الرئيسيةأخباررغم الإبهار التقني.. The Odyssey لنولان لا يبلغ كمال الملحمة

رغم الإبهار التقني.. The Odyssey لنولان لا يبلغ كمال الملحمة

فيلم The Odyssey

بعد النجاح العالمي الذي حققه “أوبنهايمر”، يعود المخرج البريطاني كريستوفر نولان إلى الشاشة الكبيرة بفيلم “The Odyssey”، وهو المشروع الذي يصفه كثيرون بأنه الأكثر جرأة وطموحًا في مسيرته. فمن خلال اقتباس ملحمة هوميروس الخالدة، يخوض نولان تحديًا سينمائيًا معقدًا، يجمع بين الأسطورة والتاريخ، ويقدم رؤية مختلفة لإحدى أشهر القصص في الأدب الإنساني.

يعتمد الفيلم على مقاربة واقعية للملحمة الإغريقية، مبتعدًا عن الطابع الأسطوري التقليدي لصالح قراءة تركز على الإنسان أكثر من الآلهة، وعلى آثار الحرب في النفس البشرية أكثر من المعجزات والخوارق. ويظهر أوديسيوس، الذي يجسده مات ديمون، كمحارب أنهكته سنوات القتال، يبحث عن طريق العودة إلى وطنه بعد حرب طروادة، في رحلة تتحول إلى اختبار قاسٍ للإرادة والذاكرة والهوية.

ومن الناحية التقنية، يواصل نولان دفع حدود الصناعة السينمائية، إذ صُور الفيلم بالكامل باستخدام كاميرات IMAX 70mm، في سابقة بتاريخ السينما، مع تنفيذ أغلب المشاهد بالاعتماد على المؤثرات العملية بدل المؤثرات الرقمية، وتصوير العمل في ست دول مختلفة، إلى جانب مشاركة آلاف الكومبارس في إعادة بناء معارك طروادة، ما يمنح الفيلم بعدًا بصريًا استثنائيًا.

وتتشعب الأحداث بين رحلة أوديسيوس ومحاولات ابنه تيليماخوس، الذي يؤدي دوره توم هولاند، للحفاظ على مملكة إيثاكا، بينما تواجه بينيلوب، التي تجسدها آن هاثاواي، ضغوط الخاطبين الساعين إلى الاستيلاء على العرش. ويضيف هذا التوازي الزمني بعدًا دراميًا، لكنه يجعل السرد في بعض المحطات سريعًا إلى حد لا يسمح لبعض الشخصيات والأحداث بالحصول على المساحة التي تستحقها.

ويتنقل الفيلم بين محطات شهيرة من الملحمة، من مواجهة السيكلوب إلى السيرينات والساحرة سيرسي، مرورًا بالعواصف والرحلات البحرية، إلا أن كثافة هذه الأحداث تجعل بعضها يبدو أقرب إلى ومضات بصرية متلاحقة منها إلى تجارب مكتملة البناء، وهو ما يقلل من تأثيرها الدرامي رغم جودتها التقنية.

ويبرز الفصل الأخير باعتباره أكثر أجزاء الفيلم تماسكًا، إذ يستعيد نولان تركيزه على الصراع الإنساني مع عودة أوديسيوس إلى إيثاكا، حيث يقدم مات ديمون أحد أبرز أدواره في السنوات الأخيرة، مجسدًا رجلاً عاد من الحرب محملاً بالخسائر النفسية أكثر من انتصاراته العسكرية. كما تقدم آن هاثاواي وروبرت باتينسون أداءً قويًا، بينما يثير محدودية ظهور زندايا ولوبيتا نيونغو علامات استفهام بالنظر إلى مكانتهما الفنية.

ويحافظ الفيلم على المستوى البصري الذي اعتاده جمهور نولان، بفضل تصوير هويت فان هويتيما، الذي يمنح المشاهد إحساسًا بالاتساع والرهبة، فيما تضفي موسيقى لودفيغ غورانسون بعدًا ملحميًا يعزز قوة الصورة ويواكب تطور الأحداث.

ورغم الإشادة الكبيرة التي حصدها الفيلم بسبب طموحه الفني وضخامته الإنتاجية، فإن التجربة لا تخلو من الملاحظات، إذ يرى عدد من النقاد أن سرعة الإيقاع وكثافة الانتقالات حالت دون بناء ارتباط عاطفي عميق مع الشخصيات، لتبقى روعة الصورة والإبهار التقني العنصر الأكثر حضورًا في تجربة تبدو مبهرة بصريًا، لكنها أقل تأثيرًا على المستوى الإنساني.

في النهاية، يؤكد “The Odyssey” أن كريستوفر نولان لا يزال من أكثر المخرجين قدرة على خوض المشاريع المستحيلة وتحويلها إلى أعمال سينمائية استثنائية، حتى وإن ظل هذا الفيلم، بالنسبة للبعض، أقرب إلى إنجاز تقني مدهش منه إلى ملحمة تلامس المشاعر بعمق.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *