تتقاطع في تجربة الفنان التشكيلي الألماني جورج بازلتز، الذي رحل الخميس الماضي عن عمر ناهز الثامنة والثمانين عاماً، مجموعة واسعة من الروافد البصرية والفلسفية المتمرّدة التي أسّست لواحد من أكثر المسارات الفنية إثارة للجدل في الفن الأوروبي المعاصر. فقد استلهم بازلتز في بدايات تكوينه الفني الرسوم العفوية لمرضى نفسيين وثّقها الطبيب هانز برينزهورن في كتابه “فنّ المرضى النفسيين”، كما عاد إلى حركات فنية تعود إلى القرن السادس عشر مثل التكلّفية (Mannerism)، التي تمرّدت بدورها على المثال الكلاسيكي لعصر النهضة، وهو ما انعكس في اشتغاله على تشويه الجسد وإطالة الأطراف ومطّها خارج حدودها الطبيعية.
وفي مساره البصري، استعاد بازلتز إرث التعبيريين الألمان الأوائل، خصوصاً إرنست كيرشنر وإميل نولده اللذين طاردتهما النازية، جامعاً بين ذلك وبين سوداوية فان غوخ واضطراب إدوارد مونك، ليصوغ لغة تشكيلية مشحونة بالتوتر والانفعال. وعلى المستوى الفكري، تأثر بكتابات أنتونين أرتو وسامويل بيكيت، حيث انعكست العبثية الوجودية لدى بيكيت في صور الإنسان المعزول والمحاصر داخل فضاءات خانقة في أعماله. هذا التراكم المرجعي دفعه إلى ابتكار خطاب بصري صادم للذائقة التقليدية، متجاوزاً الجماليات الهادئة لما بعد الحرب العالمية الثانية، ومؤكداً على الرغبة في “رسم العالم كما هو” لا كما يُراد له أن يبدو.
وبحكم علاقته القلقة بالصورة، ظلّ بازلتز يشك في قدرتها على نقل الحقيقة إذا ما قُدّمت ضمن نظامها البصري المألوف، وهو ما قاده إلى قراره الشهير عام 1969 بقلب اللوحة رأساً على عقب، في محاولة لكسر عادة التلقي البصري وإجبار العين على إعادة اكتشاف الرسم بوصفه فعلاً مستقلاً عن الموضوع، لا مجرد تمثيل له.
ارتبط اسم بازلتز بتيار التعبيرية الجديدة، الذي أعاد الاعتبار للجسد واللون في مواجهة هيمنة المفاهيمية والتجريد الفكري، غير أنه حافظ دائماً على مسافة نقدية من الانتماء المدرسي الصارم لأي تيار. فقد جاور أسماء بارزة في الفن الألماني المعاصر مثل أنسيلم كيفر، وسيغمار بولكه، وغيرهارد ريختر، دون أن يذوب في أي منها، كما اقترب من روح فرانسيس بيكون ولوسيان فرويد في تعرية الجسد الإنساني واستحضار هشاشته في لحظات الانكشاف.
تكوّنت لغته الفنية في منطقة تماس بين الفن الخام والدادائية والسريالية والتعبيرية الألمانية، مع اهتمام واضح بالفنون الإفريقية التقليدية وبأعمال وليم دي كونينغ، ما جعله يبحث باستمرار عن صورة غير مروّضة، تحتفظ بخشونتها الأولى بعيداً عن أي تهذيب جمالي مفرط. ومنذ معرضه الفردي الأول في برلين الغربية عام 1963، بدا واضحاً أنه يتجه نحو الصدام أكثر من المسايرة، خاصة بعد مصادرة بعض أعماله بدعوى مخالفتها للآداب العامة، في حدث شكّل بداية حضوره المثير للجدل.
كما انعكست سيرته الشخصية على مساره الفني؛ فقد طُرد من أكاديمية الفنون في برلين الشرقية عام 1956 بدعوى “عدم النضج الاجتماعي والسياسي”، قبل أن ينتقل إلى برلين الغربية ويتبنّى اسم جورج بازلتز نسبة إلى بلدته الأصلية، في خطوة حملت دلالة على إعادة تشكيل هويته الفنية والشخصية معاً.
أما في النحت، فقد اتخذ بازلتز من الخشب الصلب مثل البلوط والكستناء مادة أساسية، يعالجها بعنف مقصود مستخدماً المناشير والفؤوس، تاركاً التشققات والشظايا جزءاً من البنية الجمالية للعمل. ويتجلى ذلك بوضوح في عمله “نموذج لمنحوتة” الذي قدّمه في بينالي فينيسيا عام 1980، والذي أثار جدلاً واسعاً بسبب شكله الذي فُسّر بشكل خاطئ على أنه يحاكي التحية النازية، بينما كان في جوهره استحضاراً لروح التماثيل الإفريقية البدائية بهدف صدمة الوعي الجمالي الأوروبي.
وفي أعمال لاحقة مكرّسة لزوجته يوهانا إلكه كريتسشمار، مثل منحوتة “إلكه” (1993)، يظهر الجسد الأنثوي في صيغة خشبية ضخمة وخشنة، مطليّة بألوان باهتة، بعيداً عن أي مثالية شكلية، بينما تتجلى الفكرة نفسها في سلسلة “نساء دريسدن” (1989–1990)، التي أنجزها تكريماً لنساء المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تتحول الكتلة الخشبية إلى رمز للصمود القاسي أكثر من كونها تمثيلاً جمالياً للجسد.
وفي أحد معارضه الأخيرة بعنوان “اعتراف بخطاياي” (لندن، 2024)، عاد بازلتز إلى بابلو بيكاسو بوصفه مرجعاً مركزياً في تجربته، معيداً قراءة مقولة “الرسامون العظماء يسرقون” من زاوية اعترافية صريحة، إذ قدّم أعمالاً تستلهم مباشرة فترات بيكاسو المتأخرة، خصوصاً تلك التي وُصفت بالفوضوية، في محاولة لكشف العلاقة المعقدة بين التأثير الفني والاعتراف به، بين الاقتباس والصدام، وبين الذاكرة البصرية وإعادة إنتاجها.
طنجة الأدبية

