الرئيسيةأخبارمداخلة حول: دور المثقف المغربي في المشهد السياسي

مداخلة حول: دور المثقف المغربي في المشهد السياسي

محمد الكلاف كاتب وناقد

هذه ليست ورقة سياسية،  بل هي ورقة فكرية تحمل انطباعاتي الشخصية التي استخلصتها من ثقافتنا السياسية…

علاقة الثقافة بالسياسة حاليا ومستقبليا  … حقيقة أن المثقف حاليا  ، مهمته تقتصر على التفرج على ما يدور في فلك السياسة،  دون أن ينخرط فيها وفي تدبيرها،  في ظل هيمنة وسيطرة أصحاب( الشكارة ) والمال السايب عليها  ، بل يكتفي بانتقادها واقتراح تصويبات عليها  ( ومن بعيد ) ، لكن يبقى تدخله قاصرا أمام السياسي الذي قد يعمل بنصائح وتصويبات وحلول المثقف  ، شريطة أن تكون جميعها تصب في مصلحته ومستقبل عائلته وذويه  ، لأنه نفعي بالدرجة الأولى .
دور المثقف في المشهد السياسي … في ظل التحولات الآنية  ، ولربما حتى المستقبلية،  والتي تلوح في الأفق  ، سواء سياسيا أو حتى اجتماعيا  ، تفرض على المثقف أن يتحمل المسؤولية السياسية والاجتماعية ، ويأخذ على عاتقه القضايا الكبرى لبلده،  في ظل تكالب الأحزاب والنقابات،  وتآمرهم على الطبقة الشعبية،  ولينزع عنه جبة المثقف المتخصص ، ويرتدي بذلة المثقف الموسوعي والكوني،  انطلاقا من أيديولوجية سارتر .
موقف المثقف من سياسة الأحزاب والنقابات وسياسة الحكومة  …
الواقع المر الآني ببلادنا خاصة  ، يوحي بتخندق المثقف  ، ويعاب عليه تقوقعه  ، أو وقوفه في صف الحكومة والسلطة ضد إرادة الشعب،  وتآمره  على الطبقة الشعبية ومصالحها،  بحصوله على  إتاوات وهبات وهدايا عينية  ، ومصالح خاصة مقابل صمته وبيع ضميره،  وما أكثرهم في محيطنا.
وهناك دعاية مغرضة تروج باستقالة المثقف من المشهد السياسي وتدبير الشأن العام  … إستقالة جماعية كما يشاع  ، والحقيقة غير ذلك  ، لأن الانسحاب كان مؤدى عنه ، كما أن الاستغلال الفاحش للمثقفين من طرف الأحزاب السياسية كأداة حشد وتعبئة ودعاية لضمان التميز والاستمرارية في مركز القرار لأحزاب بعينها  .
فالمثقفون التزموا الحياد بإرادتهم  أو بدونها ، واحتفظوا فقط بمسافة المتفرج  ، ومنهم من فك ارتباطه كليا بالسياسة كما حصل بين سنتي 2007 حتى 2011 .
دور الأحزاب والجمعيات ودور الشباب في  المشهد الثقافي… وحتى السياسي  …
لم يكن للأحزاب والجمعيات ودور الشباب دور مباشر في التأثير على الثقافة إيجابيا سوى ثقافة المقاومة،  حين كانت القضية الفلسطينية في أوجها،  وهو ما أغرى العديد من المثقفين والشباب المندفعين للسعي إلى الانخراط الفعلي في صفوف الفصائل الفلسطينية للجهاد في سبيل الله… المرحوم عبد الرحمن اليزيد أمزغار نموذجا  … فبرز في الأفق  ثقافة المقاومة آنذاك … ليتحول المثقفون ساعتها إلى أيقونات وأدباء المقاومة ، لكن سرعان ما خيم الإحباط على الأقلام الأدبية والثقافية،  بعد اتفاقية( كامب ديفد وأرسلوا ووادي عربة ) باندحار جبهة التحرير الفلسطينية ، وكان لذلك الأثر الكبير نتيجة الإحباط الذي أصاب الأحزاب كما الجمعيات الثقافية والمثقفين  ، وحتى المجتمع المدني.
إلا أن التحول الملحوظ في هذا المضمار، هو ما شهده المغرب غداة الاستقلال،  حيث عمل على بلورة قطاع الثقافة،  وإقراره في دستور 2011  لينطلق التفعيل الفعلي منذ حكومة عبد الإله بنكيران في مرحلة  ( 2012 – 2016 ) ، وبعدها حكومة سعد الدين العثماني بين سنتي  ( 2017- 2021 ) ، وصولا إلى الحكومة الحالية التي تدوم من ( 2021 إلى نهاية 2026) ، إلا أن هذه الأخيرة حكومة أخنوش ، رغم تعهدها بالحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية ، وجعلها رافعة أساسية للتنمية وإدماج الشباب،  وإحداث مشارع كبرى مهيكلة لقطاع الثقافة وتشجيعها ماديا ومعنويا،  إلا أن تعهداتها بقيت حبرا على ورق،  وتبقى السياسة الثقافية مجرد اقتراحات ونوايا وهمية عادمة ومنعدمة ، في ظل إعطاء الأولوية للمصالح الخاصة والشخصية والذاتية ، التي أدت إلى نهب واختلاس أموال الشعب الطائلة بالملايير ، الشيء الذي أدى بانتفاضة الطبقة الشعبية وخروجها إلى الشارع  .
كما أن جل دور الشباب كانت مغلقة إلى حدود يوليوز 2024 نتيجة افتقادها لأبسط شروط الاستغلال ، فجاء تدخل وزير الشباب والثقافة آنذاك  السيد محمد المهدي بنسعيد لإعادة فتح أبواب 762 دار شباب مقفلة عن طريق إبرام شراكات مع الجمعيات الترابية والجمعيات  ، رغم وضعياتها المزرية،  لإعادة الحياة لها .
دور اتحاد كتاب المغرب في المشهد السياسي  …
اتحاد كتاب المغرب الذي يمثل الطبقة الواعية والمتنورة من الشعب  ، مصاب بمرض عضال من الصعب الشفاء منه،  ما دام يرزح ويئن تحت المضلة الحزبية ( الاتحاد الاشتراكي تحديدا) الذي يخطط له كل مساراته على المقاس ، لأنه محكوم عليه أحب أم كره أن يسير بمحاذات مع السياسة وتحت نجاحها ، ومنذ تأسيسه تحت اسم  : ( اتحاد كتاب المغرب العربي) في ستينيات القرن الماضي لمناهضة الاستعمار آنذاك ، وكان ممثلا من كتاب المغرب وتونس والجزائر وليبيا  ، لكن سرعان ما عصفت به الرياح الشرقية والعواصف الجزائرية ، ليجد نفسه مقحما في السياسة،  تارة مع اليمين ، وتارة مع اليسار لا يستقر على ثقافة  . حيث عرف عدة تقلبات وانقلابات،  حيث سجل عن فترات المؤتمرات المشؤومة – الثمانية عشرة  – مؤتمر طنجة الأول وبروز عبد الحميد عقار،  ثم عزيز لحبابي الذي قاد المؤتمر الثاني في سنة 1968 ، والذي أفرز فوز عبد الكريم غلاب،  فيم  رست سنة 1976 على قيادة محمد برادة  الذي انقلب على غلاب،  تولى بعده قيادة الاتحاد: – أحمد اليابوري.
إلا أن الاتحاد وإن كان منظمة تقدمية مستقلة،  وتدعي الديمقراطية ، إلا أنها عرفت عدة عواصف ( مفتعلة ) كادت أن تنهي وجوده ، حيث أقيل رئيسه عبد الحميد عقار رغم انتخابه  من طرف أغلبية المؤتمرين ، وجل أعضاء المكتب المركزي ، تولى بعده الرئاسة الكاتب عبد الرحيم العلام،  لكن تراجع دوره كاتحاد كتاب في المشهد الثقافي بشكل ملحوظ ، حيث أصبح تابعا لجهات حزبية وحكومية،  جعله يتخبط في مشاكل جمة.
ويبقى أفق الاتحاد رهين بالتفكير في المصلحة الجماعية،  والتحرر من النظرة الأحادية المصلحية والنفعية،  وأن تؤخذ بجدية وتصور جديد .
الوضعية الحالية للمثقف والثقافة السياسية  …
المثقف بالمفهوم الفكري والمعرفي يجب أن يكون محايدا لا تابعيا ولا مصلحيا ولا أنانيا،  خاصة وأننا أصبحنا نرى الكثير من رجال السلطة والسياسة والمتسلطين يتقنعون ويرتدون جبة المثقفين  ،بجاههم ووجاهتهم وأموالهم التي يشترون بها المناصب العليا،  لكنهم ينهزمون بغبائهم وفقرهم الفكري والمعرفي في إدارة الشأن العام: ( حكومة أخنوش نموذجا)  وتسطير البرامج وتطبيقها على أرض الواقع  ، حيث يولونها ظهورهم  ، ويولون أكبر الاهتمام لمصالحهم ومشاريعهم الخاصة،  والتي تؤدي بهم أحيانا إلى سرقة أموال الشعب بملايير الدولارات لتنفيذها قبل فواة الأوان،  لتبقى مصالح الشعب معلقة ، كما فعل بنكيران الذي وقع على التطبيع مع إسرائيل في مرحلته  ، وباع صندوق المقاصة مقابل كرسي وثير في الواجهة السياسية ، ومصالحه الشخصية لتضمن له البقاء رغم تقادمه وانتهاء صلاحيته.
 الشيء الذي أدى بالطبقات الشعبية إلى الخروج إلى الشارع ، مطالبة بأبسط الإصلاحات الجوهرية: – إصلاح ميدان الصحة والتعليم  .
والاحتجاج على الاستهتار والتهميش الحكومي الممنهج ، نتيجة فشل استراتيجية الحكومة ونظرتها السياسية القاصر،  نتيجة جهلهم وأميتهم ثقافيا وسياسيا  … فكل سياسة تمارس عن جهل خارج الثقافة مصيرها الفشل  ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه  …
خاتمة  …
رغم كل ما سبق التطرق إليه ، وحتى لا نكون متشائمين ،  لأن كل ذلك،  ما هي إلا سحابة ستدروها رياح التغيير في القريب العاجل،  لأن كل ما هو فاسد،  مأله مزبلة التاريخ…
إذا  … لابد أن نقول كلمة حق  ، فنحن نعيش في بلد آمن مطمئن والحمدلله،  ما دمنا نعيش في بلد الديمقراطية والتعددية،  والحرية الفكرية ، وفي كنف الملكية الدستورة التي تضمن لشعبها الاستقرار والأمن والأمان،  بفضل حنكة وتبصر جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وشافاه وعافاه وأشد أزره بولي عهده مولانا الحسن .
دون أن ننسى التضحيات الجسام التي يقدمها رجال الأمن ورجال الدرك،  والجيش الملكي،  حفاظا على أمننا وراحتنا واطمئناننا ووحدة ترابنا،  راجيا من الله أن يصلح أحوالنا،  ويحفظ بلدنا من كل مكروه ، وأن يهدي شبابنا لما فيه خير ومصلحة بلدنا الحبيب والرائع …
وكما نحذر دائما : – لا للمساس بثوابت دولتنا واستقرارها…

محمد الكلاف 
كاتب وناقد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *