انطفأ صوت كان يوقظ الوجدان، وانقطع خيط خفي كان يصل الذاكرة بالقلب. رحل أحمد قعبور، لا كمجرد فنان، بل كحالة إنسانية ووطنية سكنت حنجرته لعقود، قبل أن تختار الرحيل بصمت بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وإنسانياً يصعب احتواؤه في كلمات.
في صباح حزين من آذار، أغلقت بيروت نافذتها على صوت طالما أيقظ الضمير، وغادر ابن الأحياء الشعبية الذي تشكل وعيه في بيت بسيط، حيث كانت الأم فاطمة تغرس في داخله قيمة العلم رغم أميتها، بينما كان والده محمود، عازف الكمان، يملأ المكان بأنغامه، ليكبر الطفل وسط مزيج من الحكايات والأنغام التي صنعت رؤيته الخاصة للعالم.
لم يكن صوت قعبور وليد الاستوديوهات أو صناعة النجومية، بل خرج من تفاصيل الحياة اليومية، من رائحة القهوة، ومن ضجيج الشوارع، ومن وجع الناس. اختار منذ بداياته أن يكون لسان حال المهمشين، فغنى للجرحى، للاجئين، للأمهات المنتظرات، وللأطفال الذين سرقت منهم الحرب أحلامهم.
وفي منتصف السبعينيات، وبالتعاون مع الشاعر توفيق زياد، وُلدت أغنية “أناديكم”، التي تحولت إلى ما يشبه النشيد الجمعي، بعد أن لامست وجدان جيل مثقل بالهزيمة، وسعت إلى تحويل الألم إلى أمل. بكلمات بسيطة وعميقة، تجاوزت الأغنية الحدود، لتصبح صوتاً لكل من يبحث عن الكرامة والحرية.
ارتبط اسم قعبور بالقضية الفلسطينية ارتباطاً وجدانياً عميقاً، تأثر فيه مبكراً بأدب غسان كنفاني، حتى إن الشاعر محمود درويش ظنه فلسطينياً من شدة صدق إحساسه، قبل أن يكتشف أنه لبناني الهوية، فلسطيني الروح. كانت زياراته لمخيمات اللاجئين، وخاصة صبرا، مصدر إلهام لأعماله التي حملت معاناة الإنسان دون شعارات مباشرة.
وخلف الراحل رصيداً فنياً يتجاوز مئة عمل، من بينها “علوا البيارق” و“يا نبض الضفة” و“خلينا مع بعض” و“بدي غني للناس”، إلى جانب مساهماته في المسرح والسينما، وألحانه الموجهة للأطفال التي تجاوزت ثلاثمئة عمل، فضلاً عن برامجه التلفزيونية التي جمعت بين البساطة والرسالة.
لم يكن قعبور فناناً تقليدياً، بل صاحب موقف، آمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون وسيلة للترفيه، وأن الفنان الحقيقي هو من يعيش هموم الناس ويعبر عنها بصدق. وحتى في أيامه الأخيرة، ظل متمسكاً بهذا المبدأ، حيث ظهر على المسرح رغم المرض، مترنحاً لكنه مصراً على الغناء، في مشهد لخص مسيرته بأكملها.
واليوم، تودع بيروت أحد أصواتها الصادقة، لكن حضوره لا يغيب. سيبقى في كل مرة تُردد فيها كلمات “أناديكم”، وفي كل قلب آمن بأن الفن يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة، وأن الصوت الصادق لا يخفت، حتى بعد الرحيل.
طنجة الأدبية

