الرئيسية ⁄ إبداع ⁄ قصة: اختفاء الحسين

قصة: اختفاء الحسين

منذ أن دخلنا مسجد الحسين، كان عبد الرحمن يبحث عن رجل كان هنا منذ عام، لكنه ظل في ذاكرته.
لم يكن يبحث عن الحسين. ولا عن الضريح.
ولا عن القبة التي كنت أريد أن أشرح له تاريخها.
كان يبحث عن رجل الحلوى.
دخل المسجد، وقف في منتصفه، ثم بدأ يحرك رأسه يمينًا ويسارًا كمن فقد شيئًا يعرف بالضبط أين وجده آخر مرة.
قال: بابا… فين بتاع الحلاوة؟
قلت: مين؟
نظر إليّ باستنكار. كأنني أنا الذي نسيت.
بتاع الحلاوة يا بابا… اللي كان معاه الشنطة.
تذكرت.
كان شيخًا نحيلًا، لا أعرف اسمه، يحمل حقيبة قماشية، يفتحها وسط الزحام، ويخرج منها قطع الحلوى ويوزعها على الأطفال. لا ينتظر شكرًا، ولا يطلب شيئًا. يعطي الحلوى ثم يختفي.
قلت: مش هنا.
سأل فورًا:راح فين؟
معرفش.
واصل البحث.
طب الراجل أبو الشال الأخضر؟
مش موجود.
والراجل اللي كان بيقول: مدد يا حسين… صلّوا على النبي؟
مش موجود.
ظل ساكتًا.
ثم قال:والست اللي كانت بتعيط؟
هذه المرة لم أجد جوابًا سريعًا.
رفعت عيني ناحية المكان الذي كانت تقف فيه. كان فارغًا.
قلت: مش موجودة.
نظر إليّ. ثم إلى المكان. ثم عاد ينظر إليّ.
كان عبد الرحمن قد جاء إلى الحسين وفي رأسه صورة كاملة للمكان. لكن المكان نفسه لم يحتفظ بالصورة.
في العام الماضي، كان الحسين شيئًا آخر. لم يكن هادئًا كما هو الآن.
كانت هناك حلقة من الرجال. دائرة بشرية لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. أقدام تضرب الأرض. أجساد تهتز. رجل يدور حتى يبدو كأن الأرض هي التي تدور تحته. وصوت يخرج من وسط الحلقة: مدد يا حسين… صلّوا على النبي.
فترد أصوات من كل ناحية.
وكان عبد الرحمن يمسك يدي.
سألني:هما بيعملوا إيه؟
قلت:بيذكروا ربنا.
قال:طب ليه بيلفوا؟
نظرت إلى الحلقة. ثم إليه. لم أعرف.
قلت:معرفش.
وظل ينظر.
ثم ظهر الرجل صاحب الجلباب الأبيض والعباءة. لم يكن يفعل شيئًا. كان واقفًا فقط. ومع ذلك، كان الناس يعرفونه. رجل يقبل يده. وآخر ينحني أمامه. وثالث يمسك بطرف عباءته.
ثم كانت هناك المرأة. واقفة أمام الضريح. تبكي بصمت.
أما اليوم، فقد أصبح كل شيء مرتبًا.
الأبواب لها مواعيد. الدخول له نظام. الخروج له نظام. النساء من هنا. والرجال من هناك. الضريح له مواعيد.
لا أحد يفترش الأرض. لا أحد ينام في الركن. لا حلقة. لا أقدام تضرب الأرض. لا رجل بشال أخضر. لا رجل يحمل حقيبة حلوى.
نظر عبد الرحمن حوله.
ثم قال:هما اختفوا ليه؟
قلت:المكان اتنظم.
سأل:مين نظمه؟
ترددت لحظة، ثم قلت:
المحافظ.
قال:المحافظ؟
قلت: أيوه.
عبد الرحمن لم يناقشني. استمع فقط.
قلت:المحافظ نظم المكان، فالفوضى اختفت.
قال:يعني المحافظ قال لهم يمشوا؟
قلت: مش بالضبط.
أمال عمل إيه؟
عمل نظام.
فكر قليلًا. ثم قال:والنظام خلّى الناس تمشي؟
قلت:أيوه.
هز رأسه.
انتهى الأمر.
خرجنا.
كان عبد الرحمن صامتًا. ظننت أنه نسي الموضوع.
لكن عند باب المسجد لمح شرطيًا واقفًا. فترك يدي وجرى نحوه.
وقف أمامه، رفع رأسه، وقال بكل جدية:
عمو؟
انحنى الشرطي:
نعم يا حبيبي؟
نظر عبد الرحمن إليه لحظة، ثم قال:
بتاع الحلاوة والست اللي كانت بتعيط والراجل اللي كان بيقول صلّوا على النبي… مشيوا؟
هز الشرطي رأسه في حيرة.
أكمل عبد الرحمن:
وأخذوا الحسين معاهم؟
تسمّر الشرطي في مكانه.
ثم نظر عبد الرحمن إلى وجهه، وقال:
ممكن تقول للمحافظ يمشي… عشان بتاع الحلاوة يرجع، ويرجّع الحسين معاه؟
ظل الشرطي صامتًا.
أما عبد الرحمن، فظل واقفًا أمامه، منتظرًا جوابًا لا يأتي.

فرحات جنيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *