مجلة «كتاب» من التجارب الثقافية العربية اللافتة في مجال الصحافة المتخصصة في الكتاب وصناعة النشر؛ فهي لا تكتفي بتقديم الأخبار الثقافية أو مراجعة الإصدارات الجديدة، بل تحاول أن تصنع فضاء معرفيا متكاملا يجمع بين المؤلف والناشر والمترجم والقارئ والباحث والناقد. ولا تنظر المجلة إلى الكتاب بوصفه مادة مطبوعة فحسب، بل بوصفه حياة ثقافية كاملة، تبدأ من الفكرة الأولى في ذهن الكاتب، مرورا بالتحرير والترجمة والتصميم والنشر والتوزيع، ثم الوصول إلى القارئ، لتتحول بعد ذلك إلى أثر في الوعي والذوق والحوار الإنساني.
تصدر المجلة عن هيئة الشارقة للكتاب، المؤسسة الثقافية التي جعلت الكتاب محورا لمشروع ثقافي واسع، يرتبط بالإمارة وبما راكمته من حضور عربي ودولي في مجال الكتاب والنشر والمعارض والملتقيات. ظهرت المجلة ابتداء من يناير 2025 استكمالا لمسار «الناشر الأسبوعي»، الذي راكم 74 عددا، بهوية بصرية جديدة، مشيرة في عددها الأول بالاسم الجديد إلى أنها جزء من مشروع الشارقة الثقافي.
ولاسم «كتاب» دلالة رمزية واسعة: قصير ومباشر، غير أنه يختزن عالما كاملا من المعاني: فالكتاب هو الذاكرة، والمعرفة، والهوية، والجسر، والسؤال، والحوار. ومن خلال هذا الاسم، تعلن المجلة منذ البداية أنها لا تريد أن تكون تجربة عابرة، بل منصة تدور حول أصل الفعل الثقافي: القراءة والكتابة. وتبدو كأنها تحاول أن تجمع بين بساطة الاسم وعمق المشروع، وبين وضوح الرسالة واتساع الأفق.
تقوم رؤية المجلة على تصور شامل لصناعة النشر، لا تحصر اهتمامها في الكاتب وحده، ولا في القارئ وحده، بل تنظر إلى الكتاب باعتباره نتيجة عمل جماعي. . يجعلها هذا التصور مجلة متخصصة ولكنها غير ضيقة، لأنها تفتح المجال أمام كل العناصر التي تصنع حياة الكتاب. وهي بذلك تختلف عن المجلات الأدبية التقليدية التي غالبا ما تركز على النصوص، إذ تتجه «كتاب» إلى صناعة المعرفة بأكملها، محليا وعربيا ودوليا: «مجلة عربية بأفق عالمي» عنوان يلخص شخصيتها بدقة.
على مستوى الشكل، تتميز المجلة بهوية بصرية هادئة وواضحة، وبأغلفة تحمل غالبا صور كتاب أو شعراء أو مخطوطات أو رموز ثقافية. وهذا الاختيار البصري يخدم فكرة المجلة: فالكتاب ليس خبرا عابرا، بل صورة وذاكرة وشخصية وأثر. كما أن تقسيم الأبواب يعطي القارئ إحساسا بأنه أمام مجلة منظمة، تعرف ما تريد، وتقدم موادها في مسارات مختلفة، من الحوار إلى المراجعة، ومن المقالة إلى الصفحة التراثية.
وتتضح شخصية مجلة «كتاب» أيضا من خلال انتظام أبوابها وزواياها؛ فهي لا تقدم مادة ثقافية متفرقة، بل تبني عددا شهريا له هندسة تحريرية واضحة. ولا تكتفي المجلة بالمقالات والحوارات، بل تعتمد بنية ثابتة نسبيا من الأبواب والأعمدة، وملفا ثقافيا متكاملا، لا مجرد تجميع لمواد متفرقة.
في مقدمة كل عدد ترد افتتاحية «أول الكلام»، وهي بمثابة صوت المجلة وموقفها الثقافي، إذ تتناول قضايا الشارقة والكتاب والترجمة والمعارض الدولية والحوار بين الثقافات، وتحمل عناوين دالة من قبيل «الكتب مواعين النور». وإلى جانب ذلك تتوزع مواد المجلة على أبواب رئيسية مثل: «دفتر الشمس»، و»حوارات»، و»مقالات ودراسات»، و»مراجعات»، و»صفحات»، فضلا عن زوايا تتأرجح بين التأمل والتدبر : «جسور»، و»فحوصات ثقافية»، و»ممرات»، و»رقيم»، و»هوى وهواء»، و»مرحبا»، و»بقعة ضوء»، و»فسحة للتأمل»، و»تخوم الكتابة»، و»ملتقى الأرياح»، و»من الشاطئ الآخر»
وهذا التنوع يمنح المجلة طابعا موسوعيا رصينا، ويجعلها منصة للتعريف بالكتاب العربي والعالمي، وبالحركة الثقافية الرائجة. ولا يبدو التنوع اعتباطيا، إذ يعكس رغبة في أن تكون المجلة مرآة واسعة لحركة الكتابة والنشر والقراءة. ففي عدد يناير 2025 مثلا نجد حوارا مع كاترين بودي عن علاقتها بالثقافة العربية، وملفات عن المخطوطات الأندلسية، ومقالات عن المؤلفين الناشرين، ومراجعات لكتب عربية وعالمية.
نتين رؤية و قيمة مجلة «كتاب» حين نقرأ صوتها التحريري من داخل أبوابها نفسها، وخاصة في افتتاحية «أول الكلام» التي يكتبها أحمد بن ركاض العامري، الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب ورئيس التحرير. الذي يصف المجلة بأنها «مجلة عربية بأفق عالمي»، وهي عبارة تلخص بدقة طبيعة المشروع: مجلة تنطلق من الشارقة، لكنها لا تكتفي بالمحلي، بل تنفتح على الأدب العربي والعالمي، وعلى حركة النشر والترجمة والقراءة في القارات المختلفة.
وفي افتتاحية أخرى يؤكد العامري أن «ما من أمة نهضت إلا وكانت الثقافة جوهر مشروعها»، وهي فكرة تكشف أن المجلة لا تفصل الكتاب عن النهضة، ولا ترى الثقافة ترفا، بل أساسا في بناء الإنسان والمجتمع. كما يقول، في سياق الحديث عن تكريم الشارقة الثقافي، إن «الحوار بين الحضارات ليس ترفا، بل ضرورة إنسانية»، وهذا ما يفسر حضور المجلة بوصفها جسرا بين الأدب العربي وآداب العالم.
وتحضر زاوية «رقيم»، التي يكتبها الشاعر علي العامري، مدير تحرير المجلة، بوصفها مساحة تأملية في معنى الكتاب والكلمة والهوية الثقافية، إذ يكتب: «منذ البدء كانت الكلمة علامة الوجود»، ثم يربط ظهور المجلة باسمها الجديد باستمرار مشروع الشارقة الثقافي التنويري. وتمنح هذه الزاوية للمجلة بعدا فكريا داخليا، لأنها لا تكتفي بتقديم الأخبار والحوارات، بل تتأمل وظيفة الكتاب في حماية اللغة والهوية والانفتاح على الآخر.
وفي عدد ماي 2026، يؤكد علي العامري أن مجلة «كتاب» تبقى «وفية لشعارها: جسر ثقافي من الشارقة إلى القارات»، خصوصا في حديثه عن حضور الأدب البولندي في صفحات المجلة، وهو مثال واضح على دورها في التعريف بالكتاب العالمي داخل الفضاء العربي.
يكشف تنوع المواد في المجلة أنها لا تتعامل مع الثقافة بوصفها مجالا مغلقا، بل بوصفها شبكة علاقات. فهي تنتقل من المخطوط الأندلسي إلى الرواية المعاصرة، ومن الشعر العربي إلى الترجمة، ومن أدب الطفل إلى قضايا النشر، ومن الأدب الإفريقي إلى الأدب البولندي واليوناني واللاتيني. وبذلك تعطي القارئ العربي فرصة للتعرف إلى آداب وثقافات قد لا تكون حاضرة بقوة في الصحافة اليومية أو في البرامج الثقافية العامة. كما تمنح المستعربين والمهتمين بالثقافة العربية نافذة يطلون منها على حيوية الكتاب العربي وعلى قضايا النشر في العالم العربي.
وللمجلة بعد حضاري لا تخطئه العين؛ فهي لا تفصل الكتاب عن الذاكرة، بل تربط الحاضر بالماضي. لذلك نجد فيها اهتماما بالمخطوط ، وبالتراث، وبأثر الحضارة العربية في الثقافات الأخرى. وهي لا تقدم التراث بوصفه مادة جامدة، بل بوصفه طاقة قابلة للحوار والتجدد. وحين تكتب عن التراث أو عن الأندلس أو عن ابن رشد أو عن «رسالة الغفران»، فإنها لا تفعل ذلك من باب الحنين فقط، بل من باب إعادة قراءة الذاكرة العربية في ضوء أسئلة الحاضر.
أما البعد العالمي فبارز من خلال حضور آداب وثقافات متعددة في أعدادها. فقد اهتمت المجلة بالأدب البولندي، واليوناني، والإسباني، والإفريقي، واللاتيني، وبأدباء من أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا. وهي، حين تقدم شاعرة بولندية، أو روائيا من أميركا اللاتينية، أو مترجما من اليونان، أو باحثا في الاستعراب الإسباني، توسع خريطة القراءة لدى القارئ العربي، وتخرجه من دائرة الأسماء المألوفة إلى آفاق أوسع، وتدعوه إلى اكتشاف آداب بعيدة جغرافيا لكنها قريبة إنسانيا.
ولا تقدم المجلة الثقافة العالمية بطريقة سطحية، بل تروم العمق: علاقة الأدب بالهوية، والترجمة، والذاكرة، والاستعمار، واللغة، والطفولة، والمرأة، والحرب، والمنفى، والحرية. وهي قضايا تجعل المجلة أقرب إلى مختبر ثقافي منها إلى نشرة؛ فالقارئ لا يفوز من خلالها بالمعلومة فقط، بل يخرج بسؤال جديد، وبفضول جديد نحو كتاب أو كاتب أو تجربة.
للمجلة بعد عربي واضح؛ فهي تنطلق من الشارقة، ومن مشروع ثقافي عربي إماراتي يؤمن بأن الكتاب أساس النهضة. ومن خلال أبوابها المختلفة، تعرّف المجلة بالكتاب العربي عبر وضعه في سياقه الثقافي والحضاري.
ومن هنا يمكن فهم الدور التعريفي الذي تقوم به مجلة «كتاب» في خدمة الكتاب العربي. فهي تمنحه سياقا ومنصة وصوتا. فالكتاب العربي، في كثير من الأحيان، يعاني من ضعف التسويق الثقافي ومن قلة الجسور مع اللغات الأخرى. وتأتي المجلة لتقترح حلا معرفيا وإعلاميا: أن تقدم الكتاب العربي بوصفه جزءا من حركة عالمية، وأن تضعه إلى جانب الكتب العالمية لا في موقع التابع، بل في موقع الشريك في إنتاج المعنى. وتؤدي المجلة في الوقت نفسه دورا موازيا في التعريف بالكتاب العالمي للقارئ العربي. وهذا الدور لا يقل أهمية، لأن الثقافة العربية تحتاج دائما إلى الانفتاح على تجارب الآخرين. فالمجلة تعرّف القارئ العربي بالكتاب العالمي، وتعرّف العالم بالكتاب العربي؛ وهي وظيفة مزدوجة غاية في الأهمية في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية، وتشتد فيه الحاجة إلى الحوار بين الشعوب. يحتاج الكتاب العربي إلى منصات تضيء جمالياته وقضاياه وتنوعه، ويحتاج الكتاب العالمي إلى وسائط تقدمه للقارئ العربي بعيدا عن المركزية الضيقة. وهنا مكمن قيمة المجلة بوصفها جسرا. وتساهم في جعل الأدب العربي مرئيا، وفي جعل قضاياه وأسئلته حاضرة أمام القارئ العربي والعالمي.
وتحضر الترجمة في المجلة باعتبارها جسرا أساسيا بين الثقافات. فالترجمة رغبة في الإصغاء إلى الغير والآخر. وفي ذلك وعي بأن الكتاب العربي لن يكون عالميا إلا من خلال جسر الترجمة، وأن الكتاب العالمي لن يصبح جزءا من الوعي العربي إلا عبر مترجمين يكابدون عناء الإبحار به بمهارة ليصلوا به إلى شط النجاة. لذلك تبدو المجلة واعية بأن مستقبل الكتاب مرتبط بقدرة الثقافات على تبادل نصوصها وتجاربها.
يؤكد شعار «جسر ثقافي من الشارقة إلى القارات» هذا البعد. فالشعار ليس مجرد عبارة تعريفية، بل تلخيص لخط تحريري واضح. وقد بنيت المجلة على شبكة واسعة ومتنوعة من العلاقات مع أدباء وكتاب ومفكرين وباحثين ومترجمين من مختلف الأقطار.
وهذا الحضور العالمي ليس معزولا عن المؤسسة التي تصدر المجلة. فالمجلة وجه من وجوه هيئة الشارقة للكتاب، التي تعمل بمنطق بناء منظومة ثقافية: معرض الشارقة الدولي للكتاب، ومدينة الشارقة للنشر، ومؤتمر الناشرين، ومهرجان الشارقة، والمبادرات الدولية التي تحمل اسم الشارقة إلى عواصم العالم، كلها عناصر تجعل المجلة جزءا من مشروع أكبر. وحين تراجع «كتاب»، فإنك لا تقرأ مجلة فقط، بل تطالع أثرا من آثار رؤية ثقافية آمنت بأن الكتاب قادر على صناعة الحوار.
ومن حق هيئة الشارقة للكتاب أن تُذكر بالتقدير والثناء، لأنها حولت العناية بالكتاب إلى عمل مؤسساتي متواصل. ولأنها استطاعت أن تمنح الكتاب العربي مؤسسة ومنصة وصوتا وامتدادا عالميا. وهذا ما يمنح «كتاب» مصداقية إضافية، إذ تصدر عن جهة تعيش يوميا في قلب صناعة الكتاب. ومن خلال مجلة «كتاب»، تؤكد الشارقة أن الثقافة ليست زينة ثانوية، بل أس من أسس الحياة الانسانية، وأن الكتاب ليس مجرد أوراق، بل جسر مودة ومعرفة بين الشعوب. وبذلك تكون «كتاب» رسالة مضيئة: من الشارقة إلى القارات، ومن الكتاب إلى الإنسان.
المبارك الغروسي


