في كل مرة يحقق فيها المنتخب الوطني إنجازًا جديدًا، يفرح المغاربة لأن راية الوطن ارتفعت، ولأن اسم المغرب دوّى في المحافل الدولية. غير أن قيمة هذه اللحظات لا تكمن في الانتصار الرياضي وحده، بل في الأسئلة التي ينبغي أن توقظها فينا. فحين يثبت المغرب أنه قادر على إنجاب أبطال في كرة القدم، يصبح السؤال الحقيقي: هل يتعلق الأمر بخصوصية هذه الرياضة، أم أن الأمر يكشف عن حقيقة أعمق، وهي أن هذه الأرض ولّادة للمواهب في كل الميادين؟ إذا كان المغرب قد أنجب لاعبًا يرفع رايته في الملاعب، ما الذي يمنع أن ينجب باحثًا يرفعها في المختبرات، ومهندسًا يرفعها في ميادين الابتكار، وطبيبًا يرفعها في ساحات الاكتشاف العلمي، وأستاذًا يرفعها في المدرسة، وقاضيًا يرفعها في محراب العدالة، وفنانًا يرفعها في فضاءات الإبداع؟ …
ربما آن الأوان أن نتوقف عن النظر إلى كرة القدم باعتبارها استثناءً، وأن ننظر إليها باعتبارها دليلًا. دليلًا على أن المشكلة لم تكن يومًا في الإنسان المغربي، وإنما في قدرتنا على اكتشاف طاقاته، وصناعة المسارات التي تمكنه من بلوغ المكان الذي يستحقه. لأن المنتخب الوطني لم يصنع الموهبة المغربية، بل اكتشفها، وآمن بها، ورافقها، ووضعها في البيئة التي سمحت لها بأن تزهر. وهنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز الرياضة:
كم موهبة ما تزال تنتظر من يكتشفها في قرية نائية ، أو في حي شعبي ، أو في مدرسة عمومية؟ …
كم طفل يحمل مشروع عالم، أو طبيب، أو مخترع، أو كاتب، أو قائد إداري، لكن أحدًا لم يلتفت إلى البذرة التي يحملها؟
وكم شابًا غادر وطنه لأنه لم يفقد موهبته، بل فقد ثقته في أن يجد لها مكانًا داخل وطنه؟…
حين نسمع عن قوارب الهجرة، لا ينبغي أن نرى فيها أرقامًا فقط، بل ينبغي أن نسأل: ماذا خسر الوطن أيضًا؟ …
ربما خسر طبيبًا كان سيعالج أبناءه، أو مهندسًا كان سيبني مؤسساته، أو باحثًا كان سيضيف اسم المغرب إلى سجل الاكتشافات، أو معلمًا كان سيصنع أجيالًا، أو لاعبًا كان سيمنح المغاربة فرحة أخرى. وليس أخطر ما تخسره الأوطان أن يغادرها أبناؤها، بل أن يغادروها وهم مقتنعون أن مواهبهم لن تجد فرصة عادلة لتكبر فوق أرضها…
لقد نجح المغرب في استقطاب عدد من أبنائه الذين ولدوا خارج الوطن، فاختاروا الدفاع عن ألوانه ورفع رايته، وهو نجاح وطني يستحق التقدير. غير أن النجاح الأكبر يظل في أن يصبح كل طفل يولد داخل هذا الوطن واثقًا أن مستقبله يمكن أن يبدأ من هنا، وأن الوطن لن يكتشف قيمته بعد أن يحتضنه غيره. !!! والمثل يقول ليس كل مرة تسلم الجرة ..بمعنى قد يفقد الوطن ابناءه سواء بقوارب الموت أو بالولاء لمن احتضنهم وآمن بمواهبهم .
إن التجربة الرياضية تقدم لنا درسًا بالغ الأهمية. فالنجاح لم يكن وليد الصدفة، ولم تصنعه الموهبة وحدها، بل صنعته الرؤية، والتخطيط، والاستثمار، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية . والرؤية السديدة لن تتجاوز ملك البلاد إلى غيره إلا في ترجمتها كمواطن على محيط مسؤوليته … لان قائد الوطن الأكبر مافتئ يوجه تعليماته للاستثمار في الثروة البشرية وليست اختراعا لصيقا بفرد :إذن هذه الرؤية لا ترتبط بشخصية سياسية دون غيرها حتى تتجه الاهتمامات إلى اعتبارها منقذا للوطن . ليس هناك ما يمنع من أن تصبح هذه الفلسفة قاعدة في كل القطاعات؟ يكفي أن ننظفها من الفساد ، والذي لا سبيل إليه سوى ربط المسؤولية بالمحاسبة !!!
ساعتها تجد الكفاءات الحقيقية طريقها للقيادة ،وما أكثرها بوطننا ،لان بلادنا ليست عاقر حتى من حيث الشخصيات القيادية التي ستسمح بأن يكون لكل طفل فرصة عادلة ليكتشف المجال الذي يستطيع أن يكون فيه بطلًا. أن تصبح المدرسة أكاديمية لاكتشاف العقول، كما أصبحت الأكاديمية الرياضية مصنعًا للمواهب. أن تتحول الجامعة إلى فضاء يصنع الباحثين، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات. أن تصبح الإدارة مدرسة للكفاءة، لا محطة للانتظار. وأن يشعر المواطن أن الطريق إلى المسؤولية يمر عبر الجدارة والعمل، لا عبر أي اعتبارات ولاء ومحاباة .
ولعل هنا تتجلى قيمة أحد أهم المبادئ التي لا تقوم الدولة الحديثة إلا به: ربط المسؤولية بالمحاسبة. ليس لأن المحاسبة تبحث عن العقاب، بل لأنها تحمي الثقة، وتفتح الطريق أمام الكفاءات، وتجعل كل مسؤول يدرك أن المنصب ليس امتيازًا، بل أمانة. فحين تكون المحاسبة حاضرة، لا تنتصر العدالة وحدها، بل تنتصر الكفاءة أيضًا، لأن المجتمع يصبح أكثر قدرة على أن يقدم أفضل أبنائه إلى مواقع المسؤولية، وأن يفسح المجال للأفكار الجديدة، وأن يترجم الطاقات إلى إنجازات.هذا هو المنقذ الحقيقي للوطن !!!
إن الدول لا تنهض لأنها أنجبت العباقرة، بل لأنها أحسنت اكتشافهم، وأوجدت المؤسسات التي ترعاهم، ووفرت لهم بيئة تجعل النجاح نتيجة طبيعية للعمل والاجتهاد. وقد أثبت المغرب، في أكثر من مناسبة، أنه لا يفتقر إلى الإنسان القادر على الإنجاز. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا: هل سنكتفي بالاحتفاء بالأبطال بعد أن يصنعوا المجد، أم سنبني منظومة وطنية تجعل من اكتشاف الأبطال في كل الميادين مشروعًا دائمًا؟ إن الوطن لا يزدهر حين ترتفع رايته في الملاعب فقط، بل حين ترتفع في الجامعات، وفي مراكز البحث، وفي المحاكم، وفي المستشفيات، وفي المصانع، وفي المسارح، وفي كل مكان يصنع الإنسان المغربي قيمةً تليق بتاريخه، وتترجم طموح وطن يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه. لأن الأوطان العظيمة لا تصنعها الصدف، ولا يصنعها بطل واحد، وإنما تصنعها منظومة تعرف كيف ترى الموهبة قبل أن يراها اليأس، وكيف تمنحها فرصة أن تنجح فوق أرضها، لا بعيدًا عنها.
الدكتورة نزهة الماموني


