الرئيسيةأخبارمعرض في نيويورك يكشف كيف صنع الفنانون الأوروبيون “شرقاً متخيلاً”

معرض في نيويورك يكشف كيف صنع الفنانون الأوروبيون “شرقاً متخيلاً”

جان ليون جيروم

رغم أن عدداً كبيراً من فناني الاستشراق الأوروبيين شدّوا الرحال إلى بلدان الشرق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن زياراتهم لم تكن كافية لتغيير الصورة الذهنية التي حملوها مسبقاً. بل إن بعضهم لم يزر الشرق مطلقاً، ومع ذلك أنتج أعمالاً فنية بدت، للوهلة الأولى، وكأنها توثيق بصري دقيق لواقع شرقي حقيقي. هذا التناقض يشكل محور معرض “الاستشراق: بين الحقيقة والخيال”، الذي افتتح أبوابه في متحف المتروبوليتان بمدينة نيويورك في 12 يونيو/حزيران، ويستمر حتى 18 فبراير/شباط المقبل، حيث يسعى إلى تفكيك الآليات التي ساهمت في تشكيل الصورة الأوروبية عن الشرق، وكيف جرى إعادة إنتاج هذا الواقع وفق تصورات وخيالات مسبقة.

ويُعد الفنان الفرنسي جان ليون جيروم أحد أبرز النماذج التي يتناولها المعرض، إذ بدأ رحلاته إلى الشرق عام 1856، وزار مدناً عديدة مثل القاهرة وإسطنبول والقدس ودمشق، واحتك بشكل مباشر بالفضاءات الشرقية وأسواقها وعمارتها وسكانها. إلا أن مقارنة أعماله الفنية التي أنجزها قبل هذه الرحلات بتلك التي رسمها بعدها تكشف أن التغير اقتصر على التفاصيل الشكلية والمرئية، بينما بقي التصور الجوهري للشرق ثابتاً، خاضعاً للصورة المتخيلة التي ترسخت في الوعي الأوروبي آنذاك.

وخلال رحلاته، لم يتعامل جيروم مع ما شاهده بوصفه واقعاً متكاملاً ينبغي نقله كما هو، بل استخدم العناصر البصرية التي صادفها كمكونات قابلة لإعادة الترتيب والتشكيل داخل مشاهد متخيلة. فالعمارة والزخارف والأزياء التي تظهر في أعماله غالباً ما تنتمي إلى أماكن وأزمنة مختلفة، لكنها تجتمع داخل اللوحة لتصنع شرقاً جديداً، أقرب إلى الفانتازيا البصرية منه إلى التوثيق التاريخي.

ومن أبرز الأعمال التي يعرضها المتحف لوحة “باشي بازوق”، التي رسمها جيروم عام 1869. وتحمل التسمية دلالة تاريخية مرتبطة بالجنود غير النظاميين في الدولة العثمانية، والذين ارتبطوا في الذاكرة التاريخية بالعنف والفوضى. غير أن الفنان اختار تقديم الشخصية في صورة هادئة ومتقنة بصرياً، مع تركيز لافت على تفاصيل الملابس والزخارف والضوء، بما يحول الشخصية إلى نموذج جمالي منفصل عن سياقه التاريخي والسياسي، ومصاغ وفق تصور بصري يلبي توقعات المتلقي الأوروبي.

وتتكرر هذه الآلية في العديد من الأعمال الاستشراقية الأخرى، مثل لوحات أسواق العبيد ومشاهد الحمامات والحريم، التي تميزت بدقة بصرية استثنائية في تصوير الزخارف والأقمشة والإضاءة والوجوه. إلا أن هذا الإحساس بالواقعية يتراجع عند التأمل في طبيعة هذه المشاهد، التي غالباً ما تبدو معزولة عن الزمن والتاريخ والسياق الاجتماعي، ما يكشف أن الدقة الفنية لم تكن سوى أداة لإضفاء المصداقية على رؤية متخيلة.

وتظهر هذه الثنائية بين التوثيق والخيال أيضاً في أعمال فنانين بارزين آخرين، مثل يوجين ديلاكروا الذي استلهم رحلته إلى المغرب، وجان أوغست دومينيك آنغر، وجون فريدريك لويس، حيث أعادت أعمالهم صياغة الواقع بما يتوافق مع الصورة الذهنية السائدة عن الشرق، مع استبعاد كل ما قد يزعزع هذه الرؤية أو يناقضها.

ويطرح المعرض تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي جعلت هذه الصورة المتخيلة للشرق تحافظ على قوتها واستمراريتها رغم تعارضها مع الواقع. ويبدو أن الجمهور الأوروبي في القرن التاسع عشر كان يبحث عن شرق يمكن استهلاكه بصرياً؛ شرق يثير الفضول ويمنح الإحساس بالغرابة والجمال، لكنه يبقى خالياً من التعقيدات السياسية والتاريخية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تحولت الأعمال الاستشراقية إلى نافذة على عالم أعيد تشكيله بعناية داخل المرسم، بما يتوافق مع توقعات السوق الفني والخيال الأوروبي.

واليوم، لم تعد هذه اللوحات تُقرأ بوصفها وثائق بصرية تعكس واقع الشرق، بل أصبحت تُدرس باعتبارها شواهد على الكيفية التي تشكلت بها صورة “الآخر” داخل المخيلة الأوروبية. وتسعى المؤسسات المتحفية الحديثة إلى إعادة تقديم هذه الأعمال ضمن سياقات نقدية تكشف آليات إنتاجها ودلالاتها الثقافية والسياسية. ومع ذلك، لا تزال هذه اللوحات تحتفظ بجاذبيتها البصرية وقوتها الفنية، وهو ما يثير سؤالاً أساسياً: هل يمكن تفكيك الصورة الاستشراقية ونقدها من دون الوقوع تحت تأثير سحرها الجمالي؟ هذا السؤال تحديداً هو ما يمنح معرض “الاستشراق: بين الحقيقة والخيال” أهميته، باعتباره محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين الفن والخيال والسلطة في تشكيل صورة الآخر.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *