القصر الكبير – في أمسية امتزج فيها سحر المكان بعبق التاريخ، احتضن رياض الباشا الملالي الرميقي بمدينة القصر الكبير، مساء السبت 27 يونيو 2026، فعاليات الحفل الفني “العود والرباب… حكاية صنعة”، في تظاهرة ثقافية وفنية أعادت الاعتبار للموروث الموسيقي الأندلسي المغربي، وجعلت من المدينة، لساعات، تعزف على أوتار ذاكرتها العريقة.
فالقصر الكبير ليست مدينة تُروى في كتب التاريخ فحسب، بل مدينة تُسمَع كلما انساب لحن العود، أو بكى الرباب، أو ارتفع صوت المنشد في نوبة من نوبات طرب الآلة. إنها إحدى القلاع المغربية التي احتضنت هذا الفن الأصيل منذ أن حمله إليها الأندلسيون، فحفظته في الزوايا والجمعيات والبيوت، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد جيل حتى صار جزءاً من هويتها الثقافية.
استُهلت الأمسية بكلمة للسيد العربي الرميقي، ممثل جمعية طنجة الجهة للعمل الثقافي ، عبّر فيها عن اعتزازه بمدينة القصر الكبير، مؤكداً أن الحفاظ على التراث مسؤولية جماعية، وأن المدينة تستحق أن تستعيد مكانتها الثقافية باعتبارها إحدى الحواضر المغربية الحاضنة للفنون الأندلسية.
بعدها رحب الدكتور إدريس العسري، رئيس جمعية مدينتي للتنمية والتعاون بالقصر الكبير، بالحضور، مؤكداً أن هذا الموعد الثقافي يتجاوز كونه حفلاً فنياً ليحمل رسالة وفاء لمدينة عريقة عانت في الآونة الأخيرة من آثار الفيضانات، وقال في كلمته إن مثل هذه المبادرات تعيد للمدينة نبضها، وتمنح ساكنتها فسحة للأمل، مستندة إلى رصيد حضاري عريق وهوية أندلسية شكلت عبر القرون عنواناً للصمود والإبداع.
ولم يكن اختيار عنوان “العود والرباب… حكاية صنعة” اعتباطياً؛ فالعود ظل عبر التاريخ سلطان الموسيقى الأندلسية، بينما بقي الرباب روحها النابضة وصوتها الأكثر دفئاً وحنيناً، وهما الآلتان اللتان ارتبطتا ارتباطاً وثيقاً بمدينة القصر الكبير، التي أنجبت أسماء وازنة في فن طرب الآلة، وأسهمت في حفظ النوبات الأندلسية وتعليمها، حتى أصبحت إحدى أهم المدارس المغربية في هذا الفن إلى جانب فاس وتطوان.
وعلى خشبة العرض، قادت الفنانة إحسان الرميقي الجمهور في رحلة موسيقية آسرة عبر الزمن، مزجت فيها بين جمال الكلمة وعذوبة اللحن، في استحضار بديع لروح “الصنعة الأندلسية”. وشاركها في تأثيث هذه اللوحة الفنية الفنان زهير الخزناوي، فيما تولى الأستاذ بدر إيصرغين تصميم العرض، فخرجت الأمسية في صورة جمالية راقية استحقت إعجاب الحاضرين.
وقد تفاعل الجمهور، الذي ضم نخبة من الفنانين والمثقفين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، مع مختلف الفقرات، في مشهد أكد مرة أخرى أن القصر الكبير ما تزال وفية لإرثها الموسيقي، وأن شعلة الفن الأندلسي فيها لم تنطفئ رغم تعاقب الأزمنة.
كما شكل الحفل جسراً للإبداع والتواصل بين جمعية طنجة الجهة للعمل الثقافي، وجمعية رمل لطرب الآلة بجهة مراكش آسفي، ممثلة بالأستاذ بدر السرغيني، لتلتقي هذه المبادرات الثقافية في رحاب القصر الكبير، المدينة التي ظلت عبر تاريخها فضاءً للتلاقح لحضاري والفني.
واختتمت الأمسية وسط أجواء من الفخر والاعتزاز، بعدما نجحت في الجمع بين الفن والذاكرة والإنسان، مؤكدة أن القصر الكبير لا تزال مدينة تغني بتاريخها، وتحكي بالعود والرباب قصة حضارة لم تنقطع أوتارها. فحين يُعزف طرب الآلة في هذه المدينة، لا تُؤدى مقطوعات موسيقية فقط، بل يُبعث تاريخ كامل، وتعود الروح إلى مدينة كتبت اسمها في سجل الحضارة المغربية بحروف من نغم وأصالة.
أمينة بنونة


