تسجل السينما العربية حضورا بارزا في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، المقامة بين 12 و23 مايو/أيار الجاري، من خلال مجموعة من الأفلام التي تنافس ضمن الأقسام الرسمية والموازية، في تأكيد جديد على المكانة المتنامية لصناع الأفلام العرب داخل المحافل السينمائية الدولية.
وتتوزع المشاركات العربية هذا العام بين أعمال قادمة من فلسطين والمغرب واليمن والسودان وسوريا، ضمن أقسام “نظرة ما” و”أسبوع المخرجين” و”أسبوع النقاد”، حيث تحمل هذه الأفلام موضوعات ترتبط بالحرب والهجرة والهوية والتحولات الاجتماعية، مع تنوع واضح في الأساليب البصرية والسردية.
ويخوض المخرج الفلسطيني راكان مياسي أولى تجاربه في الأفلام الروائية الطويلة عبر فيلم “البارح العين ما نامت”، المشارك ضمن قسم “نظرة ما”، وهو إنتاج مشترك بين فلسطين ولبنان وبلجيكا وقطر والسعودية. وتدور أحداث العمل في إحدى قرى سهل البقاع اللبناني، حيث يؤدي اختفاء فتاة شابة إلى حالة من القلق والتوتر، قبل أن تبدأ أسرار قديمة وعلاقات معقدة في الظهور داخل مجتمع تحكمه الأعراف العائلية والتقاليد الصارمة.
ويركز الفيلم على موضوعات الخوف والعزلة والرغبات المكبوتة، عبر معالجة بصرية تعتمد على الإيقاع الهادئ والصورة التأملية أكثر من السرد التقليدي. وكشف مياسي أن إنجاز الفيلم استغرق سنوات من التحضير والكتابة، بينما جرى تصويره خلال فترة قصيرة في ظروف إنتاجية صعبة، مع الاعتماد على روح التعاون والتجريب داخل فريق العمل.
وفي القسم ذاته، تشارك المخرجة المغربية ليلى المراكشي بفيلم “الأكثر حلاوة”، الذي يتناول معاناة العاملات الموسميات في مزارع الفراولة بجنوب إسبانيا. ويروي العمل قصة امرأة مغربية تسافر بحثا عن فرصة لتحسين وضع أسرتها، لكنها تجد نفسها أمام واقع قاسٍ تحكمه ظروف العمل الشاقة والاستغلال.
ويقترب الفيلم من قضايا الهجرة والهشاشة الاجتماعية وما تواجهه النساء المهاجرات من ضغوط نفسية وإنسانية، في ظل غياب الاستقرار والحماية القانونية، فيما يضم العمل مجموعة من الأسماء المغربية من بينها نسرين الراضي وهاجر كريكع وفاطمة عاطف وحنان بنموسى.
ومن المغرب أيضا، يشارك المخرج سعيد حميش في قسم “أسبوع المخرجين” بفيلمه “البحث عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء”، وهو عمل يمزج بين الوثائقي والتأمل البصري، حيث يتتبع رحلة رجل يجوب جبال الأطلس بحثا عن طائر غامض، قبل أن تتحول الرحلة إلى مساحة للتفكير في الذاكرة والعزلة والانتماء.
ويعتمد الفيلم على لغة بصرية هادئة وصور طبيعية مفتوحة، مع تركيز أكبر على الإحساس الداخلي والأسئلة الوجودية بدلا من الحبكة التقليدية.
وفي السياق نفسه، يحضر السودان من خلال الفيلم القصير “لا شيء يحدث بعد غيابك” للمخرج إبراهيم عمر، ضمن قسم “أسبوع المخرجين”. ويعود العمل إلى أجواء الحرب والانهيار داخل السودان، متناولا فكرة استمرار السينما والثقافة وسط العنف والاضطرابات اليومية، حيث تتحول محاولة عرض الأفلام إلى فعل مقاومة رمزي في مواجهة الفوضى والغياب.
ويعد إبراهيم عمر من الأصوات السينمائية الشابة التي ساهمت في تنشيط المشهد الثقافي السوداني، من خلال مبادرات مستقلة لدعم السينما المحلية، في وقت يواصل فيه الفيلم السوداني تعزيز حضوره في المهرجانات العالمية.
أما في “أسبوع النقاد”، فتشارك المخرجة اليمنية الأسكتلندية سارة إسحاق بفيلم “المحطة”، الذي تدور أحداثه داخل محطة وقود مخصصة للنساء في اليمن، وسط بلد مزقته الحرب. وتحاول صاحبة المحطة خلق مساحة آمنة بعيدا عن الفوضى والعنف، عبر فرض قواعد تمنع الرجال والسلاح والسياسة، غير أن الحرب تقترب تدريجيا من حياتها الخاصة مع تهديد شقيقها بالتجنيد القسري.
ويرصد الفيلم تفاصيل الحياة اليومية للنساء في زمن الحرب، مركزا على العلاقات الإنسانية والهشاشة النفسية بعيدا عن الخطابات السياسية المباشرة.
وفي مسابقة الأفلام القصيرة ضمن “أسبوع النقاد”، يشارك الفيلم السوري “نفرون” للمخرج عبد الله داوود، الذي تدور أحداثه في دمشق بعد أسابيع من سقوط نظام الأسد. ويتابع الفيلم رحلة امرأة فقدت ذاكرتها وسط مدينة أنهكتها الحرب، قبل أن تبدأ في استعادة أجزاء من ذاتها عبر لقاءات تكشف أسئلة الهوية والضياع والبحث عن بداية جديدة.
وعلى مستوى الفعاليات المهنية، يواصل الجناح المصري حضوره داخل سوق الفيلم بمهرجان كان للسنة الثانية على التوالي، بمشاركة عدد من المؤسسات السينمائية الرسمية والخاصة، من بينها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الجونة وهيئة التصوير السينمائي.
ويحتضن الجناح سلسلة من اللقاءات والندوات المهنية التي تناقش قضايا الإنتاج المشترك والتمويل وحفظ التراث السينمائي، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضور الصناعة السينمائية المصرية وفتح آفاق تعاون جديدة مع صناع السينما من مختلف دول العالم.
طنجة الأدبية

