كشفت أعمال التنقيب الأثري التي رافقت مشروع «قطار المايا» في جنوب المكسيك عن مجموعة من الأدلة اللافتة التي تلقي الضوء على بعض الطقوس الدينية والجنائزية التي مارستها حضارة المايا القديمة، بعدما عثر علماء الآثار على أشواك لأسماك داخل مواقع دفن قديمة بالقرب من نهر أوسوماسينتا بولاية تاباسكو.
وشملت المكتشفات ثلاث شظايا من أشواك سمك الراي اللاسع، إلى جانب شوكة واحدة لسمك السلور، وقد جرى العثور عليها خلال أعمال الإنقاذ الأثري التي سبقت إنشاء خط السكك الحديدية الرابط بين بالينكي وإسكارسيغا.
ويرى الباحثون أن هذه القطع قد تقدم مزيدًا من المعطيات حول طقوس إراقة الدماء التي ارتبطت لدى المايا بالممارسات الدينية والرمزية، ولا سيما بين أفراد النخبة. وأوضح المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ في المكسيك أن دراسة المواد الأثرية المكتشفة يمكن أن تستمر لسنوات، بما قد يكشف تفاصيل إضافية عن الحياة والمعتقدات في تلك الحقبة.
وتشير الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن طقوس التضحية بالنفس وإراقة الدماء كانت حاضرة في مجتمع المايا منذ نحو 500 عام قبل الميلاد واستمرت حتى القرن السادس عشر. وكان الرجال والنساء يستخدمون أشواك سمك الراي لجرح اللسان أو شحمة الأذن أو أطراف الأصابع، في ممارسات ذات طابع ديني تهدف، بحسب معتقداتهم، إلى التطهير وتقديم الدم قربانًا للعالم الروحي.
وقد وثقت بعض النقوش الحجرية والسجلات التاريخية هذه الطقوس، إذ كان الدم الناتج عنها يجمع في أوعية مصنوعة من لحاء الأشجار قبل تجفيفه وحرقه ضمن المراسم الدينية.
وأظهرت الفحوص الأولية أن إحدى أشواك سمك الراي المصقولة كانت مدفونة في الطبقة الترابية نفسها التي احتوت على رفات بشرية، بينما حملت شظايا أخرى آثار تآكل وكسور يُعتقد أنها نتجت عن تعرضها لضغط الرواسب على مدى فترة طويلة.
وتكتسب شوكة سمك السلور أهمية خاصة بسبب ندرة العثور على هذا النوع من الأدوات في السياقات المرتبطة بطقوس المايا. فقد اكتُشفت الشوكة إلى جانب رفات رجل بالغ، الأمر الذي دفع الباحثين إلى طرح احتمال ارتباطها بالمعتقدات المتعلقة بالعالم السفلي، المعروف في ثقافة المايا باسم «شيبالبا».
وأوضحت الباحثة ماريسول آرس أكوستا أن أشواك الراي المكتشفة تعود إلى أنواع بحرية، في حين ينتمي سمك السلور إلى بيئة المياه العذبة، وهو ما يعكس أهمية الأنهار في حياة مجتمعات المايا، سواء كمصدر للغذاء أو للحصول على مواد كانت تدخل في بعض الممارسات والطقوس.
ورغم أن الباحثين لم يحسموا بشكل نهائي ما إذا كانت شوكة السلور قد استخدمت بالفعل ضمن طقس ديني، فإن العثور عليها في سياق جنائزي إلى جانب رفات بشرية يعزز احتمال ارتباطها بممارسة رمزية، ويفتح المجال أمام مزيد من الدراسات لفهم طبيعة الطقوس والمعتقدات التي رافقت دفن الموتى لدى حضارة المايا.
طنجة الأدبية

