حذر الفيلسوف ومؤرخ العلوم الفرنسي ماتيو كورتييل من المخاطر العميقة التي قد يطرحها الذكاء الاصطناعي العام، معتبراً أنه قد يتحول إلى أداة في خدمة نزعة احتكارية تهيمن على السوق، وتعمل على إضعاف الحس النقدي والأخلاقي، وتسعى إلى نمذجة السلوك الفردي والجماعي وفق منطق الربح والسيطرة.
وخلال محاضرة ألقاها الثلاثاء بالرباط، ضمن افتتاح الدورة 51 لأكاديمية المملكة المغربية، أوضح كورتييل أن مشروع الذكاء الاصطناعي العام لا يقتصر على كونه تطوراً تكنولوجياً، بل يحمل في جوهره نزعة لإضعاف العقل النقدي وترسيخ منطق الحتمية التكنولوجية، بما يخدم ما وصفه بإمبراطوريات التكنولوجيا الفائقة التي تضع الربح فوق كل اعتبار.
وتحدث الباحث، الذي يشرف على أبحاث في معهد Imagine للطب الجيني بفرنسا، عن ما سماه “مشروعاً استبدادياً تكنولوجياً” يسعى إلى إنتاج ذكاء اصطناعي يتمتع باستقلالية شبه مطلقة، ويعمل خارج أي إطار قانوني أو مرجعية أخلاقية، محذراً من أن هذا المسار ما يزال في بدايته ويتطلب تعبئة عالمية لمواجهته.
وأضاف كورتييل أن الخطاب التكنولوجي الحالي يحمل أبعاداً إيديولوجية وسياسية، يروج لفكرة فشل النموذج الديمقراطي الليبرالي، ويقدم الذكاء الاصطناعي كبديل شامل لحل مشكلات البشرية، في إطار ما يشبه “فيودالية تكنولوجية جديدة” تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة والسلطة. وطرح تساؤلاً مركزياً حول مدى إمكانية تسليم مصير الإنسان للخوارزميات.
ودعا الفيلسوف الفرنسي إلى ضرورة تفكيك ما وصفه بوهم العقلانية المطلقة للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الاختيار والإرادة والتواصل الإنساني لا يمكن تفويضها للآلة. كما حذر من الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي يمثل مصدراً مطلقاً للحقيقة أو ضمانة لتفادي الخطأ، مشدداً على أهمية التعامل معه كأداة معلوماتية فقط، بما يضمن حماية الإرادة الإنسانية والبعد الأخلاقي والاجتماعي للسلوك البشري.
وفي سياق آخر، أشار كورتييل إلى مجموعة من التأثيرات البيئية والعسكرية المرتبطة بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أنه يساهم في زيادة استهلاك الموارد الطاقية ورفع الانبعاثات الكربونية، إلى جانب دعمه غير المباشر لعودة الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما لفت إلى دوره في تطوير أنماط جديدة من الحروب تعتمد على الدقة التقنية، لكنها في الواقع تتسبب في خسائر بشرية ومادية جسيمة.
من جانبه، أكد أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة عبد الجليل الحجمري، خلال افتتاح الدورة، أن ثورة الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُفهم كأداة تقنية فقط، بل كنقطة تحول في علاقة الإنسان بالمعرفة والواقع، تستدعي إعادة صياغة الأدوات المنهجية للبحث العلمي، من مجرد جمع المعلومات إلى تحليلها ونقدها.
وشدد الحجمري على أهمية تحقيق توازن بين الابتكار التكنولوجي ووضع ضوابط أخلاقية وقانونية توجه استخداماته نحو خدمة الإنسان، معتبراً أن التطور التكنولوجي يجب ألا يتحول إلى وسيلة لاختزال الإنسان في معادلات رقمية، بل إلى أداة لتعزيز المعرفة الإنسانية.
كما دعا إلى ضرورة تعزيز حوار متوازن بين الخصوصيات المحلية والقيم التكنولوجية العالمية، مع التركيز على توطين الذكاء الاصطناعي بما يتلاءم مع حاجيات المجتمعات ويحترم هويتها الثقافية والمؤسساتية.
وتتواصل أشغال الدورة الحادية والخمسين لأكاديمية المملكة إلى غاية 23 أبريل، تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية: نحو نظرية معرفية مشتركة بين الإنسان والخوارزميات”، حيث تناقش تأثيرات هذه التكنولوجيا على مجالات الفلسفة والتاريخ والفنون والأدب والقانون والاقتصاد والبيئة والتنمية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التفكير النقدي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
طنجة الأدبية

