شهدت الساحة التشكيلية في سوريا خلال سنوات الثورة والحرب تراجعاً كبيراً أثّر بشكل مباشر على حفظ الإرث الفني، بعدما تعرضت أعمال ووثائق مهمة للإهمال والضياع، ووصل الأمر إلى نهب مقتنيات تعود لعدد من أبرز الفنانين السوريين. وفي إطار مساعيها لإحياء هذا الموروث، أعلنت وزارة الثقافة السورية عن إطلاق مشروع لإعادة تأهيل مرسم الفنان التشكيلي الراحل فاتح المدرس، تزامناً مع ذكرى رحيله، ليكون باكورة مشروع يحمل اسم “ترميم الذاكرة التشكيلية السورية”، الذي يُنفذ بالشراكة مع مؤسسة دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية، ويهدف إلى حماية الإرث التشكيلي السوري وصون المراسم والأعمال الفنية والأرشيفات التي تمثل جزءاً من الهوية الثقافية للبلاد.
وأوضح رئيس مجلس أمناء المؤسسة، الكاتب والروائي إبراهيم الجبين، أن المبادرة انطلقت من فكرة إعادة إحياء المرسم الكائن في ساحة النجمة بحي الشعلان في دمشق، وتحويله إلى فضاء ثقافي وفني يستضيف المعارض وورش العمل والندوات، بما يتيح للأجيال الجديدة من الفنانين فرصة التواصل مع تجربة الرواد الذين أسهموا في تأسيس الحركة التشكيلية السورية. وأضاف أن المشروع يعكس نموذجاً للتعاون بين المؤسسات الرسمية والجهات الثقافية المستقلة، بهدف إنقاذ المراسم التي تعرضت للإهمال والتدهور خلال السنوات الماضية.
ووفقاً للخطة الموضوعة، ستشمل أعمال التأهيل ترميم المبنى مع الحفاظ على طابعه المعماري الأصلي، إلى جانب صيانة محتوياته الفنية وتأمين استدامتها وفق معايير تحفظ قيمته التاريخية والفنية، بينما تتولى مؤسسة دمشق تنفيذ المشروع بالتنسيق مع وزارة الثقافة.
ولا تقتصر المبادرة على مرسم فاتح المدرس، إذ تمتد لتشمل مراسم فنية في عدد من المدن السورية، غير أن اختيار مرسم المدرس كبداية يحمل دلالات خاصة، نظراً إلى المكانة التي يحتلها الفنان في تاريخ الفن السوري الحديث. ويؤكد إبراهيم الجبين أن فاتح المدرس شكّل علامة فارقة في المشهد الثقافي خلال القرن العشرين، إذ تركت أعماله أثراً عميقاً لدى طلابه وزملائه، فيما أسهمت كتاباته واهتماماته الفكرية في تعزيز الوعي الثقافي وترسيخ قيم التغيير ومواجهة الاستبداد من خلال الإبداع.
ويعود تأسيس مرسم فاتح المدرس إلى عام 1967، في مرحلة شهدت سعي الفنانين السوريين إلى تطوير أساليب فنية مستقلة تتجاوز التأثيرات الغربية التي اكتسبوها خلال دراستهم الأكاديمية. وكان المدرس قد تلقى تعليمه في أكاديمية الفنون الجميلة بروما، ثم تابع دراسته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس، قبل أن يعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق لسنوات طويلة. وخلال مسيرته، طوّر أسلوباً فنياً يجمع بين التجريد التعبيري والرمزية، مستلهماً موضوعاته من التاريخ والأساطير وعلاقة الإنسان السوري ببيئته. وبعد وفاته عام 1999، أُعيد افتتاح المرسم في العام التالي بإدارة مشتركة بين زوجته شكران الإمام والفنان التشكيلي عصام درويش.
طنجة الأدبية

