الرئيسيةأخباراللوفر يكشف حواراً فنياً بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية في معرض “تآلفات”

اللوفر يكشف حواراً فنياً بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية في معرض “تآلفات”

متحف اللوفر

يقدم متحف اللوفر في باريس رؤية مختلفة للفنون الإسلامية من خلال معرض “تآلفات”، الذي افتتح في 24 يونيو الماضي ويستمر حتى 31 ديسمبر 2026، إذ يتخلى عن الأسلوب التقليدي القائم على التسلسل الزمني لصالح مقاربة بصرية تركز على الروابط الجمالية والتقنية بين الأعمال الفنية، بما يمنح الزائر فرصة لاكتشاف أوجه التشابه والتفاعل بين القطع بعيداً عن القيود التاريخية المعتادة.

ويضم المعرض نحو خمسين عملاً فنياً تمتد تواريخها من القرن التاسع إلى القرن السابع عشر، وتمثل مناطق واسعة من العالم الإسلامي، من إيران إلى الأندلس. ولا تُعرض هذه القطع باعتبارها شواهد على مراحل زمنية متعاقبة، بل كنقاط التقاء تكشف عن مسارات معقدة من التبادل الثقافي والفني الذي تشكل عبر قرون طويلة، حيث تتقاطع عناصر مثل الضوء في الأعمال الزجاجية، والزخارف الهندسية، وتقنيات الترصيع والتطعيم، لتبرز لغة بصرية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية.

ويستفيد المعرض من توقف عرض مقتنيات قسم الفنون الإسلامية في اللوفر بسبب أعمال الصيانة والترميم، ليجمع بينها داخل فضاء واحد يتيح حواراً بصرياً بين قطع متباعدة زماناً ومكاناً. وتتنوع المعروضات بين الخزف والمعدن والكريستال والعاج والزجاج، في تجربة تعتمد على الملاحظة المباشرة أكثر من الشروحات النصية، بما يسمح للزائر بتكوين قراءته الخاصة للعلاقات التي تجمع هذه الأعمال.

ووفقاً لبيان المنظمين، فإن هذا التوجه يهدف إلى إبراز الروابط بين القطع الفنية دون فرض تفسير واحد عليها. ويرى القيّم على المعرض، فيليب مالغوير، أن قوة التجربة تكمن في العرض البصري ذاته، الذي يمنح الأعمال فرصة للتعبير عن نفسها عبر التجاور والعلاقات التي تنشأ بينها داخل قاعات العرض، بعيداً عن الخطاب الأكاديمي التقليدي.

ويضم المعرض مجموعة من القطع البارزة، من بينها إناء معدني على هيئة طاووس برأس متحرك يعود إلى القرن العاشر الميلادي، ويعكس مستوى متقدماً من الإبداع في توظيف الشكل الحيواني داخل العمل الزخرفي. كما تُعرض إلى جانبه كأس معدنية من مجموعة التحف الفنية الأوروبية، لتبرز أوجه التشابه في استخدام الزخارف النباتية بوصفها عنصراً فنياً مشتركاً بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية.

وتشمل المعروضات أيضاً نماذج من الزجاج الملون، وقطعاً خزفية بزخارف هندسية تؤكد حضور النمط المتكرر كلغة تشكيلية عابرة للثقافات، إلى جانب عناصر معمارية وزخرفية تكشف تقارباً في استخدام الخطوط والنسب والوحدات الزخرفية بين مدارس فنية مختلفة.

ومن بين أبرز القطع أيضاً إبريق من الكريستال الصخري يعود إلى العصر الفاطمي وصُنع في مصر خلال القرنين العاشر والحادي عشر، ويجسد مهارة استثنائية في نحت المواد الصلبة. كما يحضر طبق خزفي عباسي من العراق يعود إلى القرن التاسع، يتميز بتقنية البريق المعدني التي ابتكرها الحرفيون لمحاكاة لمعان المعادن النفيسة على سطح الخزف.

ويضم المعرض كذلك قطعة خزفية من مدينة كاشان الإيرانية تعود إلى القرن الثالث عشر، تتميز بزخارف متعددة الألوان تكشف تطور تقنيات التزجيج، إضافة إلى مصباح مسجد مملوكي من مصر أو سورية يرجع إلى القرن الرابع عشر، يبرز جماليات الزخرفة بالمينا والذهب ويعكس تداخلاً بين الوظيفة الدينية والإبداع الفني.

ولا تقتصر رسالة المعرض على إبراز التشابهات البصرية، بل تلمح أيضاً إلى العوامل التاريخية التي ساهمت في انتقال التقنيات والمواد والأفكار بين الحضارات، سواء عبر التجارة أو الحروب أو البعثات الدبلوماسية، دون أن تتحول هذه الخلفيات إلى محور رئيسي، إذ يظل العرض البصري هو الوسيلة الأساسية لفهم التجربة.

وتنسجم هذه الرؤية مع عدد من الدراسات التي تناولت الفن الإسلامي بوصفه نتاجاً لحركة مستمرة من التأثير والتفاعل بين الثقافات. فقد رأى الباحث الأمريكي أوليغ غرابر أن هذا الفن يعيد صياغة عناصر فنية سابقة ضمن رؤى جديدة، فيما يؤكد المفكر الإيراني سيد حسين نصر أن الفنون الإسلامية ترتبط بمنظومة فكرية وروحية تعكس تصوراً متكاملاً للعالم، ما يفسر قدرتها على التأثير في تجارب فنية متعددة خارج بيئتها الأصلية.

وبذلك يقدم معرض “تآلفات” قراءة بصرية جديدة لتاريخ الفنون، تتجاوز التقسيمات التقليدية بين الفنون الإسلامية والأوروبية، وتسلط الضوء على مساحات التفاعل والتقارب التي صنعتها قرون من التبادل الثقافي، مؤكداً أن التاريخ الفني أكثر تشابكاً وانفتاحاً مما توحي به التصنيفات المتعارف عليها.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *