الرئيسيةأخبارالهجرة النبوية.. ذكرى متجددة ودروس خالدة

الهجرة النبوية.. ذكرى متجددة ودروس خالدة

الهجرة النبوية

يُعدُّ شهرُ محرَّم أولَ شهور السنة الهجرية، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة إلى جانب رجب وذي القعدة وذي الحجة، وقد سُمّي بالمحرَّم لتحريم القتال فيه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

ولا يخفى أن الأول من شهر الله المحرم يمثل بداية التقويم السنوي الإسلامي، الذي أقرَّه الصحابة الكرام رضي الله عنهم إجماعًا، وجعلوا الهجرة النبوية الشريفة منطلقًا له، لما شكّلته من حدث فارق في تاريخ الأمة الإسلامية. ومع أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وقعت في شهر ربيع الأول، فإن اعتماد شهر المحرم بداية للسنة الهجرية يعود إلى أن العزم على الهجرة وتهيئة أسبابها كانا بعد بيعة العقبة، وكان أول هلال استهلّ بعد ذلك هو هلال المحرم، فكانت المناسبة قائمة لاعتماده بداية للتقويم.

ومع كل فاتح لمحرم تحل على الأمة الإسلامية ذكرى الهجرة النبوية، ذكرى تحمل في طياتها معاني التضحية والصبر والثبات، وتستحضر الجهود العظيمة التي بُذلت لهداية الناس وتعبيدهم لله تعالى، في مسيرة دعوية لا تؤثر فيها الصعوبات ولا تعيقها التحديات.

فالذكرى ليست مجرد استرجاع لحدث تاريخي، وإنما هي استحضار لمرحلة مفصلية غيّرت مجرى الدعوة الإسلامية، ونقلتها من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة في المدينة المنورة، حيث انطلقت رسالة الإسلام في أفق أرحب، متحررة من القيود والعوائق.

ومن خلال هذه المناسبة، يستحضر المسلمون عبر العالم كيف استعد الرسول صلى الله عليه وسلم للهجرة، فأخذ بالأسباب المادية والمعنوية، وأحكم التخطيط، ووثق بالله تعالى، فجعل كيد الكائدين في ضلال، ومكّن لدين الإسلام حتى فتح القلوب قبل البلدان.

وقد كرّست الهجرة النبوية ثلاثة أبعاد متكاملة: دينية ونفسية واجتماعية.

ففي بعدها الديني، كانت الهجرة نصرة للدين وتضحية من أجله بكل غالٍ ونفيس، وانتقالًا بالدعوة من بيئة تتربص بها وتريد وأدها، إلى فضاء أكثر استعدادًا لاحتضانها ونشر رسالتها.

أما في بعدها النفسي، فقد كانت فراقًا مؤلمًا للوطن الذي نشأ فيه الرسول الكريم وترعرع بين جنباته. وما أصدق قوله صلى الله عليه وسلم مخاطبًا مكة: «والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، كلمات تختزل حرارة الشوق ومرارة الفراق، وتؤكد عمق حب الوطن والانتماء إليه.

وفي بعدها الاجتماعي، تجلت الهجرة في أسمى صور التكافل والتضامن؛ فقد ضرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأسرته أروع الأمثلة في البذل والتضحية لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم ومرافقته في رحلة الهجرة، كما جسّد الأنصار أسمى معاني الإيثار حين استقبلوا المهاجرين وشاركوهم المأوى والمال والحياة، فصنعوا نموذجًا فريدًا للأخوة الإنسانية والاجتماعية.

إن الهجرة ليست حدثًا مضى وانتهى، بل هي مدرسة متجددة، وهجرة مستمرة من كل ما يفسد النفس ويهدم المجتمع، إلى ما يصلح الإنسان ويرتقي بالأمة. إنها قوة دافعة لكل فعل تغييري حضاري، وجذوة متقدة تبعث الأمل، وتغرس قيم العمل والتضحية والتآخي، ليظل المسلم قادرًا على صناعة المستقبل، مستنيرًا بهدي النبوة ومقتديًا بسيرة خير البرية صلى الله عليه وسلم.

وكل عام والأمة الإسلامية بخير، سائلين الله تعالى أن يجعل السنة الهجرية الجديدة سنة أمن وإيمان، وخير وبركة، وأن يعيدها على الجميع باليمن واليُسر والطمأنينة.

أمينة بنونة
أمينة بنونة

أمينة بنونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *