في روايته الأولى «عبث الأقدار»، يفتح الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ بوابة واسعة على عالم تتداخل فيه الأسطورة بالتاريخ، وتمتزج فيه السلطة بالمصير، ضمن سرد روائي يفيض بالدراما والتشويق. وبينما كنت أتنقل بين صفحات الرواية خلال رحلة طويلة إلى دبي، بدت الحكاية أكثر من مجرد عمل أدبي تاريخي؛ كانت تأملا عميقا في صراع الإنسان مع القدر، وفي حدود القوة حين تواجه إرادة السماء.
اقتنيت الرواية من مكتبة شعبية بمدينة بنسليمان قبيل سفري إلى الإمارات، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش توترا بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من إغلاق للأجواء الخليجية وإلغاء متكرر للرحلات الجوية. وسط ذلك القلق، جاءت «عبث الأقدار» كرحلة موازية إلى مصر الفرعونية، حيث الخوف والطموح والسلطة تتصارع جميعها تحت عين القدر.
تعد الرواية، التي حملت أيضا عنوان «حكمة خوفو»، أول عمل روائي في مسيرة نجيب محفوظ، وقد اعتمد فيها على الأسلوب التقليدي في الكتابة التاريخية، وهو النهج الذي واصله لاحقا في «رادوبيس» و«كفاح طيبة». غير أن قيمة الرواية لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، بل في قدرتها على خلق فضاء تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، عبر تصوير المجتمع الفرعوني الحاكم خلال مرحلة بناء هرم خوفو، بما تحمله من استبداد سياسي وصراع داخلي مع فكرة الحتمية.
تبدأ الأحداث داخل قصر الملك خوفو، حين يتحدث الساحر ديدي أمام الفرعون عن نبوءة تقضي بألا يجلس أحد من أبناء خوفو على عرش مصر من بعده، بل طفل حديث الولادة من أسرة كاهن يدعى «من رع». هنا يشتعل الصراع بين إرادة الحاكم وإرادة القدر، فيقرر خوفو قيادة حملة بنفسه لقتل الطفل الموعود، رافضا التسليم بما كتبته الآلهة.
لكن الرواية لا تسير في خط مستقيم، بل تبني عالما متشابكا من المفاجآت والالتواءات الدرامية، حيث تتدخل الأقدار في كل مرة لإنقاذ الطفل «ددف رع» من الموت، بينما تتوالى الخيانات والتضحيات والهروب عبر الصحراء، لتتشكل حكاية إنسانية عميقة عن الطمع والخوف والأمومة والرغبة في النجاة.
وتبرز شخصية «زايا» كواحدة من أكثر الشخصيات إثارة في الرواية، فهي الجارية العاقر التي يدفعها حرمانها من الأمومة إلى التعلق بالطفل الموعود، لتتحول مع مرور الأحداث من خادمة بائسة إلى سيدة قصر، بينما يواصل القدر لعبته الساخرة مع الجميع، من الفرعون حتى أبسط الشخصيات.
ومع تصاعد الأحداث، يكشف محفوظ عن جوهر الرواية الحقيقي: هل يستطيع الإنسان تحدي إرادة السماء؟ وهل تمنح القوة صاحبها الحق في تغيير المصير؟ هذه الأسئلة الفلسفية تظهر بوضوح في لحظة اعتراف خوفو المتأخرة، حين يدرك أن كل محاولاته للهرب من النبوءة قادته إليها في النهاية.
الرواية عرفت انتشارا عالميا واسعا، بعدما تُرجمت إلى عدة لغات، بينها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية، كما تحولت إلى مسلسل تلفزيوني بعنوان «الأقدار» بعد حذف كلمة «عبث» تجنبا لأي حساسيات دينية. وقد شارك في بطولته عدد من نجوم الدراما المصرية، من بينهم عزت العلايلي وأحمد سلامة.
ولعل أكثر ما يمنح الرواية بعدها الإنساني هو قصة بدايات نجيب محفوظ نفسه. فحين صدرت الرواية للمرة الأولى، لم يحصل الكاتب الشاب على مقابل مادي، بل تسلم 500 نسخة من عمله، ظل يبيعها بنفسه بصعوبة كبيرة داخل مكتبات القاهرة. ذلك الشاب الذي كان يجمع القروش القليلة من بيع روايته الأولى، سيصبح لاحقا العربي الوحيد الحائز على جائزة نوبل في الأدب، وصاحب مشروع روائي عبر حدود اللغة والسينما والمسرح ليستقر في ذاكرة الإنسانية.
إن «عبث الأقدار» ليست مجرد رواية تاريخية، بل شهادة أدبية على أن الإنسان مهما ظن أنه قادر على السيطرة على مصيره، يبقى في النهاية جزءا من لعبة أكبر منه. وهي أيضا تذكير بأن المجد لا يولد من الترف، بل من الصبر والعمل والإيمان بالبداية مهما كانت قاسية.
طنجة الأدبية

