تحتضن أروقة «ساحة الخط» في الشارقة، ضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة من الملتقى الدولي للخط العربي، تجارب فنية تستحضر عراقة الحرف العربي وتبرز قدرته على الجمع بين الإبداع والجمال والتاريخ. ومن بين الأعمال التي تلفت الأنظار مخطوطة استثنائية أنجزها الخطاط والفنان العراقي محمد النوري، بمشاركة مجموعة من الفنانين المتخصصين في التذهيب وفن الإبرو، لتقدم تجربة فنية تجمع بين دقة الخط وأصالة المواد وجمال الزخرفة.
ويتميز هذا العمل بكونه يتجاوز حدود اللوحة الخطية التقليدية، إذ يستلهم تقاليد المخطوطات الإمبراطورية الكلاسيكية، مستنداً إلى تقنيات فنية دقيقة ومواد تاريخية نادرة، تمنحه طابعاً يجمع بين القيمة الجمالية والأبعاد التراثية.
واختار محمد النوري لعمله قصيدة «رسمتك يا حبيبي في خيالي»، للشاعر أبي الهدى الصيادي، المعروف بلقب العارف بالله، وصاغ أبياتها بخط المحقق، أحد أنماط الخط العربي التي تتطلب مهارة عالية في ضبط الحروف وتناسقها. واعتمد الفنان قلماً لا يتجاوز قياسه 1.1 ملم، في اختيار تقني يعكس مستوى الدقة والتركيز اللازمين لإنجاز تفاصيل الحروف وانسيابيتها.
وتزداد خصوصية المخطوطة بفضل المواد التي استُخدمت في إنجازها، إذ كُتبت على ورق إنجليزي يعود، بحسب المعطيات المقدمة عن العمل، إلى سنة 1828، فيما يعود الجلد المستخدم في تجليدها إلى عام 1850. ويمنح هذا التوظيف لمواد قديمة العمل بعداً تاريخياً مميزاً، من خلال الجمع بين الحرف المعاصر ومواد تحمل آثار الزمن.
ولم يقتصر الاهتمام على اختيار الورق والتجليد، بل امتد إلى إعداد الحبر والألوان، حيث كُتبت القصيدة بحبر مصنوع يدوياً ومطعّم بالذهب الخالص عيار 22 قيراطاً، إلى جانب ألوان لامعة تضفي على النص إشراقاً بصرياً وتبرز تفاصيله الفنية.
ويشكل التعاون بين الخط والتذهيب والإبرو أحد أبرز عناصر تميز هذه المخطوطة، إذ تولت الفنانة داريا نوفين تنفيذ الزخارف الذهبية المحيطة بالكلمات، بما يمنح الصفحات حضوراً بصرياً متناسقاً. كما أضفت الفنانة مريم التميمي لمساتها على إطارات الصفحات من خلال تشكيلات دقيقة من فن الإبرو، في حين زُيّن الغلاف الداخلي بإبداعات الفنان ألب أرسلان، لتتكامل مختلف العناصر ضمن رؤية فنية واحدة.
ويكشف هذا التداخل بين الفنون التقليدية عن طبيعة العمل بوصفه ثمرة جهد جماعي يجمع خبرات متخصصة، حيث تتكامل الكتابة والزخرفة والألوان والتجليد في صياغة مخطوطة تستعيد جماليات الفنون الإسلامية وتقدمها في سياق معاصر. وقد أسهمت التفاصيل الدقيقة للعمل في استقطاب اهتمام زوار «ساحة الخط» والمصورين، الذين توقفوا عند مكوناته لاستكشاف ما تحمله من مهارة فنية وثراء بصري.
ويستند هذا الإنجاز إلى تجربة فنية راكمها محمد النوري على امتداد مسيرته، فهو خطاط وفنان عراقي من مواليد عام 1966، حاصل على شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، قسم التصميم. وقد انعكست خلفيته الأكاديمية على أعماله من خلال اهتمامه بالتوازن البصري وتنظيم الكتل وتناسق العناصر التشكيلية.
كما عمل النوري مدرساً لفن الزخرفة الإسلامية بمركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة، وشارك في تأطير ورش فنية متخصصة في الإمارات وعدد من البلدان العربية، مساهماً في نقل المعارف المرتبطة بالخط والزخرفة وتعزيز حضورها لدى المهتمين بهذا المجال.
وتضم مسيرته المهنية عدداً من المحطات البارزة، من بينها فوزه بجائزة الخط الديواني الجلي ضمن ملتقى الشارقة للخط العربي سنة 2008. وإلى جانب اشتغاله على المخطوطات والزخرفة، صمم النوري مجموعة من الشعارات المؤسسية، من بينها شعارات كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وجامعة القادسية، وجائزة القرآن الكريم التابعة لأندية الفتيات في الشارقة.
وتبرز هذه المخطوطة، المعروضة ضمن الملتقى الدولي للخط العربي، قدرة الفنون التقليدية على مواصلة حضورها عبر الأجيال، من خلال الحفاظ على تقنياتها الأصيلة وتطوير أساليب توظيفها. كما تقدم تجربة محمد النوري نموذجاً لتكامل الخط العربي مع التذهيب والإبرو وفنون التجليد، في عمل يستحضر الذاكرة الفنية للمخطوطات ويؤكد استمرار قيمتها الجمالية والثقافية.
طنجة الأدبية

