في الوهلة الأولى، يلتقي الانطباع السائد لدى كثيرين حول الصين باعتبارها “كوكباً آخر”، مع توقّعٍ لدى الزائر بأن يجد اختلافاً جذرياً منذ لحظة وصوله إلى المطار، سواء في المكان أو الناس. غير أن المفاجأة غالباً ما تأتي مع العكس تماماً: كل شيء يبدو مألوفاً إلى حد مدهش، وأقرب إلى الألفة منه إلى الغرابة، خصوصاً بالنسبة لقادم من جهة أخرى من الشرق. وبينما يبحث الزائر عن علامات الاختلاف، يكتشف أن الناس يتسمون بهدوء لافت، وأن حركتهم اليومية تمضي بانسيابية طبيعية لا هي سريعة ولا بطيئة، في ظل نظام يبدو منظماً دون إفراط، وحياة حديثة متطورة في الخدمات والتكنولوجيا، لكنها لا تفقد طابعها الإنساني، ولا تتحول إلى حياة آلية مجردة.
ومع مرور الوقت، تبدأ الفوارق في الظهور، لكنها لا تبدو اختلافات حادة بقدر ما هي أشكال من الانسجام المفقود في أماكن أخرى؛ انسجام بين الدفء الإنساني والتنظيم، وبين التقدم الصناعي والتكنولوجي والبعد الروحي، حيث لا تبتلع الحداثة الإنسان ولا تقوده إلى العزلة. هناك إيمان وسماحة يبدوان جزءاً من سلوك يومي تغذّيه قيم دينية أو ثقافية، لكن من دون مظاهر تدين صاخبة، وكأن ما يحكم المشهد هو شكل من “الإنسانية” بوصفها عقيدة جامعة. ومن هذا الباب، ينتقل الزائر من مراقبة المكان والناس إلى اكتشاف أفق آخر أكثر عمقاً، هو أفق الشعر، خاصة مع انعقاد الدورة الثالثة من المهرجان العالمي لشعر الشباب.
على مدى تسعة أيام، ما بين الثامن والسادس عشر من مايو/أيار، استضافت الصين ستين شاعرة وشاعراً من عدد من الدول العربية، من بينها المغرب وفلسطين والأردن وتونس والسودان ومصر وسوريا والسعودية والبحرين والعراق والكويت ولبنان واليمن، إلى جانب عدد مماثل تقريباً من الشعراء الصينيين. وقد تنوعت التجارب المشاركة بشكل واضح، سواء من حيث السن أو الخبرة أو الحضور الأدبي؛ إذ تراوحت أعمار المشاركين بين بداية العشرينات وأواخر الأربعينات، وبين من لم يصدر ديوانه الأول بعد، ومن له أكثر من إصدار شعري، وبين أسماء معروفة على نطاق واسع وأخرى لا تزال محصورة في دوائر ضيقة.
وراعى المهرجان كذلك التنوع في الأشكال الشعرية، فحضرت قصيدة النثر إلى جانب التفعيلة والقصيدة العمودية، ما أتاح صورة أكثر شمولاً للمشهد الشعري العربي المعاصر. وقد افتُتحت فعالياته بلوحات شعرية أدائية جمعت بين الشعر والفنون البصرية والموسيقى والرقص، في تجربة ركّبت النص الشعري داخل فضاء بصري حي، ساعدت فيه الشاشات الرقمية الضخمة التي عرضت النصوص بلغتيها العربية والصينية، لتتحول الكلمات إلى صورة وصوت وحركة، وتصبح القصيدة تجربة حسية يمكن تلقيها بطرق متعددة.
وقد لفتت هذه العروض انتباه الحضور، حيث تداخل النص الشعري مع التصميم الرقمي والأداء الصوتي والرقص والصور الطبيعية المتحركة، في صيغة فنية جعلت القصيدة أقرب إلى عرض شامل. صحيح أن هذا المزج قد يقلل أحياناً من غموض النص لصالح الصورة المباشرة، لكنه في المقابل يفتح باباً مختلفاً للتلقي، ويمنح المتلقي تجربة جمالية مريحة ومكثفة في آن واحد.
وفي السياق الثقافي، يظهر اهتمام لافت لدى الجمهور الصيني بالشعر التأملي، وهو ما يفسر الإقبال المبكر على أعمال جبران خليل جبران، ثم الاهتمام الواسع في السنوات الأخيرة بشعر أدونيس، الذي أصبح اسماً بارزاً في الترجمة الأدبية الصينية، بفضل جهود مترجمين متخصصين، ما أتاح له حضوراً قوياً في المشهد الثقافي الصيني، حتى في مراحل عمرية متقدمة من مسيرته الشعرية. ويُقرأ هذا الحضور بوصفه نتيجة مباشرة لجسر الترجمة الذي ينقله إلى قارئ مختلف ثقافياً ولغوياً، لكنه يجد في نصه ما يتجاوز الحدود.
وتتباين تجربة التأمل بين جبران وأدونيس، إذ تتخذ عند الأول بعداً وجدانياً مشبعاً بالحكمة والحزن الرقيق، بينما تميل عند الثاني إلى تأمل عقلي أكثر تركيباً، يوازن بين الفكر والشعور دون انفعال زائد. وفي الحالتين، يتشكل الشعر بوصفه أداة لقراءة الذات والعالم في آن واحد.
ويبرز في التجربة الصينية أيضاً حضور قوي لمفهوم الحكمة، حيث يتحول الخاص إلى عام، والتجربة الفردية إلى معرفة مشتركة. فبدلاً من الانكفاء على الألم الشخصي، يقدم الشاعر عصارة تجربته في صيغة مكثفة تمنح القارئ فرصة المشاركة لا الاكتفاء بالمشاهدة. كما يظهر أثر واضح لتقاليد صوفية مرتبطة بالطبيعة والتأمل والتواضع أمام الحياة، بما يجعل الشعر امتداداً لفلسفة وجودية لا تقاوم الألم بقدر ما تحوله إلى درجة جديدة من الفهم.
ومن زاوية أخرى، يكشف حضور الأوبرا التقليدية عن علاقة خاصة بالتراث، حيث تمتزج الأزياء الثقيلة بالألوان الزاهية والزخارف الدقيقة والمكياج المكثف، في صيغة فنية تمحو الفرد لصالح الرمز الثقافي، وتعيد إنتاج التاريخ بصرياً. وفي المقابل، يعكس الحاضر تحولاً اجتماعياً واضحاً في موقع المرأة، مقارنة بالماضي، حيث باتت تحظى بفرص أكبر في التعليم والعمل والقيادة، في سياق تغيّر بنيوي واسع.
أما في الحياة اليومية، فيبدو نمط الحركة جزءاً أساسياً من الثقافة العامة، إذ تميل الفضاءات العامة إلى تقليل أماكن الجلوس الخارجية، ما يعكس فلسفة مختلفة في التعامل مع الوقت والراحة، تقوم على الفعل أكثر من التوقف. وهذا ما ينعكس أيضاً في الشعر، الذي يميل في كثير من نصوصه إلى تصوير الحركة، سواء كانت حركة جسدية أو ذهنية أو رمزية، وكأن الحياة نفسها لا تُفهم إلا عبر فعل مستمر.
وفي قصائد المهرجان، تتكرر هذه الديناميكية بوضوح، حيث يتحول المشهد الشعري إلى حركة داخل الزمن، كما في نصوص قديمة وحديثة تتقاطع فيها الصورة مع الفكرة. ويعزز هذا البعد فهمٌ مختلف للعلاقة بين الإنسان والعالم، حيث تصبح الحركة شرطاً للمعنى.
كما شكّل المهرجان فرصة لكسر الصورة النمطية المتبادلة بين العرب والصينيين؛ فكما يُنظر إلى الصين أحياناً كفضاء إنتاجي بارد، يُنظر إلى العرب أحياناً من خلال صور جاهزة مستمدة من السينما أو المخيال الغربي. غير أن الاحتكاك المباشر أعاد تشكيل هذه التصورات، وفتح مساحة لفهم أكثر واقعية وإنسانية، مدعومة بتزايد حضور اللغة العربية في الجامعات الصينية، رغم أن كثيراً من دارسيها لم يختاروها عن وعي مسبق، بل وجدوها مساراً فرضته نتائجهم الدراسية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى شغف حقيقي.
طنجة الأدبية

