الرئيسيةأخبارV&A East.. حين يتحول المتحف إلى مدينة ثقافية مفتوحة

V&A East.. حين يتحول المتحف إلى مدينة ثقافية مفتوحة

متحف V&A East

في قلب شرق لندن، داخل حديقة الملكة إليزابيث الأولمبية في ستراتفورد، يرسّخ متحف V&A East موقعه كأحد أكثر المشاريع الثقافية طموحاً خلال السنوات الأخيرة، ضمن التوسع الكبير لمؤسسة فيكتوريا وألبرت نحو منطقة “إيست بانك”، التي صُممت لتكون مركزاً ثقافياً يجمع بين الفن والتعليم والإعلام. وقد افتُتح المتحف السبت الماضي بعد أكثر من عقد من التخطيط، ليقدّم رؤية جديدة لدور المتحف في المدينة المعاصرة، بوصفه فضاءً مفتوحاً على الحياة اليومية أكثر من كونه مؤسسة تقليدية مغلقة.

يعتمد المبنى على هندسة تقوم على التكوين بدل الكتلة الصلبة، حيث تتشكل واجهاته من ألواح خرسانية مسبقة الصب تتباين في تفاصيلها لتخلق نسيجاً بصرياً يعكس هوية V&A. وفي الداخل، تتدرج الحركة عبر فراغات مترابطة تتصل بسلالم حلزونية ومسارات انسيابية تقود الزائر تدريجياً من مستوى المدينة إلى القاعات العليا، في تجربة معمارية تستحضر مفهوم “ما” الياباني، حيث يتحول الفراغ إلى عنصر فاعل في تشكيل الإيقاع الحسي والبصري للزيارة.

في الطابق الأرضي، ينفتح المتحف مباشرة على المدينة دون حواجز، ما يعزز حضوره كجزء من المجال العام أكثر من كونه مؤسسة منفصلة. وتساهم المقاهي ومساحات اللقاء في تحويل الدخول إلى المتحف إلى امتداد طبيعي للحركة الحضرية اليومية، في تكريس لفكرة المتحف كمساحة معيشة لا مجرد وجهة ثقافية.

يتأسس المشروع المفاهيمي للمتحف حول محور “لماذا نصنع”، وهو العنوان الذي يوجّه القاعتين الدائمتين المجانيتين، اللتين تعرضان أكثر من 500 قطعة من مقتنيات V&A. تمتد هذه الأعمال عبر مجالات الفن العالمي والتصميم والعمارة والأداء والموضة، دون التقيد بسرد زمني تقليدي، بل عبر بناء علاقات موضوعية بين القطع، تتمحور حول مفاهيم مثل الجسد والذاكرة والهوية والرعاية. وتبرز داخل هذا السياق أعمال معاصرة مثل فستان المصممة مولي غودار الذي ارتدته بيونسيه، إلى جانب قطع تعود إلى القرن السادس عشر، في حوار بصري يعكس تحولات الصورة والتمثيل عبر الزمن.

وفي قلب البرنامج الافتتاحي، يأتي معرض “الموسيقى السوداء: قصة بريطانية” كأبرز المعارض المؤقتة، الممتد حتى 3 يناير 2027، حيث يوثق 125 عاماً من تاريخ الموسيقى السوداء في بريطانيا، من الجذور الأفريقية والشتات الأطلسي إلى تطور أنماط موسيقية مثل الجاز والريغي واللفرز روك والجانغل والغرايم. يضم المعرض أكثر من 200 قطعة تشمل أزياء وآلات موسيقية وصوراً فوتوغرافية وأعمالاً فنية وأرشيفات صوتية، ويعتمد على تجربة سمعية تفاعلية عبر سماعات تتغير وفق حركة الزائر داخل الفضاء، ما يدمج الصوت بالبنية البصرية ويحوّل التجربة إلى قراءة حسية متعددة المستويات. ومن بين المعروضات غيتار جوان أرماتريدينغ وأزياء ليتل سيمز وأعمال توثّق أبرز مراحل الثقافة الموسيقية السوداء في بريطانيا.

إلى جانب ذلك، يطلق المتحف برنامجاً مستمراً من التكليفات الفنية المعاصرة لفنانين مثل إيس ديفلين وكاري ماي ويمس وتانيا بروجيرا ولورانس ليك ورينيه ماتي وشاهد سليم وغيرهم، حيث تُعرض الأعمال داخل المتحف وفي محيطه، في مقاربة تتفاعل مع التحولات العمرانية والثقافية لشرق لندن، وتتعامل مع المدينة كمواد قابلة لإعادة التشكيل الفني.

وفي المساحات الدائمة، يعاد تقديم مقتنيات فيكتوريا وألبرت ضمن قراءات موضوعية جديدة تتجاوز التسلسل الزمني، لتضع أعمالاً من عصور مختلفة في حوار حول الحرف والهوية والجسد والثقافة المادية. ويبرز محور “العناية بالنفس” كمجال يربط التصميم بالصحة والطقوس اليومية، من خلال أدوات تاريخية وصور فوتوغرافية تعكس العلاقة بين المادي والرمزي في التجربة الإنسانية.

ويعزز المتحف بعده الاجتماعي من خلال انفتاحه العمراني وتواصله مع مؤسسات شرق لندن مثل بي بي سي ميوزيك وسانديلرز ويلز إيست وجامعة كوليدج لندن إيست، إضافة إلى تنظيم فعاليات ومهرجانات سنوية في حديقة الأولمبياد، ما يضعه داخل شبكة ثقافية حية تتجاوز حدوده المعمارية.

بهذا التصور، يعيد V&A East تعريف وظيفة المتحف بوصفه فضاء لإنتاج المعنى وليس مجرد حفظه، ومساحة تتقاطع فيها الذاكرة بالحاضر، والفن بالحياة اليومية، والمدينة بسردياتها المتجددة.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *