يستعيد المفكر والروائي المغربي حسن أوريد لفظة “اللاروب” من معجم العامية المغاربية، ليحوّلها من تعبير بسيط مرتبط بكسور الزمن في الساعة إلى مفهوم دلالي واسع يحمل أبعادًا وجودية وفكرية عميقة. فهذه الكلمة، التي تنحدر من تعبير “إلا ربع” بعد تحويره صوتيًا، تتجاوز معناها الزمني الضيق لتغدو عند أوريد رمزًا للنقص واللااكتمال، وإشارة إلى كل ما هو مبتور أو غير مكتمل في التجربة الإنسانية والاجتماعية.
في المخيال الشعبي المغربي، لا تُفهم “اللاروب” كدقيقة ناقصة في دورة الزمن فحسب، بل كاستعارة جامعة لكل ما يشوبه العيب أو القصور، من سلع رديئة ووعود غير مكتملة إلى مشاريع لا تصل نهايتها. وقد تحوّلت بهذا المعنى إلى علامة على “عدم التمام”، وإلى مرآة تعكس حالات العجز التي تطبع جوانب من الواقع.
ينطلق حسن أوريد من هذا المفهوم ليبني رؤية نقدية أوسع، تجعل من “اللاروب” توصيفًا للحالة العربية والمغربية المعاصرة، حيث يظهر النقص في الدولة غير المكتملة، وفي الديمقراطية التي لم تبلغ نضجها، وفي المشاريع الفكرية التي تتعثر قبل اكتمالها. إنها، وفق هذا التصور، بنية عجز ممتدة تجعل من الإنجاز حالة منقوصة، ومن الحلم مشروعًا مؤجلًا دائمًا.
داخل هذا الأفق الرمزي، تتحول “اللاروب” إلى وصف لحالة وجودية جماعية، تعيش بين زمنين غير مكتملين، فلا هي تنتمي إلى ماضٍ مستقر ولا إلى مستقبل متحقق. إنها حالة برزخية تعكس، في نظر الكاتب، مجتمعًا يراوح مكانه عند عتبات الإنجاز دون أن يعبرها، وكأن النقص أصبح جزءًا من بنيته التاريخية.
الرواية التي يوظف فيها أوريد هذا المفهوم تنفتح على بناء سردي سريالي يضرب الخطية الزمنية التقليدية، ويكشف تشظي الوعي الجمعي. تنطلق الأحداث من خريف عام 1947 في الدار البيضاء، حيث يظهر “محمد بنيس” كمخبر شاب في جهاز الحماية الفرنسية، يتردد على فضاء “كاباريه سنترا”، قبل أن يجد نفسه فجأة في عام 2018، أمام عالم متحوّل جذريًا ومدينة لم يعد يعرف ملامحها.
هذا القفز الزمني لا يُقدَّم كعنصر تخييلي فحسب، بل كاستعارة عن جيل فقد امتداداته التاريخية، وتحوّل من فاعل في الحلم إلى شاهد على انهياره. فالماضي الذي كان يَعِد بالتحرر يتحول إلى حاضر مرتبك، بينما تتآكل الهوية تحت ثقل التحولات السياسية والاجتماعية.
ويتحول “كاباريه سنترا” في هذا السياق إلى فضاء رمزي كثيف، أشبه بمختبر لتشريح المجتمع، حيث تتقاطع شخصيات تمثل أفكارًا واتجاهات فكرية مختلفة. هناك الفيلسوف، والمؤرخ، وشخصيات أخرى تعكس حالات الوعي العربي المأزوم. وفي هذا الفضاء تتجمد عقارب الساعة عند لحظة “إلا ربع”، في إشارة إلى ركود تاريخي ممتد.
كما تستحضر الرواية رموزًا بارزة من التاريخ التحرري العربي مثل الأمير عبد الكريم الخطابي وجمال عبد الناصر والمهدي بن بركة وعمر بن جلون، حيث لا يظهرون كأيقونات جامدة، بل كأصوات حية تعكس أسئلة الهزيمة ومآلات المشاريع الكبرى التي لم تكتمل. ومن خلالهم، يعيد أوريد مساءلة معنى التضحية، وحدود الحلم الجماعي، وما إذا كانت تلك التضحيات قد قادت إلى العبور أم إلى مزيد من التعثر.
وفي خلفية السرد، تتكشف خيبة وجودية عميقة، يتقاطع فيها الشخصي بالتاريخي. فالمخبر السابق الذي عاش أحلام التحرر يجد نفسه أمام عالم أكثر اضطرابًا مما واجهه الاستعمار ذاته، حيث تتحول الحرية إلى حالة ملتبسة، وتغدو الهزيمة أكثر تعقيدًا من الاحتلال.
تطرح الرواية، في عمقها، سؤال الزمن العربي المتعدد والمتداخل، حيث تتعايش طبقات تاريخية مختلفة في فضاء واحد، ما يخلق نوعًا من الاضطراب الحضاري الذي يعوق اكتمال المسار. ومن هنا يصبح “اللاروب” توصيفًا لحالة ثقافية وسياسية تتسم بالتعثر المستمر.
وفي النهاية، يقدّم حسن أوريد قراءة فلسفية للزمن العربي بوصفه زمنًا منقوصًا، لا يكتمل إلا باستعادة القدرة على الحلم وإعادة بناء المعنى الجماعي. فاسترجاع “الربع المفقود” لا يكون، في نظره، إلا عبر مشروع فكري جديد يعيد ضبط إيقاع التاريخ على أسس من الوعي والحرية.
طنجة الأدبية

