فاتحة الكلام
كل الذين اختلفوا معي، او اختلفوا معنا نحن الاحتفاليين في الأسرة الاحتفالية، وصلو اليوم إلى الباب المسدود، وهذا هو مصير اي اختلاف وحشي غير عاقل وغير راشد وغير سوي، ولعل اسوا شيء، هو ان تجد نفسك تمشي في طريق الاختلاف، من غير ان تعرف ما معنى الاختلاف، ولا تعرف مع من نختلف، ولا تعرف من اجل ماذا تختلف، ولا تعرف إلى اين يمكن ان يودي بك طريق هذا الاختلاف، وهذا هو حال كل الذين خالفوا الاحتفالية، والذين جعلوا من هذا الاختلاف قضية حياة أو .. موت
وعندما اسألهم اليوم، بعد ان اتضحت الصورة قليلا، وبعد أن هدأت بعض النفوس الغاضبة قليلا، واقول لهم :
ــ وماذا بعد ذلك الخلاف؟ وإلى أين وصل قطار معاداة الاحتفالية والاحتفاليين؟
ولماذا لا اجد لديهم اي جواب، ناطق او مكتوب او حتى من غير كلام؟ لا شيء من غير الصمت الذي لا يقول شيئا، والصمت جواب المنهزمين وجواب العابثيين وجواب الفوضويين وجواب العدميبن وجواب الخائفين والهاربين من مواجهة نور الحق ونور اليقين
إن كل الذين خاصمونا بالأمس قد ادركوا اليوم، إلا قلة قليلة منهم، والتي مازالت تسبح في الظلام، بان خصومتهم كانت بلا معنى، وانها كانت ضد المعنى، وانها كانت انقلابا على المعنى
وانا الذي اقترحت في المسرح اقتراحا فقط، والذي ساهمت في الحوار المسرحي، المغربي والعربي، برأي فقط، ما قلت يوما بانني اعرف كل شي، ولا قلت بان هذه الاحتفالية هي كل شيء، ولا بانها هي وحدها التجربة والتجربة وان ما سواها خراب وتخريب، وعندما سألني ألسائلون عن حدود معرفتي وعن حدود فهمي قلت لهم:
ــ هي حدود ضيقة جدا جدا جدا، وقد تتسع في مستقبل الأيام والأعوام وتصبح اكبر، وذلك بمساهماتكم وبملاحظاتكم وبإضافاتكم وبافكاركم، و يشهد الله اني انتظرتهها، ولحد هذا اليوم مازلت انتظرها، ومن يدري .. فقد تاتي غدا .. او بعد غد، مع المستر غودو، وقد لا تاتي إلا .. يوم القيامة ..
اما عندما سالوني عن حدود جهلي فقد قلت لهم (هو جهل ليس له حدود) ولقد عشت كل حياتي في حرب مع أميتي ومع جهلي ومع سوء معرفتي وفهمي
وانني انا الباحث عن المعرفة، لا افتخر ب (علمي) القليل، ولا يخجلني ابدا جهلي الكبير، لأنني أعرف أنني مازلت في مدرسة الحياة الابتدائية، اطلب العلم، وأحارب الجهل والحاهلين واحارب عصر.الجاهلية الجديد
وانا فعلا اعشق الحقيقة، وانا مؤمن بانه لا وجود لحقيقة واحدة يمكن ان يكون لها وجود في جهة واحدة، وان تخلو منها كل الجهات الأخرى، ورغم انني اومن بانه (بضدها تعرف بعض الأشياء) فإنني لا اقول بان ضد الحقيقة هو الخطا او هو الكذب او هو الزيف. وفي كثير من الحالات قد يكون ضد حقيقتي هي حقيقة أخرى مختلفة، واقول بان حقيقتي لا يمكن ان تكتمل الا بالحقائق الأخرى، والتي يمكن ان يكون لها وجود في الذوات الأخرى، ولدى الجماعات الأخرى، وفي المجتمعات الأخرى، وفي الثقافات الأخرى، وفي اللغات الأخرى
وتلك الحقيقة الأخرى، كيف يمكن ان ننطقها؟ وبأية لغة من اللغات يمكن ان نعبر عنها؟ وباية ابجدية يمكن ان نكتبها؟ وهل يمكن ان يختلف معي الآخرون وان يقولوا لي مثلا:
ــ نحن نختلف معك لأن حقيقتك ليست حقيقية..
ــ وماذا غير هذا؟
ــ ولأن جمالك غير جميل..
ــ طيب ..وماذا ايضا؟
ــ ولأن كمالك غير كامل
ــ نعم؟
ــ ولأن نبلك الأخلاقي غير نبيل ..
وانا السائر في طريق المعرفة اقول داىما، هناك معارف كبيرة يهمني ان اعرفها، وهناك معارف اخرى كثيرة لا اعرفها، ولا يهمني ان اعرفها، وقد تكون مخصصة لغيري وانا لا ادري، وانا في كل مسار حياتي لا اخذ من بنك المعارف والقيم والمعاني إلا ما يليق بي، وما يليق بفلسفتي العيدية والاحتفالية، وكل الباقي لا يهمني ولا يعنيني..
تجربة اكبر تساوي معرفة اكبر
ومعرفة كل شيء، في حياتي وفي حياة افكاري وفي حياة مسرحي، يقتضي ان اعيش اكثر من تجربة واحدة، في اكثر من حياة واحدة، وانا مجرد شخص واحد، له حياة واحدة، وله مسار وجودي واحد، وله عمر واحد، وهل يمكن ان اعرف كل المعارف الأخرى، في التجارب الإنسانية الأخرى، إلا من خلال قراءة كتب الآخرين، ومن خلال الاطلاع على تجارب الآخرين، ومن خلال محاورة المفكرين والمبدعين الآخرين؟
ويعرف الجميع بأن كل الجديد الذي اتت به هذه الاحتفالية، هو انها قد قالت نفس الحقيقة القديمة، وذلك بخصوص إنسانية الإنسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة، وبخصوص فعل التعبير الحر، لدى الانسان الحر، في المجتمع الانساني والمدني الحر، وكل الجديد الذي اتى به الاحتفاليون الجدد، هو انهم قاربوا فعل الاحتفال، فكريا وجماليا واخلاقيا، وأنهم عاشوا العيد والتعييد في ضوء الراهن الآن هنا، و انهم فكروا فيهما بمنطق العصر، وانهم كتبوا عنهما بلغة اخرى جديدة وبطريقة اخرى صادقة وحية، وعليه، فقد امكن لنا ان نقول ما يلي، بان كل ما فعله الاحتفالي، وعلى امتداد عقود طويلة جدا، هو إصراره على ان يبحث عن الحقيقة الأخرى، وذلك في الثقافات الأخرى، وفي الأزمان التاريخية الأخرى, وان يقول هذه الحقيقة، وان يكتبها بطريقة أخرى، وان تكون مقنعة فكريا، وان تكون ممتعة جماليا
هناك اشياء كثيرة فهمتها وعرفتها، من غير ان اعيشها، وهناك اشياء اخرى عشتها ومازلت لم افهمها، ولهذا فإنني مازلت اسأل، وما زلت اتساءل، وما زلت ابحث، وما زلت اكتب، وما زلت اجرب، ومازلت اسافر، ومازلت اشاغب، ومازلت احلم
وفعلا، نحن لا نعرف كل ما ينبغي ان نعرف، عن حياتنا في الاحتفالية، وعن الاحتفالية في حياتنا، وفي مقابل هذا فإننا نعرف شيئا واحدا، ولهذا فإننا نقول، رغم جهلنا فنحن نعرف اننا لا نعرف، وانه يحزننا كثيرا اننا لا نعرف ما ينبغي ان نعرف، وإنني اقول اليوم، تماما كما قلت بالأمس، نحن في هذه الاحتفالية لم يكن وجودنا مجرد عبور في الزمان، بل كان حياة وحيوية، وكان نضالا، وكان مقاومة، وكان صراعا من اجل الوجود، وكان معاناة، وكان خوفا، وكان قلقا، وكان مقاومة ضد القبح وضد كل قوى النفي، وكان تجربة، وكان رفضا، وكا شكا، وكان بناء، وكان هدما، وكان اسرارا، وكان طرقا لكل الأبواب المغلقة
وفي مجال مسرح، مغربي وعربي، مرضه الأكبر والأخطر، هو الفئوية وهو الشللية وهو الشعوبية، وهو العنصرية، يكون من الضروري ان تتساءل، هل يستوي الذين اغلقلت في وجوههم كل الأبواب بالذين فتحت أمامهم كل الأبواب؟
وهل يستوي الذين لهم وجود مريح داخل هذا المسرح، مع الذين عاشوا وماتوا في العراء وفي الخلاء ؟
وهل يستوى الذين منعوا من كل المنابر الإعلامية ولكنهم اوصلوا صوتهم إلى كل العالم بالذين اعطوا كل شيء، من اجل ان يقولوا مجرد كلمة، ولكنهم لم يقولوا اي شيء؟
وهل يستوي الذين يطرحون الأسئلة الوجودية الكبرى بالذين يطرحون الأسئلة ىالصغرى، او بالذين يطرحون اللااسىئلة؟
واعترف، بأننا في هذه الاحتفالية لم نقل كل شيء، وبأنه لا يمكن ان نقول مستقبلا كل شيء، وان كثيرا من أسئلتنا الفلسفية مازالت بلا أجوبة، ونحن نؤمن بوجود اسىئلة كثيرة اخرى، اكبر وأخطر، لم نطرحها بعد
وفي ذلك الزمان التاسيسي من عمر الاحتفالية، خصوصا في السبعينات من القرن الماضي، لم نكن نحس بالزمان كما نحسه الآن، وكانت الساعات تمر سريعة، من غير ان ننتبه لها، وكنا نتصرف فيها وكأنها ملوك الزمان، وكاننا كنا اسياد العصر و الأوان، ومع ذلك فقد عشنا كل الساعات بما كان ينبغي ان يكون، وكل لحظات اعمارنا وهبناها لهذا الفن الجميل والنبيل الذي يسمى المسرح
احتفاليات الحياة لكل الجهات
وبخصوص هذه الاحتفالية، بين ان تكون مغربية او تكون عربية، يسالني الكاتب العراقي ذ. عبد الرزاق الربيعي في كتابه (عبد الكريم برشيد الحكواتي الأخير ) السؤال التالي:
(كيف حققت الاحتفالية حضورها في الأوساط العربية، رغم أنها ذات صبغة مغربية واضحة؟)
وفي المنطق المشرقي، فإن كل ما هو مشرقي يمكن ان يكون عربيا، في ان كل ما هو مغربي لا يمكن ان يكون إلا مغربيا
ومتى كانت العبقرية الفكرية والجمالية تخضع للحدود الادارية؟
وهل كان من الممكن ان يكون الإبداع الاحتفالي بلا لون وبلا شكل وبلا حجم وبلا وزن وبلا ظل حتى يمكن ان يسافر شرقا و غربا؟
ونحن لم نبحث عن احتفالية إقليمية او جهوية، ولكننا بحثنا عن احتفالية إنسانية وكونية، احتفالية عابرة للقارات وعابرة للثقافات، وعابرة للغات، وعابرة للحساسيات الضيقة وعابرة للحسابات الفئوية، الصغيرة والضيقة، وفي الجواب السابق يقول الاحتفالي ما يلي:
(الاحتفالية ليست مغربية، إلا من حيث البيانات التي صدرت من المغرب، والتي التقطها مسرحيون لهم انتماء إلى هذا الفضاء العربي الكبير، ولكن الثقافة التي انطلقت منها هذه الاحتفالية، هي ثقافة عربية عامة ومشتركة، والوجدان الجماعي الذي أملاها، هو وجدان عربي أيضا، والذي له وجود سابق في كل النثر العربي، وفي كل الشعر العربي، ابتداء من الجاهلية إلى الآن وإلى ما بعد الآن، كما أن الإرث الحضاري الذي أبدعها، هو بالتأكيد إرث عربي وإنساني وكوني مشترك، ولذلك فقد قرأها المسرحيون في كل العالم العربي، وتفاعلوا مع كتاباتها، و سجلوا اختلافاتهم معها، وكل ذلك لأن هذه الحركة ليست فعلا عابرا، يمكن أن يمر من غير أن يحرك السواكن، ومن غير أن يلفت الانتباه إليه، ولهذا فقد قلت دائما بأن الأصل في هذه الاحتفالية، هو أنها احتفاليات متعددة، وأنها ـ في الظاهر مختلفة، ولكنها في الجوهر مؤتلفة ومتكاملة، كما أكدت دائما على أن أساس كل هذه الاحتفاليات العربية، هو اساس وجداني وفكري وجمالي وأخلاقي واحد، ولقد أشرت دائما إلى أن التأكيد على هذا الوجدان الجماعي يعطي الصدق والمصداقية في التعبير، ولكي يكون هذا المبدع الاحتفالي صادقا، مع نفسه ومع الناس، عليه أن يستفتي قلبه، وأن يحدث الناس بما يفهمون، وان يكون مجددا في الرؤية والرؤيا، وأن يعطي الأشياء حقيقتها، وأن يعيد للعين إحساسها بالاندهاش، وأن يعيد للأشياء غرابتها التي سلبتها العادة، وضيعها الروتين اليومي، حتى أصبح الإنسان في هذا الواقع الساكن والراكد يعيش يومه بشكل آلي وبانفعال ميكانيكي، وأن يكون يومه يوما واحدا بدون حياة وبدون حيوية وبدون أسئلة وبدون إعجاب وبدون اندهاش، وبدون إحساس بشعرية المشاهد والصور الحية
لا وجود لاحتفال يتكرر مرتين
ولأن.الفعل.التاسبسي الاحتفالي قد تكرر في كثير من التجارب المغربية والعربية، من غير ان يعطي نفس النتائج، فقد عاد الأستاذ عبد الرزاق، وفي نفس الكتاب، ليسألني التالي:
(ولكن التجارب التي حاولت الاستفادة من تنظيرات المسرح الاحتفالية، فشلت ولم تستمر؟)
واعترف، بان الاحتفالي عندما دخل مغامرة التاسيس والتنظير والتحديث لم يطرح فرضية النجاح او الفشل، وما كان يهمه هو ان يقترح، وان يكون في المسرح قوة اقتراحية، ولم يكن بعرف بان طريق هذه الاحتفالية سيمتد به خمسين سنة، وكان كل تفكيره منصبا على تلك اللحظة التاريخية الحية، والتي عاشها بصدق، و.تفاعل مع مغطياتها بصدق
نعم، هناك تجارب مسرحية كثيرة سلكت نفس المسالك التي سلكتها الاحتفالية، ولكنها تاهت في الطريق، رغم انها مارستةفعل التنظير، او ما تخيلت انه تنظير، واعطت اسماء، واقترحت اقتراحات، واصدرت بيانات، وما لم يعرفه كل الذين حاولوا تكرار التجربة الاحتفالية، هو ان هذه الاحتفالية ليست مجرد مسرح فقط، وليست مجرد كتابة مسرحية، وليست مجرد بنيات وتقتيات مسرحية، ولكنها فلسفة حياة قبل كل شيء، ومن الممكن ان لا تنجح كثير من المسرحيات، ولكن الحياة، هل يمكن ان تنجح او لا تنجح؟
و(الأساس في الاحتفالية هو أنها فعل تجريبي، والمعروف ـ والمتعارف عليه دائما ـ هو أنه في أغلب حالات التجريب التجريب، تحضر إمكانية النجاح، تماما كما تحضر إمكانيات الفشل، وهو في الأصل مخاطرة علمية فنية، وتاريخ الاكتشافات العلمية والفكرية في العالم مؤثثة بكثير من محطات الفشل، وتاريخ الاحتفالية لا يشذ عن هذه القاعدة، ولكن هذا الفشل في مساره، يظل هو الاستثناء، وليس هو القاعدة، وما ينطبق على بعض النقاد، والذين قرأوا الاحتفالية قراءة خاطئة، قد ينطبق أيضا عل بعض المخرجين المسرحيين، والذين فهموا أن الاحتفالية طبل وزمر وضجيج وألوان صارخة وشموع وأضواء وضحك ولعب، وفاتهم أن يفهموا أن الاحتفالية هي أساسا فكر وعلم ورؤية ومواقف إنسانية قبل كل شيء)
وهذه الاحتفالية، جغرافيا، تقع عند ملتقى الطريق التي تؤدي إلى الإنسان، وتؤدي إلى الإنسانية في كل زمان ومكان، و حيثما يكون الإنسان يكون الاحتفال، و حيثما يوجد الفرح الإنساني يوجد العيد، ويوجد فعل التعييد، وفكريا فإن هذه الاحتفالية رؤية و رؤيا، فهي ما نراه ونحباه، في اليقظة والمنام، وفي الواقع والاحلام، وفي هذه الرؤية ـ الرؤيا يحضر الإنسان الإنسان، وتحضر المدنية في المدينة، ومعها يغيب الوحش، ويغيب الغاب، و تغيب شريعة الغاب
وهذه الاحتفالية هي كتابة وقراءة، هي كتابة ما لم يكتب، وهي قراءة كل ما كتب قراءة عيدية واحتفالية، وهذه الاحتفالية هي مجموعه افكارها وهي مجموع كتاباتها وهي مجموع ابداعاتها، بالإضافة إلى أنها مجموع مواقفها، والتي كانت مواقف صارمة وقوية، وكانت قوتها قوة رمزية ناعمة، وكل مواقف هذه الاحتفالية هي أساسا مواقف مبدئية، وهي مبنية أساسا على فلسفتها، وكل فلسفتها هي جزء من وعيها ومن رؤيتها ومن تجربتها الوجودية، وهي تبدأ من درجة الكائن دائما، وذلك بحثا عن درجة الممكن والمحال، وهي في قراءاتها تفلسف كل شيء، وتراجع كل شيء، وتشكك في كل شيء، وتعيد صياغة وبناء كل شيء، وهي ـ أيضا ـ فكرة ومنظومة أفكار، وهي قناعة واختيار، وهي أسئلة ومسائل، وهي ثوابت ومغيرات، وهي حرية وتحرر، و هي تأسيس وتجديد في نفس الآن، وهي بدء وامتداد، وهي نشوء وارتقاء، وهي نظر وتنظير، وهي تفاعل وتفكير.


