فازت المونودراما الوثائقية “أصوات عميقة” بجائزتين خلال الدورة التأسيسية من مهرجان كراكوف للمونودراما في بولندا، الذي اختُتم مساء الأحد الماضي، مقدّمة نموذجاً فنياً يجمع بين التوثيق والأداء المسرحي المعاصر. وترى مخرجة العمل الأردنية سوسن دروزة أن هذا النوع من الأعمال يشكّل وسيطاً ثقافياً ضرورياً في المرحلة العربية الراهنة، ولا سيما الفلسطينية، من أجل طرح القضايا المحلية بلغات قادرة على العبور إلى الجمهور العالمي.
العمل، الذي حصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة، فيما نالت الممثلة الفلسطينية الأردنية تهاني سليم جائزة أفضل ممثلة، يتناول رحلة النزوح القسري في قطاع غزة عبر يوميات الشابة فرح الغول، إلى جانب شهادات نساء أخريات عايشن التهجير خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع. ويعتمد العرض على بنية فنية هجينة تمزج بين المسرح والسينما والمواد الأرشيفية، مستنداً إلى تسجيلات موثقة زمانياً ومكانياً أعيد تشكيلها في قالب أدائي ومشهد بصري متكامل.
العمل من إنتاج مؤسسة مالتيدراما في سويسرا، وبالتعاون التقني مع مسرح القصبة في فلسطين، وهو من كتابة وأداء تهاني سليم، وإخراج سوسن دروزة، مع سينوغرافيا هالة شهاب، وموسيقى وتصميم صوتي لوسام قطاونة، بينما تولّت نيك برايمر تطوير المواد البصرية فنياً.
وأكدت تهاني سليم في حديثها لـ”العربي الجديد” أن الفريق اعتمد على مقاربة بصرية تجمع بين المسرح والسينما مع الحفاظ على البعد التوثيقي، بحيث تتحول هذه الشهادات الفردية إلى رمز جماعي للنزوح القسري الذي يعيشه أكثر من مليوني إنسان في غزة.
ويبرز مفهوم “الوثيقة” بوصفه الركيزة الأساسية في هذا العمل، وهو ما يشكل امتداداً لتجربة سوسن دروزة المسرحية التي تمتد لأكثر من 25 عملاً، حيث اعتبرت هذا المشروع فرصة لاختبار هذا المنهج ضمن “معمل 612 للأفكار”. وتظهر الوثيقة هنا في شكل مواد حقيقية من فيديوهات وتقارير صحافية أعيد توظيفها درامياً.
وانطلقت الفكرة من قلب الأحداث في غزة، ما دفع الفريق إلى العمل بأسلوب أقرب إلى الورشة الإبداعية، بهدف نقل المكان الغزّي وإنسانه إلى فضاءات عالمية بأقصى درجات الاختصار والتكثيف الفني. وتبرز في العرض قطعة قماش ضخمة تتحول بصرياً من خيمة إلى مساحة حماية، ثم إلى رمز للقصف والحصار والتجويع، لتصبح عنصراً محورياً في السرد البصري.
وجاء تتويج العمل في ختام الدورة الأولى من المهرجان الذي احتضنته مدينة كراكوف بين 1 و10 مايو، بمشاركة عروض من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأميركا الشمالية، حيث تناول البرنامج موضوعات الحرب والتهجير والرقابة والهوية والعلاقة بين الفرد والأنظمة الكبرى.
وفي مدينة كراكوف القريبة من موقع معسكر أوشفيتز التاريخي، اكتسب عرض يتناول الإبادة والنزوح في غزة بعداً رمزياً وثقافياً إضافياً، مثقلاً بإحالات تاريخية تتجاوز حدود الخشبة. وقد تحملت تهاني سليم، المقيمة بين سويسرا والأردن، مسؤولية إدارة هذا المشروع الذي ينتمي إلى التراجيديا الفلسطينية، في تجربة أدائية تتطلب حضوراً جسدياً وفنياً يعبر المكان والزمان في آن واحد.
وتواصل “أصوات عميقة” جولتها الدولية خلال شهر مايو عبر عروض جديدة في سويسرا.
طنجة الأدبية

