بعد أكثر من قرن على صدور النسخة الأصلية بالأردية في الهند، صدرت أخيرًا الترجمة العربية الكاملة لموسوعة “سيرة النبي ﷺ” التي ألّفها العالم شبلي النعماني (1857-1914) وأكملها تلميذه السيد سليمان الندوي (1884-1953)، وذلك عن دار القلم في دمشق، لتنهي بذلك محاولات طويلة استمرت لعقود من أجل نقل هذا العمل الموسوعي إلى المكتبة العربية بصورة مكتملة.
ووصف الباحث الهندي الشيخ محمد أكرم الندوي، المقيم في أكسفورد، هذا الإصدار في مقالة نُشرت في 4 مايو 2026 بأنه “بشرى تشرح الصدور”، معتبرًا أن المشروع يمثل ثمرة جهد علمي ممتد، شارك في تمويله داعمون من قطر، فيما تولّى إنجازه فريق بحثي متخصص من العلماء الهنود.
وقد قاد عملية الترجمة والتحقيق الأستاذ محمد رحمة الله الندوي، الذي أشرف على التدقيق العلمي وتخريج الأحاديث ومراجعة النصوص النهائية، إضافة إلى توحيد الأسلوب اللغوي بين المترجمين لضمان انسجام النص العربي. وشارك في هذا العمل كل من الدكتور صاحب عالم الندوي، والدكتور آفتاب عالم الندوي، والدكتور محمد الغوري، والدكتور حسيب الرحمن الندوي، وهم باحثون في الدراسات الإسلامية واللغة العربية.
وجاءت الترجمة الجديدة مزودة بتخريجات حديثية وفهارس علمية دقيقة، ما يمنحها طابعًا أكاديميًا يميزها عن المحاولات السابقة التي لم تتمكن من تقديم النص كاملًا بالشكل العلمي واللغوي المطلوب، سواء بسبب تعقيد اللغة الأصلية أو طبيعة البناء الذي يجمع بين السرد التاريخي والأسلوب الأدبي والتحليل العلمي.
وكانت الموسوعة قد كُتبت أصلًا باللغة الأردية، حيث بدأها شبلي النعماني وأتمها سليمان الندوي اعتمادًا على مصادر السيرة الأولى من القرآن الكريم وكتب الحديث والمغازي والتاريخ والطبقات. وقد سعى المؤلفان إلى تقديم قراءة علمية حديثة للسيرة النبوية، تخاطب العقل المعاصر وترد على الشبهات التي أثارها عدد من المستشرقين في ذلك الوقت.
ولا تقتصر الموسوعة على السرد التاريخي للأحداث، بل تمتد إلى معالجة قضايا العقيدة والمعجزات والإعجاز القرآني والأخلاق والنظام الاجتماعي والسياسي في الإسلام، وهو ما جعلها تُوصف لدى بعض الباحثين بأنها أقرب إلى “دائرة معارف إسلامية” متكاملة. وقد تُرجمت أجزاء منها سابقًا إلى التركية وعدة لغات، بينما ظل القارئ العربي ينتظر إصدارًا كاملاً باللغة العربية حتى اليوم.
ويعكس صدور هذه الترجمة استمرار الجسر العلمي الممتد بين العالم العربي والهند المسلمة، التي أسهمت تاريخيًا في إنتاج تراث غني في علوم الحديث والسيرة والفكر الإسلامي، خاصة في مدارس ندوة العلماء بلكناو وما ارتبط بها من حركات علمية وفكرية.
وتكفلت مجموعة من الداعمين في قطر وخارجها بتمويل المشروع، ما أتاح استكماله وفق معايير بحثية ولغوية دقيقة. فيما تولّت دار القلم في دمشق عملية الطباعة والنشر، وهي من الدور المعروفة بإحياء التراث الإسلامي وتحقيق النصوص الكلاسيكية.
ورغم صدور العمل في حلته العربية الكاملة، لم تتضح بعد تفاصيل عدد المجلدات أو آليات التوزيع في الأسواق العربية، غير أن الترقب يبقى قائمًا لمدى تفاعل القراء مع هذا السفر الموسوعي الذي وُلد ليُقرأ ويُناقش، لا ليبقى حبيس الرفوف.
طنجة الأدبية

