الرئيسيةمقالات و دراساتالحجاب بين العادة والعبادة محاولة لفهم مسألة الحجاب في سياق النص القرآني

الحجاب بين العادة والعبادة محاولة لفهم مسألة الحجاب في سياق النص القرآني

ˮالمسلمون إلى اليوم لم يستوعبوا جيدا فضيلة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، كمنظومة أخلاقية واجتماعية تتجاوز حدود الانتماء والملة الواحدة.. وكأداة ناجعة و”خطيرة”ـ من الأهمية ـ لنشر تعاليم الدين الإسلامي في العالمين، حتى بين غير المسلمين أنفسهم؛ حيث اعتقدوا أن تثبيت دعائم الإسلام يمر عبر تحويل تعاليمه إلى رزمة من المحرمات والممنوعات، وفرض مزيد من القيود، دونما مراعاة لسنة الله في “الحركة والتطور” التي لا تحابي أحدا. وأظن أن هذا الجهل بأهمية العرف ودوره في أسلمة الحياة العامة للناس على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، هو راجع إلى مفهوم الزمن في وعي المسلمين، الذي اتخذ منحى نكوصيا تابثا في مكان بعينه..ولما كان هذا الوعي بهذا المفهوم ينشد العودة إلى زمن بعينه كانت الحاجة إلى وضع قواعد عرفية جديدة غير مطلوبة. لأن العودة في الزمن تعني العودة إلى أعراف (فروض) تم القطع بثبوتيتها سلفا! ”
تعتبر قضية الحجاب من القضايا الخلافية التي شغلت بال وتفكير المسلمين خلال عقود طويلة. وقد انقسم المسلمون حيال هذا الموضوع إلى مذاهب شتى، يمكن إجمالها في تيارين رئيسين: الأول يرى أن الحجاب فريضة إسلامية قطعية الدلالة، لا تدع مجالا للظن أو لتأويلات مخالفة.. والثاني لا يرى فيه سوى عرف اجتماعي، توارثه المسلمون خلال قرون، لا سند له في القرآن ولا في السنة. هذا فضلا عن الاختلاف الحاصل بين هذه المذاهب حول تعريف الحجاب؛ وعما إذا كان هو غطاء الرأس فقط أم يمتد ليغطي جسم المرأة كله؟!
وفي محاولة لتسليط الضوء على هذه الإشكالية، أقدم فيما يلي قراءة متواضعة لموضوع الحجاب، منطلقا في ذلك من الآية الكريمة رقم 59 من سورة الأحزاب: ” ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. وكان الله غفورا رحيما”. وهي الآية التي أرى أن فهمها على الوجه الصحيح قد يفتح الباب أمام فهم جديد للآيات القرآنية التي يتم الاستدلال بها في موضوع الحجاب. كما قد يساعدنا على رصد بعض ” الظواهر القرآنية” في التنزيل الحكيم لا نلتفت إليها لأسباب تتعلق، إما بغياب الجرأة على طرح السؤال، أوالتهيب من التعامل المباشر مع القرآن الكريم خوفا من السقوط في ايدي حراس “شريعة”:”ليس في الإمكان إبداع أحسن مما كان”. وهو وضع ساهمت في تكريسه عدة عوامل، من بينها:
ــ بعد فشل اليهود، وخاصة منهم الذين تظاهروا بالإسلام وبطّنوا الكفر، في تحريف القرآن الكريم، انتقلوا إلى “الخطة الموالية” بدسهم أحاديث مكذوبة على رسول الله، وإدخالهم قصصا إسرائلية في تفسير القرآن الكريم لا يقبلها عقل ولا منطق..وكل هدفهم أن يباعدوا بين المسلم وكتاب الله، وأن يجعلوا من العودة إلى القرآن الكريم مطلبا “مسكوت عنه” للإجابة على الأسئلة المستحدثة في حياة المسلم.
ــ وقوف الفقهاء في وجه كل من يقترب من القرآن تفسيرا أو شرحا، بحجة أن الأمة وضعت ظوابط وأصول لتفسير القرآن وشرح الحديث، لا يقدر عليه كل إنسان! فكثر الاجترار وتراكم منتوج فقهي يكرر نفس الأجوبة على أسئلة تتباعد في الزمان والمكان..رافضا الإقرار بأن الوصول إلى نتائج مغايرة يقتضي ضوابط وأدوات نقدية ومنهجية مغايرة …
وكمثال على هذا الجذب الفقهي الذي طبع مسار الفقه الإسلامي، وأبقاه معزولا عن الحياة العامة للفرد المسلم، نورد فيما يلي تفسيرا للآية المذكورة، بقلم ثلاثة من كبار المفسرين والمؤرخين المسلمين، وكيف أن هذه التفاسير لا تكاد تختلف عن بعضها البعض رغم الفارق الزمني الكبير الذي يفصل بين أصحابها:
يقول ابن جرير الطبري (224هج ــ 310هج): “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوهن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول”.
ويقول ابن كثير (701هج ــ 774هج) : “يقول تعالى آمرا رسوله (ابن كثير استعمل هنا لفظة رسوله وليس نبيه، كما وردت في الآية!) أن يأمر النساء المؤمنات، خاصة أزواجه وبناته لشرفهن، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو الخمار..”.
ويقول ابن عاشور(1879م ــ 1973م): ” وابتدئ بأزواج النبي (ص) وبناته لأنهن أكمل النساء، فذكرهن من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام به…فليس المراد بالنساء هنا أزواج المؤمنين بل المراد الإناث المؤمنات، وإضافته إلى المؤمنين على معنى (من) أي النساء من المؤمنين”.
الملاحظ، أن الشروحات التي أعطيت لهذه الآية إلى اليوم لا تبتعد كثيرا عن المعنى العام الذي قصد إليه المفسرون الثلاثة، مع بعض الاختلافات البسيطة المتعلقة بأسباب النزول..بل قد يحس الدارس وهو يقرأ هذه الشروحات أن غالبية المفسرين قد سقطوا في نوع من الحيرة والاضطراب، وهم يحاولون إضفاء صفة الأبدية على الأمر الإلهي، الذي حصر في الزمن “هوية” المعنيين بهذا الأمر في زوجات النبي وبناته ونساء المؤمنين …
وربما لهذا السبب تجد بعض المفسرين في معرض تفسيرهم لهذه الآية، لا يأتون على ذكر “زوجات النبي وبناته” إلا عرضا، بينما تجدهم يستفيضون إلى حد الإطناب في شرح معنى “نساء المؤمنين”، لكون بعدها الدلالي يتجاوز زمن نزول الوحي، ويعطي انطباعا “جيدا” بأن الأمر بارتداء الحجاب هو فريضة إلهية على المرأة المسلمة في كل زمان ومكان..
لكن السؤال الذي لم يطرحه، في حدود علمي، المفسرون الثلاثة ، ولا غيرهم من المفسرين المتقدمين ولا المتأخرين بخصوص هذه الآية الكريمة، هو: لماذا اختار الله أن يوجه خطابه بخصوص هذا الموضوع ( الأمر بإدناء الجلابيب) إلى النبي (ص)، ولم يوجهه مباشرة إلى أزواجه وبناته ونساء المؤمنين، بقوله تعالى “يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين..الخ الآية”؟! أليس القرآن الكريم حافل بآيات بينات يوجه فيها الله الخطاب مباشرة إلى من يعنيه أمر التكليف ؟! ثم لماذا خاطبه الله بـ “ياأيها النبي” وليس بـ “ياأيها الرسول”؟ وما الدلالة على حصره تعالى هوية المأمورين في أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين؟ وما معنى أن يأتي على ذكر “نساء المؤمنين” وليس النساء المؤمنات؟؟
لا أظن أن أحدا من الدارسين للتنزيل الحكيم يمكنه أن يستسهل طرح مثل هذه الأسئلة، وهو يعلم أن كل كلمة في الاستعمال القرآني منتقاة بعناية فائقة ودقة متناهية؛ أرادها الله أن تحمل دلالة معينة، لا يتم المعنى إلا بها.
ومن هنا نجد أن توجّه القرآن الكريم بالخطاب مباشرة للنبي (ص)، بأن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن…هو أمر متعلق بحدث محصور في عهد النبي محمد (ص)، ولا يتعداه لما بعده في الزمن.. فالخطاب القرآني هنا موجه للنبي باعتباره مسؤولا مباشرا عن أزواجه وبناته اللائي في عصمته ومن نسله، وعن نساء المؤمنين الذين آمنوا بالرسول وصدقوا دعوته وقبلوا(أي المؤمنون) أن يكونوا تحت طاعته. وهو لهذا جاء ذكر الله لأزواج النبي وبناته، كذوات محصورة في الزمن، حتى لا يذهب الظن بأن النصح بإدناء الجلباب هو قضاء مفروض على نساء المؤمنين عامة.
والشاهد عندنا، أن القرآن الكريم استعمل في خطابه مصطلح “النبي” بدل “الرسول”، وذلك على اعتبار أن النبي غير مأمور بالتبليغ؛ أي أن النبوة، كما يقول الدكتور محمد شحرور، هي “علوم وتعليمات. والنبي في مقام النبوة يخطئ ويصيب ويستشير أصحابه، ولذلك نرى ــ يضيف ــ أن الله حينما أراد أن يصحح للرسول صحح له من مقام النبوة وليس الرسالة: قال تعالى: (ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك). وقال تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)”.
بينما “الرسول هو من بعث برسالة وأوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه والعمل به”. ولهذا لما أراد الله أن يذكّر الرسول (ص) بأنه مأمور بتبليغ ما أنزل عليه خاطبه من مقام الرسالة وليس من مقام النبوة: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك. وإن لم تفعل فما بلغت رسالته…إلخ) المائدة، الآية 67. وهو ما يفسر خلو القرآن الكريم من عبارة بهذه الصيغة: “يا أيها الرسول قل”.
وللإشارة، يتضمن القرآن الكريم آيتين وردتا بنفس الصيغة التي جاءت بها الآية 59 من سورة الأحزاب؛ حيث عنصر الزمن حاضر بقوة، ولا يدع مجالا للشك بأن الأمر يتعلق بتعليمات إلهية تمت في ظرف محدد لمجتمع محدد. يقول الله تعالى:(يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) الأحزاب، الآية 28. ويقول أيضا: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) الأنفال، الآية 70.
فأين نحن اليوم من أزواج النبي وأسراه حتى يستقيم القول بأن ما جاء في هذه الآيات من تعليمات هو تشريع إلهي يحمل صفة الأبدية، وليس مرتبطا بظرف معين في زمان ومكان معينين؟!
ومما يقربنا من فهم دلالة الأمر الإلهي في هذه الآية (59) ، نشير إلى أنه بعد نزولها قام بعض الصحابة بمنع الإماء من إدناء عليهن من جلابيبهن حتى لا يختلطن بالحرائر. وكان عمر (ض) ، كما جاء في تفسير القرطبي، “إذا رأى أمة تقنعت ضربها بالدرة محافظة على زي الحرائر”. أي أنهم كانوا يعتقدون حقا أن هذه التعليمات الواردة في الآية المذكورة هي خاصة بأزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين، حتى يعرفن أنهن حرائر ولسن بإماء ولا عواهر! ولو كانت هذه التعليمات تدخل حقا في مقام الرسالة لما سكت عنها الرسول (ص)، ولما فسرها الصحابة هذا التفسير الذي ينسجم وواقع الحال لذلك الوقت.
أما دلالة استعمال الآية لعبارة “نساء المؤمنين”، وهي العبارة التي فسرها ابن عاشور بـ “الإناث المؤمنات”، وذلك حتى تستقيم وفهمه القبلي لمسألة الحجاب! فهي عبارة يراد بها الدلالة على أزواج المؤمنين أوما ملكت أيمانهم، سواءا كانت هاذه الأزواج/ النساء مسلمات أو غير مسلمات( يجب ألا ننسى أن المسلم مسموح له شرعا الزواج من غير المسلمة /الكتابية). بل يمكن لمدلول العبارة أن يمتد ليشمل كل النساء اللائي يعشن في مجتمع المؤمنين، تماما كما نطلق اليوم عبارة “نساء المغرب” على كل امرأة تحمل الجنسية المغربية، بغض النظر عن دينها أو لغتها أو عرقها…
أما السبب الذي جعل، في تقديري، ابن عاشور وغيره من المفسرين، يذهب هذا المذهب في تفسير “نساء المؤمنين” بالإناث المؤمنات هو إقراره المسبق بالحجاب كفريضة واجبة على كل مسلمة. ولما كانت الفريضة تدخل في باب العقيدة، وجب أن يكون خطاب التكليف موجها إلى المسلمة دون غيرها! وهكذا يكون ابن عاشور قد وجد “مخرجا” لتفسيرهذه العبارة بليّ عنقها وجعل معناها ينحرف ليستقر حيث أراد المفسِّر لا المفسَّرُ…
بينما لو كان المفسرون قد تعاملوا مع الآية الكريمة من منطلق التمييز بين مصطلح “النبي” ومصطلح “الرسول” لأدركوا أن المقصود بإذناء الجلابيب هن عامة النساء ـ المسلمات وغير المسلمات ـ وأن هذا الأمر المطلوب احترامه من كافة النساء يدخل في باب “العرف “* وليس في باب الفريضة. وقد اختار الله أن يؤسس لهذا الأمر الخاص بلباس النساء خارج البيت، عبر بوابة العرف، لأن العرف غالبا ما يكون هو المهيمن في المجتمعات الإنسانية على اختلاف تنوعها الديني والعرقي والثقافي… فأنت مثلا، قد تأمر زوجتك المسلمة بالتزام أمر يدخل في باب العقيدة. لكنه، غير مسموح لك شرعا أن تفعل ذلك مع زوجتك غير المسلمة. بخلاف ذلك، يمكنك أن تطلب ـ من باب العرف ـ من غير المسلمين المقيمين في مجتمع مسلم أن يحترموا أعراف المسلمين.
ولهذا كان النص القرآني واضحا في التمييز بين خطابه الموجه لعامة “نساء المؤمنين”، بالاقتصار فقط على الإذناء من جلابيبهن، وبين خطابه الموجه، على لسان النبي أيضا، إلى “المؤمنات” في الآية 31 من سورة النور؛ حيث يلاحظ أن “سقف المطالب الإلهية” ــ إن صح التعبير ــ قد ارتفع قليلا بالنسبة لطائفة المؤمنات. يقول تعالى: ” وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهم أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون”.
والفرق بين الخطابين هنا هو فرق يعود إلى طبيعة العرف؛ حيث هناك عرف عام، يشترك فيه أغلب الناس، وهو ما ينطبق هنا على زوجات النبي وبناته ونساء المؤمنين. وعرف خاص، وهو ما اقتصر على طائفة معينة من الناس؛ وينسحب هنا على طائفة المؤمنات.
والحديث عن العرف أو “المعروف”، حسب الاصطلاح القرآني،يقودني إلى الإشارة إلى نقطة مهمة تبدت إليّ وأنا أستقرئ الآيات القرآنية التي وردت فيها هذه اللفظة. فقد تبين لي أن المؤهل في المجتمع الإسلامي لجعل فعلا اعتياديا (من العادة) يتحول إلى عرف اجتماعي هم طائفة المؤمنين. ففضلا عن الآية 59 من سورة الأحزاب، التي وردت فيها لفظة “المؤمنين”، مضافة إلى “نساء”. وفي الآية 31 من سورة النور التي جاء فيها الخطاب موجها إلى “المؤمنات” بغض البصر وحفض الفرج..نجد جل الآيات القرآنية التي وردت فيها عبارة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” جاءت مسبوقة أو متبوعة بلفظة المؤمنين أو المؤمنات. يقول تعالى في سورة آل عمران، الآية 114: “يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين”. ويقول تعالى في سورة التوبة، الآية 71: ” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله.اولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم”.
ويرجع السبب في إسناد مهمة الأمر بالمعروف إلى طائفة المؤمنين كون هؤلاء يتميزون بالطاعة التامة لما يدعوهم إليه الله ورسوله، ولا يعصون لهما أمرا، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية نشر تعاليم الإسلام بين العالمين. يقول الله تعالى في الآية 51 من سورة النور: ” إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولائك هم المفلحون”.
وهي نفس القاعدة الاجتماعية التي يمكن أن تنسحب على كافة المؤمنين، بغض النظر عن طبيعة الرسالة التي يؤمنون بها. فالرسالة، أي رسالة، لا تجد طريقها إلى عقول الناس وقلوبهم إلا على يد المؤمنين بها، المستعدين للتضحية من أجلها.
ملاحظة ثانية لابد من الوقوف عندها، وهي أن العرف غالبا ما يكون أوسع مدى وأكثر انتشارا وتمثلا من الفرض في المجتمعات الإنسانية..ومن هنا تأتي الحكمة الإلهية من إعطاء فضيلة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” كل هذه الأهمية، وإسناد مهمة الاضطلاع بها إلى طائفة المؤمنين من المسلمين، وذلك حتى يسود العرف وتنتشر “روحه” الإسلامية بين الناس، فتتقلص معه بذلك دائرة الأفعال المنكرات. بينما على العكس من ذلك، لو حولنا العرف إلى فرض أو واجب، فسيجد نفسه (أي العرف) “يشتغل” على عكس طبيعته التي تتميز بالحركة والتطور، وسينكره أصحاب العقائد الأخرى، فيضيع بذلك مكونا مهما من مكونات ما يسمى اليوم بـ”المواطنة”، التي تقوم على الاختلاف والتعدد..
ونحن نقترب من نهاية هذا المقال، كان لا بد من طرح سؤال مهم، يشكل الجواب عنه رفعا لكل لبس أو غموض قد يطال هذه القراءة، التي يمكن أن تعطي الانطباع بالحكم على النص القرآني بالتاريخانية؟! فما الفائدة اليوم من هذه التعاليم إذا قلنا أنها مرتبطة فقط بزمن النبي (ص) وأزواجه وبناته..؟! فهل جاء القرآن الكريم لينظم حياة النبي الشخصية أم جاء للناس كافة ؟!
أولا، لا بد من العودة إلى نقطة الانطلاق، والتذكير بأن السبب الذي من أجله طولب من زوجات النبي وبناته ونساء المؤمنين أن يذنين عليهن من جلابيبهن، هو الخوف من أن يتعرضن للأذى. فكما جاء في تفسير الطبري، وهو يتحدث عن أسباب نزول الآية، أن النبي (ص) قدم إلى المدينة، “فكان نساء النبي وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن. وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل. فأنزل الله (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة”.
فواضح من الآية الكريمة، أن الأمر بإدناء الجلباب جاء جوابا على الأذى الذي يمكن أن تتعرض له النساء خارج البيت. أي أن “أمر الإدناء” جاء مرتبطا بسبب خارجي وليس بشكل معين من اللباس ينبغي على المرأة المسلمة أن تلبسه، وإلا لكان الله قد فرضه من مقام الرسالة، دونما حاجة لربطه بالتعرض للأذى. بمعنى آخر، أن أمر الإدناء يظل قائما ما دام هناك أذى. وإذا زال الأذى زال معه السبب إلى الدعوة بإدناء الجلابيب .. لكن هل يزول الأدى؟!
قد يزول الأدى وقد لا يزول. وقد يخف، وقد يزداد وطأة وقوة.. لكن ما ينبغي التأكيد عليه، أن كل الأشياء التي تدخل في باب المتغيرات؛ من لباس وأكل وشراب وعادات وتقاليد..تبقى خاضعة لمنطق العرف وليس الواجب. وهذا يتماشى مع سماحة وسعة الإسلام، الذي ضيَّق كثيرا من مساحة المحرمات في شرعه. فالتابث الوحيد الذي لا يقبل الله بخرقه هو الشرك بالله (إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك…) النساء، الآية 48. لأن الفرق شاسع بين أن تصنع عرفك وعرف مجتمعك من داخل منظومة التوحيد، وأن تصنع هذا العرف من خارجه..ومن هنا ندرك الحكمة الإلهية من ورود عبارة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في القرآن الكريم دائما مقرونة بـ”الإيمان بالله”…
وفي تقديري المتواضع، أن المسلمين إلى اليوم لم يستوعبوا جيدا فضيلة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، كمنظومة أخلاقية واجتماعية تتجاوز حدود الانتماء الواحد.. وكأداة ناجعة و”خطيرة”ـ من الأهمية ـ في نشر تعاليم الإسلام في العالمين، حتى بين غير المسلمين منهم؛ حيث اعتقدوا أن تتبيث دعائم الإسلام يمر عبر تحويل تعاليمه إلى رزمة من المحرمات والممنوعات، وفرض مزيد من القيود، دونما مراعاة لحركة الزمن..حتى ضاقت الدنيا بما رحبت، وأوشك الزمن أن يتجمد في مكانه لولا سنة الله في “الحركة والتطور” التي لا تحابي أحدا. وأظن أن هذا الجهل بأهمية العرف ودوره في أسلمة الحياة العامة للناس على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، هو راجع إلى مفهوم الزمن في وعي المسلمين، الذي اتخذ منحى نكوصيا تابثا في مكان بعينه (هكذا كان يجلس الرسول (ص)، وهكذا كان يأكل ويشرب، وهكذا كان ينظف أسنانه…وهكذا كان يفعل السلف كذا وكذا من الأمور…)! ولما كان الوعي بهذا المفهوم ينشد العودة إلى زمن بعينه كانت الحاجة إلى وضع قواعد عرفية جديدة غير مطلوبة. لأن العودة في الزمن تعني العودة إلى أعراف (فروض) تم القطع بثبوتيتها سلفا!!
فالقول بالعرف في مسألة الحجاب، أوباشتراط الأذى لإدناء الجلباب، قد يساعدنا اليوم على فهم إشكالية الحجاب في المجتمعات غير الإسلامية. فإذا كان الله قد جعل من التعرض لللأذى المبرر الذي بسببه أمر النبي (ص) أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، فلماذا لا يكون هو المبرر نفسه (اي التعرض للأذى) الذي نسائل به حجاب المرأة المسلمة في المجتمعات الغربية، عندما يصبح ارتداء هذا الحجاب سببا للأذى؟! أليس من الشرع والمنطق أن تحترم المرأة المسلمة أعراف غيرها من الناس بتخلّيها عن ممارسة عرف من أعرافها في مجتمع لا يرضى منها هذا العرف؟! فختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله (وكان الله غفورا رحيما)، ليس إلا تأكيدا منه تعالى بجواز تخلي المرأة المسلمة عن هذا العرف إذا وجدت نفسها مرغمة على تركه. فالله غفور رحيم، ولا يمكن أن يحاسب إنسانا على شيء أُرغم على فعله. عكس ما ذهب إليه المفسرون من أن المقصود بمغفرة الله ورحمته هن النساء الائي سبق لهن ان خرجن “متبرجات” قبل نزول الآية الكريمة!.
وبخصوص شكل الحجاب وصفته، فقد اختلف المفسرون في صفة “الإدناء”؛ فمنهم من قال أن تغطي النساء وجوههن ورؤوسهن ولا يبدين إلا عينا واحدة..ومنهم من قال أن يشددن جلابيبهن على جباههن..إلى غير ذلك من الأقوال التي، وإن اختلفت في بعض الجزئيات البسيطة، فقد اتفقت جميعها على أن المستفاذ من الجلباب ــ مفرد جلابيب ـ هو لباس يغطي جسد المرأة من أعلى الرأس إلى الأسفل، ويحجبها عن عيون “المتغزلين” من الرجال. لكن إذا تمعنا عبارة “من جلابيبهن” يتبين أن ما يأمر الله بإدنائه هو طرف (أي جزء من كل) من الجلباب، الذي كانت ترتديه النساء أصلا قبل نزول الوحي. وبالعودة إلى معنى لفظة “أدنى” في اللغة العربية نجد قاموس المعجم الوسيط يشرحها في باب “أدنى الثوب” بـ: أرخاه وأطاله. بمعنى أن فعل الإدناء يتم من الأعلى إلى الأسفل. فهل هذا يعني أن النساء كانت تخرج وقتها وهي تحمل فوق رأسها أو كتفها جلبابا مطويا حتى يُطلَب منها أن تدنيه عليها؟! أم أنها كانت تخرج وهي تمسك بجلبابها من أطرافه السفلى وترفعه إلى خصرها فتظهر سيقانها، أوتكشف عن دراعيها بخيط تربطه إلى كتفيها حتى لا تضايقها أكمامه، تماما كما لا تزال تفعل نساء البوادي إلى اليوم عندما تخرجن للحصاد أو لتنظيف الثياب أو لسقي المياه من العيون والآبار..؟!
والذي يجعلنا نميل إلى فرضية أن الأمر بإدناء الجلباب ليس القصد منه جعل المرأة متنكرة في لباسها غير معروفة لأحد، ذلك أن استعمال القرآن الكريم لعبارة (ذلك أذنى أن يعرفن)، جاءت لتعطي عكس المدلول الذي نفهمه اليوم من الحجاب، كلباس يحجب المرأة عن الظهور والبروز…بل كشكل من اللباس يميزها (يعرّفها) عن “تبرج الجاهلية الأولى” ويدفع عنها الأذى الذي يمكن أن يطالها من “المتحرشين” ـ بلغة اليوم. وهو “أدنى” إجراء يمكن للمرأة أن تقوم به لحماية نفسها من الأذى. لأن الجلباب وحده غير كاف لمنع الأذى عن المرأة و التحرش بها.. فالمرأة قد تستطيع منع نفسها من التبرج. لكنها غير قادرة على منع “جبلة” التحرش عن الآخر، الذي هوالرجل. ثم إن المتحرشين لا يتشابهون ولا يملكون نفس الأذواق “التحرشية” ـ إن صح التعبير. فهناك من يعجبه في المرأة قوامها، وهناك من يعجبه وجهها، والثالث شعرها، والرابع مشيتها، والخامس زيها..بل هناك من لا ينتظر أن يرى من المرأة زينة من زينتها حتى يتحرش بها. فهو يتحرش بامرأة وكفى! وبما أن مقاييس الجمال هي مقاييس متحركة وغير تابثة كان منطقيا، وهذا يتوافق مع حركة محتوى النص القرآني، ألا يوضع شكل تابث للباس المرأة كما الرجل، وإن كان الله قد جعل هذا الشكل يتحرك بين حدين: حد أذنى، وهو إضراب الخمور على الجيوب. وحد أعلى، وهو إدناء الجلابيب. وذلك حسب تطور الزمن، وحسب أعراف وتقاليد كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية.
وختاما، وعلى علاقة بموضوع حجاب المرأة المسلمة بالبلدان الأوربية، اطلعت على بعض الترجمات الأجنبية للآية 59 من سورة الأحزاب ، فلاحظت أن الترجمة غالبا ما جاءت تحمل المعنى الذي قصد إليه المترجِم وليس النص المترجَم. وهذا ما يزيد من تعميق سوء الفهم للنص القرآني من لدن غيرالمسلمين والمسلمين غير العرب. فبالنسبة لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) ترجمت إلى الفرنسية بالعبارة التالية:
ليصبح معناها: يدنين عليهن حجابهن الكبير (أو الواسع)! (de ramener sur elles leurs grands voiles)-
وفي الإسبانية صارت:
:أي، أن يلتحفن من الأعلى بلباسهن. وهي ترجمة تتماهى (Que se cubran desde arriba con sus vestidos)-
مع التعبير المعروف (من أعلى الرأس إلى أخمص(أسفل) القدمين)!
وتبقى الترجمة الإنجليزية هي الأقرب إلى النص الأصلي:
:أي أن يدنين عليهن جزءا (أو طرفا)(to bring dowen over themselves (part) of their outer gaments) –
من لباسهن الخارجي.
وقس على ذلك العديد من الآيات القرآنية التي تحتمل معانيها عدة أوجه. صحيح أن الترجمة تبقى مسألة ضرورية لتقريب القرآن من أفهام غير العرب. لكن أن يتم تحميل الترجمة معاني تتماهى ومذهب معين، يملك أصحابه المال الكافي لإنجاز مثل هذه الترجمات، فهو عمل يخدم “دين” المذهب وليس دين الإسلام…ذلك ما لاحظناه في هذه النماذج المترجمة، وكيف تحس وأنت تقرأها وكأن المترجم يلوي عنق العبارة لتخدم فهما معينا لمسألة الحجاب، بعد أن لووا عنق كثيرا من النصوص القرآنية والنبوية لخدمة نفس الأهداف والغايات…والله أعلم.

أحمد بومقاصر – المغرب
ـ أستاذ باحث ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٭ العرف هو اعتياد الناس على سلوك معين في معاملاتهم أو تصرفاتهم مع اعتقادهم بإلزامية إتباع هذا السلوك كقاعدة قانونية
Qura.ksu.edu.sa بالموقع الإلكتروني: KSU٭٭ الإحالات التي تم الاستشهاد بها في هذا المقال، من نصوص قرآنية وتفسيرية وترجمة، منقولة عن تطبيق

:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.