تدشين رواية “الإرساليّة” للدكتور خالد الجابر يقدّم عملاً سرديًا يعيد مساءلة التاريخ من زاوية مختلفة، لا باعتباره سجلًا جامدًا للأحداث، بل فضاءً حيًا تتداخل فيه الوقائع مع التأويلات، وتتشابك فيه الأسئلة الكبرى حول الذاكرة والهوية والمعرفة. الرواية لا تكتفي باستحضار الماضي، بل تفتحه على قراءات جديدة تتجاوز السرد التقليدي، وتعيد التفكير في العلاقة بين الشرق والغرب من خلال تجربة إنسانية معقدة ومفتوحة على التحوّل.
تميّز “الإرساليّة” يكمن في قدرتها على ترك أثر عميق في ذاكرة القارئ، إذ تعود إلى مرحلة دقيقة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، لكنها تفعل ذلك عبر منظور غير مألوف يتمثل في “العين الغربية” التي جاءت من بعيد، قبل أن تنخرط في تفاصيل المكان وتجد نفسها متأثرة به إلى حدّ إعادة تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها. ومن هنا تتبلور الفكرة المركزية التي تلخصها الرواية: من يسعى إلى تغيير الشرق، قد ينتهي به الشرق إلى تغييره هو نفسه بشكل جذري.
تستند الرواية إلى خلفية تاريخية مرتبطة بحركة الإرساليات الأجنبية في الخليج خلال أواخر القرن التاسع عشر، حين تأسست “الإرسالية العربية” تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأمريكية ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي، امتد تأثيره إلى عدد من مناطق الخليج والجزيرة العربية. غير أن هذا الإطار التاريخي لا يُقدَّم بوصفه مادة توثيقية، بل كمساحة سردية تتقاطع فيها الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الإنسانية، وتتداخل فيها النوايا مع النتائج غير المتوقعة.
في قلب هذا البناء السردي، تأتي شخصية الممرضة الأمريكية ماري مجدولين سميث، التي تشكّل رسائلها محورًا رئيسيًا للرواية. عبر رحلتها بين البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، وصولًا إلى القطيف والأحساء والعراق ومصر والمغرب، تتكشف طبقات المكان وتفاصيله الدقيقة من عادات اجتماعية وأسواق وموانئ وبدايات التحول الاقتصادي في المنطقة. هذه الرحلة لا ترسم فقط جغرافيا متحركة، بل تكشف أيضًا تحولات داخلية عميقة في وعي الشخصية.
ومع تراكم التجربة، لا تبقى ماري أسيرة تعريفها الأول كممثلة لمؤسسة تبشيرية، بل تتحول تدريجيًا إلى شخصية إنسانية أكثر اتساعًا، تعيد النظر في المسلمات التي حملتها معها، وتخوض مواجهة يومية مع واقع يفرض عليها إعادة تشكيل فهمها للعالم ولذاتها. وهكذا تصبح الهوية في الرواية بناءً متحركًا لا معطًى ثابتًا، يتغير بفعل الاحتكاك والتجربة.
“الإرساليّة” في جوهرها ليست مجرد حكاية رحلة عبر الجغرافيا، بل هي تفكيك عميق لفكرة المعرفة ذاتها حين تنتقل بين الثقافات، وما تخلقه من أسئلة حول الآخر والذات، حول الحقيقة والتأويل، وحول الحدود الفاصلة بين الفهم والانحياز. ومن خلال هذا الاشتباك، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظل بعضها مهمشًا أو غير مقروء بالشكل الكافي.
وتبرز في العمل بصمة الدكتور خالد الجابر الأكاديمية والبحثية، حيث تنعكس خبرته في الشأن الخليجي والعلاقات الدولية والاتصال السياسي في دقة البناء التاريخي والاجتماعي، دون أن تطغى على الطابع الأدبي للعمل. فاللغة تبقى مشحونة بالخيال، لكنها تستند إلى وعي معرفي يوازن بين السرد الجاذب والمرجعية الفكرية، ما يمنح الرواية عمقًا إضافيًا وقدرة على الجمع بين المتعة الحكائية والتحليل الثقافي.
طنجة الأدبية

