تتصدر قضية استعادة الكنوز الثقافية إلى أوطانها الأصلية واجهة النقاشات الدولية داخل أروقة المتاحف الكبرى وصناعة القرار الثقافي العالمي، حيث بات هذا الملف من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العلاقات الدبلوماسية والثقافية بين الدول. وبينما تبدو بعض حالات استرجاع القطع الأثرية التي خرجت بطرق غير شرعية أسهل نسبياً، خاصة عند توفر أدلة واضحة على السرقة أو انتهاك القوانين والمعاهدات الدولية، فإن حالات أخرى تتحول إلى نزاعات طويلة الأمد تمتد لعقود أو حتى قرون، عندما تكون تلك القطع قد غادرت أوطانها ضمن اتفاقيات اعتُبرت “قانونية” في زمنها، لكنها أصبحت محل طعن لاحقاً. وقد تجسّد ذلك مؤخراً في خطوة الولايات المتحدة التي أعادت أكثر من 330 قطعة أثرية مسروقة إلى إيطاليا، وما يزيد عن 650 قطعة أخرى إلى الهند، في سياق جهود دولية متصاعدة لحماية التراث الإنساني.
ومن أبرز القضايا التي ما تزال تثير الجدل عالمياً، ملف تمثال نفرتيتي النصفي بين مصر وGermany. يعود هذا التمثال المصنوع من الحجر الجيري الملون إلى نحو 1340 قبل الميلاد، وقد اكتُشف عام 1912 في تل العمارنة خلال بعثة ألمانية بقيادة عالم الآثار لودفيج بورخاردت، تحت إشراف رسمي وبترخيص للتنقيب. غير أن طريقة توزيع المكتشفات بين البعثة الألمانية والسلطات المصرية في ذلك الوقت، والتي كانت تعتمد نظام القسمة، أصبحت لاحقاً محل اتهام بالتحايل، بعد أن قُدمت معلومات غير دقيقة حول قيمة التمثال، ما أدى إلى انتقاله إلى ألمانيا. ومنذ عرض التمثال في برلين عام 1924، دخلت Egypt في نزاع رسمي متواصل لاستعادته، تخللته محاولات دبلوماسية ومبادرات فردية ونداءات دولية، كان أبرزها تحركات عام 2011 ثم عريضة جديدة في 2024، في حين لا يزال الموقف الألماني متمسكاً ببقاء القطعة ضمن متاحفه.
وفي سياق مشابه، يظل رخام البارثينون محور خلاف تاريخي بين Greece وUnited Kingdom. فمعبد البارثينون، الذي شُيّد في القرن الخامس قبل الميلاد فوق الأكروبوليس في أثينا، تعرض عبر القرون لأضرار جسيمة نتيجة الحروب والتحولات التاريخية، قبل أن يقوم اللورد إلجين في مطلع القرن التاسع عشر بنقل أجزاء كبيرة من منحوتاته إلى بريطانيا بعد حصوله على إذن من السلطان العثماني آنذاك. وقد استقرت هذه القطع في British Museum منذ عام 1816، لتصبح لاحقاً موضوعاً لخلاف دبلوماسي وثقافي مستمر، خاصة بعد استقلال اليونان عام 1830، حيث تصاعدت المطالبات باستعادتها، وتكثفت الجهود مع افتتاح Acropolis Museum عام 2009 المخصص لاحتضانها. ورغم النقاشات حول حلول وسط مثل الإعارة طويلة الأمد، فإن القانون البريطاني لا يزال يشكل عقبة رئيسية أمام أي تسوية نهائية.
أما واحدة من أشهر القضايا الفنية في التاريخ، فتتمثل في لوحة “الموناليزا” بين Italy وFrance. فقد أنجز الفنان ليوناردو دافنشي اللوحة في بدايات القرن السادس عشر، قبل أن ينتقل بها إلى فرنسا بدعوة من الملك فرانسيس الأول، حيث دخلت لاحقاً ضمن المقتنيات الملكية ثم استقرت في Louvre Museum بعد الثورة الفرنسية. وعلى الرغم من أن الوضع القانوني الحالي لا يمنح إيطاليا حقاً رسمياً لاستعادتها، فإن الجدل الثقافي لم يتوقف، خاصة بعد حادثة سرقتها الشهيرة عام 1911 على يد فينتشنزو بيروجيا، التي زادت من شهرتها عالمياً. ورغم محاولات إيطالية متكررة لعرضها مؤقتاً في موطنها، فإن فرنسا تواصل رفض أي نقل دائم أو مؤقت للوحة.
إن هذه القضايا الأربع تعكس تعقيد ملف استعادة التراث الثقافي عالمياً، حيث تتداخل الاعتبارات التاريخية والقانونية والسياسية والثقافية، لتجعل من كل قطعة أثرية ليست مجرد أثر فني، بل قضية هوية وذاكرة وصراع رمزي بين الأمم.
طنجة الأدبية

