أعادت دار جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية إحياء واحد من أبرز النصوص المغربية النادرة الخاصة بتاريخ القرن التاسع عشر، عبر إصدار محقق لكتاب “الفتوحات الوهبية في سيرة مولانا الحسن السنية ومفاخر اختراعاته البهية”، الذي أنجز تحقيقه الباحث خالد طحطح ضمن منشورات سنة 2026. ويكتسب هذا العمل أهميته من كونه يسلط الضوء على مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الحديث، كما يعيد الاعتبار إلى مؤلفه الحسين بن عبد الرحمان السملالي، الذي جمع بين المعرفة الفقهية والخبرة التجارية والانفتاح على التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها المغرب وأوروبا والجزائر خلال تلك الفترة.
ويقدم الكتاب مادة تاريخية تتجاوز حدود التوثيق السياسي التقليدي لعهد السلطان الحسن الأول، إذ يتناول قضايا مرتبطة بالإدارة والاقتصاد والعلاقات الدولية والتحولات الفكرية التي رافقت تصاعد النفوذ الاستعماري الأوروبي. وقد اعتبر المفكر عبد الله العروي هذا النص بمثابة “صوت خارج دائرة العلماء التقليديين”، في إشارة إلى خصوصية تجربة مؤلفه الذي مكّنته رحلاته وإقامته الطويلة بالجزائر واحتكاكه بالأوروبيين من تكوين رؤية مختلفة عن كثير من معاصريه.
ويبرز الكتاب كوثيقة فكرية وتحليلية لا تقتصر على نقل الأحداث، بل تقدم قراءات نقدية لواقع الدولة والمجتمع آنذاك. فقد تناول السملالي بإسهاب موضوع ضريبة “الترتيب الحسني”، معتبراً أنها قد تشكل مدخلاً لتحقيق نوع من العدالة الضريبية متى تم تنظيمها بشكل سليم، كما طرح أفكاراً تتعلق بتطوير أساليب الإحصاء والجباية وتعزيز الرقابة على الأمناء والجباة، في تصور إداري يعكس وعياً مبكراً بقضايا التدبير المالي الحديث.
كما يمنح الكتاب مساحة مهمة لقضية الحمايات القنصلية التي شكلت إحدى أبرز أزمات المغرب خلال القرن التاسع عشر، حيث أورد المؤلف رسالة مستقلة ناقش فيها مسألة طلب الحماية الأجنبية من منظور فقهي وسياسي، وذلك في سياق سؤال وجّهه السلطان الحسن الأول إلى العلماء بخصوص الشريف عبد السلام الوزاني. وتكشف هذه المادة عن حجم التوتر الذي كان قائماً بين السلطة المركزية والتدخلات الأجنبية في تلك المرحلة.
وفي الجانب الاقتصادي، يظهر السملالي وعياً واضحاً بخطورة التغلغل التجاري الأوروبي داخل الأسواق المغربية، خاصة الفرنسية منها، إذ دعا إلى تشديد الرسوم الجمركية على السلع الكمالية وغير الضرورية بهدف حماية الاقتصاد المحلي والحد من نزيف الثروة الوطنية، وهي أفكار تعكس إدراكاً مبكراً لإشكالات التبعية الاقتصادية واختلال التوازن التجاري.
ولا تقتصر أهمية الكتاب على الشأن المغربي، بل تمتد إلى رصد التحولات السياسية التي عرفتها أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث يتطرق المؤلف إلى الثورة الفرنسية وأحداث سنة 1848 وسقوط الملك لويس فيليب ونظام الحكم في عهد نابليون الثالث، إضافة إلى إشارات تتعلق بالانتخابات البرلمانية والأجهزة الأمنية الفرنسية، ما يمنح النص قيمة توثيقية نادرة باعتباره شهادة مغربية معاصرة على تلك التحولات الأوروبية.
أما في ما يخص الفضاء المغاربي، فيتضمن الكتاب معطيات دقيقة حول الاحتلال الفرنسي للجزائر ومسار الأمير عبد القادر الجزائري منذ المقاومة المسلحة إلى الاعتقال ثم النفي نحو دمشق، إلى جانب أخبار سياسية واجتماعية مرتبطة بالمغرب والجزائر معاً، الأمر الذي يجعل منه مصدراً تاريخياً يتجاوز الحدود الوطنية الضيقة.
ويبرز عمل الباحث خالد طحطح باعتباره مساهمة علمية مهمة في إعادة إحياء المخطوطات المغربية المغمورة، خاصة أن الكتاب ظل لسنوات طويلة في حكم المفقود، ولم يكن معروفاً سوى عبر مقتطفات نقلها عبد الرحمان ابن زيدان واعتمد عليها لاحقاً عبد الله العروي في بعض أبحاثه. وقد تم العثور على النسخة الوحيدة من المخطوط، الواقعة في 367 صفحة، داخل المكتبة الخاصة للزعيم الوطني علال الفاسي، في واقعة تعكس المسارات المعقدة التي سلكتها المخطوطات المغربية بين الخزائن الخاصة.
ولا يقتصر مشروع المحقق على نشر هذا النص فقط، بل يندرج ضمن مبادرة أوسع تهدف إلى إخراج عدد من المصادر التاريخية المرتبطة بالمغرب في القرن التاسع عشر، من بينها “تحفة الإمام ونصيحة الإسلام” لمحمد بن مصطفى المشرفي و”الدر المنضد” لمحمد بن عبد القادر الكردودي، إضافة إلى نصوص أخرى سبق تحقيقها ونشرها.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذا الإصدار في كونه يفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخ المغرب الحديث بعيداً عن السرديات الجاهزة، من خلال إبراز أصوات مغربية كانت واعية بالتحولات الدولية وقادرة على التفكير في قضايا الدولة والإدارة والاقتصاد بمنظور متجدد يتجاوز الرؤية الفقهية التقليدية. كما يمنح الباحثين مادة تاريخية ثمينة تساعد على فهم طبيعة الإصلاحات والتفاعلات السياسية والاقتصادية التي عرفها المغرب خلال مرحلة مفصلية من تاريخه.
طنجة الأدبية

