لا يظهر اللون الأبيض في أعمال الفنان العراقي علي رضا سعيد بوصفه خلفية محايدة، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل البنية البصرية داخل لوحاته المعروضة في المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في تونس العاصمة ضمن معرضه أبيض وأسود، الممتد إلى غاية 15 مايو/أيار الجاري.
يقوم المشروع الفني على حوار عميق بين الضوء والعتمة داخل الفضاء التشكيلي، بما يفتح المجال أمام قراءات رمزية وتأويلية تستحضر امتدادات من التراث البابلي القديم، كما تعيد التذكير بتجارب رواد الفن العراقي الحديث، وفي مقدمتهم شاكر حسن آل سعيد، إلى جانب مرجعيات الفن العربي الإسلامي الذي حوّل الضوء الفيزيائي إلى إشراق داخلي في المنمنمات والخط العربي بالأبيض والأسود، إضافة إلى تجارب عالمية مثل كازمير ماليفيتش وبول كلي وبيار سولاج.
تأتي أعمال علي رضا سعيد، المنجزة بخامات الحبر وألوان الأكريليك على الورق، محمّلة بشخوص هلامية تتداخل فيها الإشارات الإنسانية مع الأشكال النباتية، حيث تتحول الكائنات إلى امتدادات عضوية تشبه الجذور والفروع، في تعبير بصري عن علاقة الإنسان بالطبيعة واستمرارية الحياة.
وفي كلمته ضمن دليل المعرض، يوضح الفنان أن أعماله لا تسعى إلى تصوير العالم بقدر ما تحاول الإصغاء إليه، باعتبار كل لوحة محاولة لالتقاط أثر داخلي أو لحظة عابرة تتشكل بين الامتلاء والفراغ، حيث يصبح البياض جزءاً من الحكاية وليس مجرد خلفية.
تتوزع الشخوص داخل تراكيب هندسية وخطوط متشابكة توحي بالحركة المقيدة، بينما تتجاور الدوائر وتتشابك في إيقاع بصري كثيف، يتخلله حضور نصوص وإشارات رمزية، من بينها اقتباسات ذات بعد روحي، تعزز من عمق الدلالة داخل اللوحة.
ورغم سكون الأجساد الظاهر، فإن الأعمال تحمل طاقة داخلية عالية، تتأرجح بين الثقل والخفة، وبين الصمت والانفجار، في تعبير عن حالات إنسانية مضطربة ومشحونة بالتوتر الوجودي، حيث تتحول اللوحة إلى مساحة للصراخ الصامت والبحث عن خلاص بصري وروحي.
لا يعتمد الفنان على زخرفة اللون أو التعقيد الهندسي بقدر ما يراهن على قوة الخط والضوء في تمرير رسالته الفنية، إذ تتساقط نقاط البياض داخل التكوين كنبضات ضوئية تعيد ترتيب الفوضى وتفتح منافذ للحركة داخل العتمة.
وتعكس هذه التجربة الفنية مساراً إبداعياً ممتداً للفنان، الذي حصل على درجة الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون من جامعة تونس عام 2004، وأقام تسعة معارض فردية في عدد من الدول العربية والأوروبية، من بينها العراق والأردن وليبيا وسلطنة عمان وتونس والإمارات والسويد.
طنجة الأدبية

