما تملكه من كيلومترات مربعة، بل بما تنتجه من معرفة. ولم يعد ثقلها الحقيقي مرتبطًا بعدد سكانها فقط، بل بقدرتها على تحويل هؤلاء السكان إلى قوة علمية واقتصادية وإنتاجية، بدل إهمالهم وعدم الاستثمار فيهم من حيث الصحة والتعليم والثقافة . ولهذا برزت دول محدودة المساحة والموارد لتحتل مواقع متقدمة في الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي، بينما بقيت دول أخرى تمتلك أراضي شاسعة وثروات ضخمة عاجزة عن تحقيق التأثير نفسه.
لقد تغيرت قواعد اللعبة. فالثروات الطبيعية قد تمنح الدولة فرصة للانطلاق، لكنها لا تمنحها بالضرورة مكانة دائمة. أما المعرفة، فهي الثروة الوحيدة التي تزداد كلما استُخدمت، وتضاعف قيمتها كلما أُضيف إليها المزيد من الابتكار والإبداع المرتبط بالطاقة البشرية أصلا، وهي أهم ثروة من المفروض الافتخار بها والاستثمار فيها . ومن هنا أصبح الباحث والعالم والمهندس والمبرمج جزءًا من منظومة الأمن القومي، لا يقل أهمية عن الجندي الذي يقف على الحدود .وهي رؤية التقطتها الدول الكبرى أحسن التقاط ،بينما انشغلت الدول النامية والعربية خاصة بالتفاخر على بعضها بثروات طبيعية مآلها الزوال أو النفاذ إن لم يتمكنوا من حسن التصرف فيها .وكان جديرا بهم الاستثمار في الطاقة البشرية ويجعلوه يتجاوز الحدود الجغرافية بين هذه الدول ليحسنوا استقطاب أهم ثروة يمتلكونها وهي الإنسان المبدع بدل أن تستقطبه الدول الكبرى وتستقوي بفكره عليهم .
ولعل أبرز ما يميز عصرنا أن الفارق بين الدول لم يعد يُقاس بما تملكه تحت الأرض فقط، بل بما تمتلكه فوقها من جامعات ومختبرات ومراكز أبحاث وشركات قادرة على تحويل الأفكار إلى منتجات، والمنتجات إلى قوة، والقوة إلى استقلال في القرار والسيادة. لأن الدولة التي لا تنتج ما تحتاجه من معرفة تظل مضطرة إلى استيراد جزء من مستقبلها من الآخرين، مهما امتلكت من موارد أو رفعت من شعارات.
ومن هنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في الواقع العربي المعاصر. فالعالم العربي لم يكن فقيرًا في العقول يومًا، ولم يعانِ نقصًا في المواهب أو الكفاءات البشرية. وعلى مدى عقود طويلة، أنفقت الدول العربية مليارات الدولارات على التعليم، وخرجت من جامعاتها أعدادًا هائلة من الأطباء والمهندسين والعلماء والباحثين والمتخصصين في مختلف المجالات. لكن المشكلة لم تكن في إنتاج الكفاءات بقدر ما كانت في القدرة على الاحتفاظ بها والاستفادة منها.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدول المتقدمة تتنافس على جذب العقول وتوفير البيئة التي تسمح لها بالإبداع، كانت أعداد متزايدة من الكفاءات العربية تبحث عن فرصها خارج أوطانها. ولم يكن الدافع في كثير من الأحيان ماديًا فقط، بل كان مرتبطًا بوجود منظومات متكاملة للبحث العلمي، ومؤسسات تحتضن الابتكار، وبيئات مهنية تمنح أصحاب الكفاءة مساحة للتطوير والتأثير وتحويل أفكارهم إلى إنجازات ملموسة بدل اهانتهم وتضييق الخناق عليهم ودفعهم للهجرة من طرف شرذمة جهلة عابثين بالشأن العام . ولو أن كثيرًا من بلداننا احترمت عقول أبنائها وقدّرت إبداعات أجيالها، ولم تترك مصائرهم رهينة لقرارات ضيقة يصوغها سياسيون يفتقرون إلى الرؤية والمعرفة بقيمة الإنسان، لما فقدت هذا الرصيد الهائل من الطاقات، ولما قدمت أبناءها هدايا مجانية للدول التي أحسنت استقبالهم ووفرت لهم ما حُرموا منه في أوطانهم.
وهكذا حدث نزيف هادئ لا تلتقطه كاميرات الأخبار ولا تتصدر أخباره نشرات التلفزيون. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى حركة السلع ورؤوس الأموال، كانت هناك حركة أكثر أهمية تجري بصمت: حركة العقول. آلاف الباحثين والأكاديميين والخبراء غادروا ليصبحوا جزءًا من منظومات علمية وصناعية في دول أخرى، حيث ساهموا في تطوير تقنيات جديدة، وإنتاج أدوية متقدمة، وتحقيق اكتشافات علمية، وبناء شركات ومؤسسات أصبحت جزءًا من القوة الاقتصادية والتكنولوجية لتلك الدول.
والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الأوطان التي أنفقت على تعليم أبنائها وجدت نفسها لاحقًا مضطرة إلى استيراد منتجات المعرفة التي ساهم أبناؤها أنفسهم في تطويرها خارج حدودها. فدفعت ثمن التكنولوجيا التي شاركوا في ابتكارها، واشترت الأدوية التي ساهموا في أبحاثها، واستوردت الحلول التي كان يمكن أن تُنتج داخلها لو توافرت البيئة المناسبة. وهكذا لم تخسر بعض الدول العربية جزءًا من كوادرها فحسب، بل خسرت أيضًا القيمة المضافة التي كان يمكن أن تصنعها تلك الكفاءات لو وجدت ما يكفي من الاحتضان والثقة وفرص العمل والإبداع، ولو أُديرت شؤون التنمية بعقلية تؤمن بالعلم والمعرفة لا بعقلية تخشى أصحاب الكفاءة أو تهمش دورهم.
وربما تكمن المشكلة الأعمق في أن جزءًا من عالمنا العربي انشغل طويلًا ببناء صورة القوة أكثر من انشغاله ببناء أسبابها الحقيقية. فقد بدا أحيانًا أن الاهتمام انصرف إلى ما تراه العين قبل ما يصنع المستقبل؛ إلى المظاهر قبل الجوهر، وإلى النتائج قبل المقدمات. فارتفعت المباني، واتسعت المدن، وتضاعفت المشاريع العمرانية، وهي إنجازات لا يمكن إنكار أهميتها، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة قوة مستدامة إذا لم تسندها قاعدة صلبة من العلم والإنتاج والابتكار.
إن الحضارات لا تُقاس بما تشيده من أبراج فحسب، بل بما تشيده من عقول. فالمبنى، مهما ارتفع، يظل في النهاية نتاج فكرة وُلدت في عقل مهندس أو باحث أو مبتكر. والاقتصاد، مهما تضخمت أرقامه، يبقى هشًا إذا كان قائمًا على الاستهلاك أكثر من الإنتاج، وعلى الاستيراد أكثر من التصنيع، وعلى شراء المعرفة أكثر من المساهمة في صنعها.
لقد أدركت الأمم التي صنعت مكانتها في العصر الحديث أن الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فقط، بل مؤسسة سيادية لا تقل أهمية عن أي مرفق استراتيجي آخر. وأدركت أن المختبر ليس ترفًا أكاديميًا، بل مصنعًا للمستقبل. وأن الباحث الذي يقضي سنوات في تطوير فكرة أو تقنية جديدة لا يقل أهمية عن أي مورد طبيعي تمتلكه الدولة، لأن الثروات قد تنضب أو تتراجع قيمتها، أما المعرفة فتولد ثروات جديدة باستمرار.
ولهذا لم تعد المنافسة الحقيقية بين الدول تدور حول من يمتلك الموارد الأكبر فقط، بل حول من يمتلك القدرة الأعلى على تحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية. ان الدول التي تقود العالم اليوم لم تصل إلى موقعها لأنها كانت الأغنى بالموارد، وإنما لأنها كانت الأقدر على تنظيم العلم، وتمويل البحث، وربط الجامعات بالصناعة، وتحويل الأفكار إلى منتجات، والمنتجات إلى نفوذ وتأثير.
ومن هنا يمكن فهم الفارق بين من يشتري التكنولوجيا ومن يصنعها، وبين من يستورد الدواء ومن يطوره، وبين من يقتني السلاح ومن يمتلك القدرة على تصميمه وإنتاجه. فالفارق في جوهره ليس فارق مال أو إمكانات فحسب، بل فارق رؤية حضارية تدرك أن القوة الحقيقية لا تُستهلك، بل تُنتج.
أما الذي سارت عليه معظم الدول العربية هو استمرارها في استغلال طاقاتها من ثروات طبيعية إلى حد استنزافها وإهمال الاستثمار الحقيقي في الطاقة البشرية التي تستخرج من الثروات الطبيعية مصادر محتملة لثروات أخرى بدل استنزافها .بينما الدول الكبرى تتقن سياسة أخرى : استقطاب الثروة البشرية وتخزين الطبيعية والاحتفاظ بالاحتياطي الدائم بدل التبجح بالحضارة والتقدم والتفريط في أسبابها .
ولعل ما يجعل هذه المفارقة أكثر عمقًا وإيلامًا هو أن جزءًا من الإشكال لا يكمن فقط في فقدان العقول، بل في طريقة النظر إلى معنى القوة نفسه. فثمة خلطٌ متكرر بين مظاهر القوة وأسبابها، بين ما يبدو على السطح وما يُنتج التأثير الحقيقي في العمق.
فالقوة ليست في شكل العمران وحده، ولا في حجم المشاريع، ولا في اتساع المدن، ولا في كثافة الصور التي تعكس الواجهة. هذه كلها نتائج يمكن أن تكون مهمة ومبهرة، لكنها تظل في النهاية ثمارًا لعملية أعمق بكثير، تبدأ من الاهتمام بصحة البشر وتثقيفهم بدل تجهيلهم ، والتعليم الجيد، والبحث العلمي الجاد، والمؤسسات القادرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والفكرة إلى تطبيق، والعقل إلى قيمة اقتصادية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الإنجاز الظاهر، بل في الانفصال بين هذا الإنجاز وبين مصادره الحقيقية. فحين تُبنى المظاهر دون قاعدة معرفية صلبة، تصبح عرضة للتراجع السريع، لأن ما لا يُبنى على العلم والإبداع يبقى معتمدًا على الخارج، سواء في تشغيله أو تطويره أو حتى صيانته.
وهكذا نجد أن الدول التي رسخت مكانتها لم تفعل ذلك عبر تراكم الشكل، بل عبر تراكم المعرفة. لم تبدأ من القمة، بل من الأساس: من المدرسة، إلى الجامعة، إلى المختبر، إلى المصنع، إلى السوق. سلسلة مترابطة تجعل كل حلقة فيها تغذي التي تليها، حتى تتحول المعرفة إلى قوة، والقوة إلى استقرار، والاستقرار إلى قدرة على التأثير في العالم.
وحين نضع هذه الصورة كاملة أمامنا، يصبح من الصعب النظر إلى المستقبل بمنطق الدولة المنفردة القادرة على مواجهة تحديات عالم شديد التعقيد والتشابك. فالعالم اليوم لم يعد يسمح بالتحرك الفردي المعزول، لأن موازين القوة لم تعد تُرسم داخل الحدود الوطنية فقط، بل داخل شبكات واسعة من التحالفات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية.
ومن هنا، فإن فكرة التكامل بين الدول العربية لم تعد ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا يُطرح في المناسبات، بل أصبحت استجابة طبيعية لمنطق العصر. فالدول التي تتقارب في اللغة والتاريخ والجغرافيا والمصالح، لكنها تبقى متفرقة في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد، تجد نفسها في موقع أضعف مما تتيحه لها إمكاناتها الحقيقية.
إن العالم يتجه نحو التكتلات الكبرى لا لأنها خيار مثالي، بل لأنها ضرورة فرضتها طبيعة المنافسة العالمية. لأن الدولة الواحدة، مهما امتلكت من موارد أو قدرات، تواجه صعوبة متزايدة في بناء منظومة علمية وصناعية وتكنولوجية مكتملة بمفردها. أما حين تتكامل الجهود، وتتوزع الأدوار، وتُفتح الحدود أمام المعرفة ورأس المال البشري، فإن الإمكانات تتحول من قدرات متفرقة إلى قوة مركبة قادرة على التأثير.
ولعل ما ينقص المنطقة العربية ليس الموارد، بل تحويل هذا التعدد إلى مشروع واحد. فالمعادن والطاقة والسوق البشرية والعقول المنتشرة عبر العالم، كلها عناصر قوة هائلة، لكنها ما تزال تعمل في جزر منفصلة لا يجمعها إطار موحد يوجهها نحو هدف استراتيجي مشترك.
وفي النهاية، حين نعود إلى صورة “فتوة الحارة” التي بدأنا منها، ندرك أن ما تغير ليس مجرد أدوات القوة، بل تعريف القوة ذاته. فالعصا التي كانت تُرى في الأزقة لم تعد هي مركز النفوذ، بل تحولت إلى رمز قديم لعصر كانت فيه الهيمنة تُمارس بشكل مباشر وبسيط.
أما فتوة العصر الحديث، فلم يعد شخصًا يقف في زاوية حارة، بل أصبح منظومة معقدة من المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي. فتوة لا يفرض حضوره بالصوت أو العصا، بل بالابتكار والبراءات والجامعات ومراكز الأبحاث والشركات القادرة على تشكيل حياة الآخرين دون أن يظهر في المشهد مباشرة.
وهكذا، لم تعد القوة تُقاس بقدرة أحد على الإخضاع المباشر، بل بقدرته على صناعة الواقع الذي يضطر الآخرون إلى العيش داخله. لم تعد العصا من خشب، بل أصبحت علمًا ومعرفة وبيانات وتكنولوجيا تتحرك في كل اتجاه.
ومن هنا يصبح الدرس واضحًا: من يملك المعرفة لا يحتاج إلى العصا، ومن يفرّط في المعرفة يظل، مهما امتلك من موارد، في موقع من ينتظر ما يُفرض عليه لا من يفرض.
وبين فتوة الأمس وفتوة اليوم، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل مجتمع وكل دولة:
هل نريد أن نكون في موقع من يتلقى القوة… أم في موقع من يصنعها؟
الدكتورة نزهة الماموني


