يشهد أدب الخيال العلمي في المغرب حضورًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، مع توجه عدد من الروائيين إلى استثمار التحولات العلمية والتكنولوجية الكبرى في بناء عوالم سردية تستشرف المستقبل وتطرح أسئلة الإنسان المعاصر. وفي هذا السياق تندرج رواية “شظايا ذاكرة مبرمجة” للكاتب المغربي جواد العوالي، الصادرة سنة 2025 عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث، في طبعتها الأولى، في 238 صفحة من القطع المتوسط.
وتنتمي الرواية، بحسب القراءات التي تناولتها، إلى أدب الخيال العلمي، حيث تجعل من الذاكرة البشرية محورًا لأحداثها، وتنسج عالماً روائياً يقوم على فرضية علمية متخيلة تتمثل في إمكانية إعادة برمجة ذاكرة الإنسان، واستبدالها بذكريات أخرى بهدف التحكم في الأفراد وتوجيه سلوكهم.
الذاكرة في قلب الحكاية
تدور الأحداث حول شخصية أنيس، الذي يكتشف أنه خضع لعملية معقدة استهدفت ذاكرته داخل مركز أبحاث يعمل في إطار مشروع سري. وتقوم هذه العملية، وفق التصور الذي تبنيه الرواية، على انتزاع أجزاء من ذاكرة الشخص واستبدالها بذكريات جديدة، دون أن يدرك ذلك بصورة مباشرة، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل هويته وإخضاعه لإرادة الجهة التي تقف وراء المشروع.
ومع تطور الأحداث، يتبين لأنيس أنه ليس الشخص الوحيد الذي تعرض لهذه التجارب، بل إن هناك عدداً من الأشخاص أصبحوا جزءاً من برنامج واسع النطاق يهدف إلى إعادة تشكيل وعي البشر من خلال التحكم في ذاكرتهم وخلاياهم العصبية.
شخصيات تتحرك داخل مشروع غامض
إلى جانب أنيس، تحضر شخصيتا أسيل وذو العين الزجاجية باعتبارهما من الشخصيات الرئيسة التي ترافقه في رحلة البحث عن الحقيقة. وتشير القراءات المنشورة إلى أن الثلاثة يشكلون فريقاً يواجه المشروع الذي تقوده مراكز أبحاث متطورة، في محاولة لكشف تفاصيله وإيقافه.
وتتوسع دائرة الشخصيات مع تقدم السرد، حيث تظهر أسماء جديدة ترتبط بالمشروع السري، سواء من العلماء المشرفين عليه أو من الشخصيات التي تجد نفسها منخرطة في الصراع بين الطرفين. كما تكشف الأحداث عن معطيات جديدة تتعلق بعلاقة أنيس بالمشروع، من بينها اكتشافه أن والده كان من المسؤولين عنه، وأنه كان طرفاً في إدخاله إلى التجربة، وهو ما يضيف بعداً إنسانياً إلى مجريات الأحداث.
مراكز أبحاث تتجاوز الحدود
وفق ما تعرضه الرواية، فإن المشروع لا يقتصر على مختبر واحد، بل يمتد عبر شبكة من المراكز البحثية والمنشآت السرية التي تعمل في مواقع مختلفة، بعضها يوجد في البر، وأخرى في البحر.
وتنتقل الشخصيات بين هذه المواقع في سياق سعيها إلى الوصول إلى الجهة التي تدير المشروع، قبل أن تتكشف، مع تقدم السرد، معطيات تشير إلى ارتباطه بقوى دولية تسعى إلى توظيف التكنولوجيا من أجل بسط النفوذ وإعادة تشكيل المجتمعات بما يخدم مصالحها.
وتشير القراءات إلى أن المواجهة لا تقتصر على الصراع المباشر، بل تشمل كذلك عمليات مطاردة وملاحقة، ومحاولات متكررة لاستعادة السيطرة على أنيس وإكمال التجارب التي خضع لها.
التكنولوجيا والهوية الإنسانية
تتمحور الرواية حول فكرة رئيسية تتمثل في العلاقة بين التكنولوجيا والهوية الإنسانية، من خلال افتراض إمكانية التحكم في الذاكرة باعتبارها أحد أهم مكونات الشخصية.
ويظهر هذا التصور عبر مشروع علمي متخيل يعتمد على تعديل الذاكرة والخلايا العصبية، بما يسمح بإعادة تشكيل طريقة التفكير وصناعة هويات جديدة للأفراد، وهو ما يجعل الذاكرة تتحول داخل الرواية من عنصر شخصي إلى مجال للتجريب والسيطرة.
وتطرح هذه الفرضية مجموعة من الأسئلة المرتبطة بحدود التطور العلمي، ودور التكنولوجيا في حياة الإنسان، وإمكانية توظيفها في اتجاهات تتجاوز الأهداف العلمية إلى التحكم في المجتمعات.
بين الخيال العلمي والواقع الرقمي
رغم أن الرواية تنتمي إلى الخيال العلمي، فإن عدداً من القراءات التي تناولتها ربطت بين عالمها الروائي وبين التحولات الرقمية التي يعرفها العالم اليوم.
وتذهب هذه القراءات إلى أن الحديث عن إعادة برمجة الذاكرة داخل الرواية يمكن أن يفتح باب النقاش حول التأثير المتزايد للتكنولوجيا الحديثة في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، سواء عبر المنصات الرقمية أو وسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات الذكية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص.
كما تشير إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع يطرح بدوره أسئلة متصلة بحرية الإنسان، واستقلالية قراراته، ومدى تأثير الأدوات الرقمية في أنماط التفكير والسلوك.
صراع بين الإنسان والقوى المسيطرة
تعرض الرواية صراعاً بين الشخصيات الرئيسة والمشروع الذي يقف وراء عمليات إعادة برمجة الذاكرة، حيث تتواصل المواجهات بين الطرفين عبر مراحل متعددة، تتخللها عمليات كشف للأسرار، وتدمير لبعض المراكز البحثية، وظهور شخصيات جديدة تنخرط في مسار الأحداث.
كما تشير القراءات إلى أن بعض العلماء المشاركين في المشروع يقررون في مرحلة لاحقة مساعدة الشخصيات الرئيسة، بما يساهم في الوصول إلى نهاية تتوقف فيها التجارب ويتم إنهاء المشروع وإيقاف المسؤولين عنه.
أسئلة تثيرها الرواية
ومن خلال الحبكة التي تقدمها، تثير الرواية عدداً من الأسئلة الفكرية التي تتجاوز الإطار السردي، من بينها:
- هل يمكن أن تصبح الذاكرة مجالاً للتلاعب العلمي؟
- إلى أي مدى يمكن أن تؤثر التكنولوجيا في تشكيل هوية الإنسان؟
- ما الحدود الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم الأبحاث العلمية؟
- كيف يمكن التوفيق بين التطور العلمي وحماية حرية الإنسان؟
وتبقى هذه الأسئلة جزءاً من الفضاء الذي تتحرك فيه الرواية، بما ينسجم مع طبيعة أدب الخيال العلمي الذي يعتمد على فرضيات مستقبلية لإثارة النقاش حول قضايا الحاضر والمستقبل.
حضور البعد الإنساني
إلى جانب عناصر التشويق والمغامرة، تشير القراءات المنشورة إلى حضور البعد الإنساني داخل الرواية، من خلال التركيز على البحث عن الهوية، واستعادة الذاكرة، ومقاومة محاولات إخضاع الإنسان لإرادة خارجية.
كما تتناول العلاقة بين الفرد والمؤسسات التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا، وتطرح تصوراً يقوم على الصراع بين حرية الإنسان من جهة، وإمكانات السيطرة التي قد تتيحها التطورات العلمية من جهة أخرى.
الخيال العلمي في المشهد الروائي المغربي
تعكس رواية “شظايا ذاكرة مبرمجة” توجهًا نحو توظيف موضوعات الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والتكنولوجيا المتقدمة داخل السرد الروائي المغربي، وهو اتجاه يشهد حضورًا متزايدًا في الأدب العالمي، مع تصاعد النقاش حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.
وتكشف المعطيات المتداولة حول الرواية أنها تبني عالمها السردي على فكرة التحكم في الذاكرة باعتبارها مدخلاً لإعادة تشكيل الإنسان، وهو ما يجعلها تندرج ضمن الأعمال التي تستثمر فرضيات الخيال العلمي لطرح أسئلة تتصل بالهوية والحرية ومستقبل المعرفة.
وبذلك تقدم الرواية، وفق ما أوردته القراءات المنشورة، تصوراً سردياً يقوم على مزج عناصر المغامرة والتشويق بقضايا ترتبط بالتطور العلمي وإمكاناته، مع جعل الذاكرة محوراً رئيساً للأحداث، في إطار حبكة تتدرج من اكتشاف الشخصية الرئيسة لحقيقة ما تعرضت له، وصولاً إلى الكشف عن المشروع الذي يقف خلف تلك التجارب، وما يرتبط به من رهانات تتجاوز الأفراد إلى مستقبل البشرية.
طنجة الأدبية

