تستعد هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» لعرض فيلم وثائقي جديد من جزأين، يسلط الضوء على حياة الكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر»، ومسيرتها الأدبية، والجدل الذي رافق مواقفها من قضايا الهوية الجندرية والنسوية وحرية التعبير.
ومن المنتظر أن يتناول العمل، المقرر عرضه لأول مرة العام المقبل، التحولات التي عرفتها حياة رولينغ، من طفولتها التي اتسمت بشغف كبير بالقراءة، مروراً برحلتها في ابتكار عالم «هاري بوتر»، وصولاً إلى النقاشات الحادة التي أثارتها مواقفها الشخصية خلال السنوات الأخيرة. ولن تشارك الكاتبة في إعداد هذا الوثائقي، وفقاً للمعلومات المعلنة عنه.
ويركز الجزء الأول على نشأة رولينغ والظروف التي أحاطت بتأليف سلسلة «هاري بوتر»، التي تحولت إلى ظاهرة أدبية عالمية واستقطبت ملايين القراء، خصوصاً من فئة الشباب. كما يتوقف عند الدور الذي أدته هذه الكتب في جمع قراء من خلفيات مختلفة، عبر مجتمعات إلكترونية بدأت تتشكل مع انتشار الإنترنت، إلى جانب بناء عالم خيالي واسع حقق عوائد اقتصادية بمليارات الدولارات من خلال الكتب والأعمال المقتبسة عنها والمنتجات المرتبطة بها.
أما الجزء الثاني، فيتناول المرحلة التي أعقبت النجاح العالمي للسلسلة، مسلطاً الضوء على انتقال رولينغ من مكانتها بوصفها واحدة من أشهر الكاتبات في العالم إلى شخصية حاضرة بقوة في النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية.
وبحسب المعطيات الواردة في الإعلان عن الوثائقي، ستتناول الحلقة الثانية تدخلات الكاتبة في قضايا متعددة، من استقلال اسكتلندا إلى النسوية وحرية التعبير والهوية الجندرية، في سياق تصاعد دور منصات التواصل الاجتماعي واتساع الانقسامات المرتبطة بما يُعرف بالحروب الثقافية.
وأثارت مواقف رولينغ المتعلقة بالهوية الجندرية انتقادات واسعة، وأدت إلى توتر علاقتها بجزء من جمهورها، كما دفعت عدداً من العاملين في المجال الفني إلى التعبير عن اعتراضهم على آرائها. وفي المقابل، ظلت الكاتبة متمسكة بمواقفها، ما جعل اسمها حاضراً باستمرار في سجالات تتجاوز المجال الأدبي إلى قضايا الحقوق والحريات والتمثيل الاجتماعي.
ويأتي الإعلان عن الوثائقي في وقت تتجدد فيه النقاشات بشأن عالم «هاري بوتر»، بالتزامن مع الاستعدادات لإطلاق النسخة التلفزيونية الجديدة من السلسلة عبر منصة «إتش بي أو». ويواجه المشروع بدوره انقساماً بين محبي العمل الأصلي الذين ينتظرون عودته إلى الشاشة، وآخرين يرفضون المشاركة في الاحتفاء به بسبب مواقف رولينغ، التي تشغل منصب المنتجة التنفيذية للمسلسل.
ولم تقتصر هذه الانتقادات على الكاتبة نفسها، بل امتدت إلى بعض الممثلين المشاركين في العمل. فقد واجه نيكولاس هولت انتقادات بعد ارتباط اسمه بطاقم المسلسل، قبل أن تشير المعلومات الواردة في التقرير الأصلي إلى مغادرته الدور وتعويضه بالممثل كيت هارينغتون، الذي واجه بدوره ردود فعل غاضبة على خلفية الجدل المحيط بالمشروع.
كما كشف الممثل جون ليثغو، الذي يجسد شخصية ألبوس دمبلدور في المسلسل الجديد، أنه فكر في الانسحاب من العمل بسبب الانتقادات المرتبطة بمواقف رولينغ من المتحولين جنسياً. لكنه قرر في نهاية المطاف الاستمرار، مشيراً إلى أن كتب «هاري بوتر» تنحاز، في نظره، إلى الخير في مواجهة التعصب والكراهية.
ويأتي هذا الجدل أيضاً في أعقاب انتقادات وُجهت إلى «بي بي سي» بشأن تعاملها مع قضايا المتحولين جنسياً، بعد قيامها بتشويش عبارة «Protect The Dolls» الداعمة للمتحولين، والتي ظهرت على قميص الممثلة بيثاني أنطونيا خلال إحدى حلقات برنامج «Strictly Come Dancing». وأثار الحادث نقاشاً حول حدود الرقابة الإعلامية وطريقة تناول قضايا الهوية والحقوق في البرامج التلفزيونية.
وبينما يسلط الوثائقي المرتقب الضوء على النجاح الأدبي والاقتصادي الاستثنائي الذي حققته رولينغ، فإنه يتناول أيضاً التحول الذي جعلها شخصية مثيرة للانقسام في النقاش العام. ويطرح هذا المسار تساؤلات حول العلاقة بين العمل الإبداعي وصاحبه، ومدى تأثير مواقف الفنانين والكتاب الشخصية في استقبال أعمالهم واستمرار شعبيتها لدى الجمهور.
طنجة الأدبية

