صدر عن دار بصمة للنشر والتوزيع كتاب «يد مي محجوبة: شذرات من سيرة عاملة مغربية»، للكاتب أحمد القصوار، بتقديم الأستاذ عزيز لزرق، في عمل سيرذاتي يستعيد سيرة الأم محجوبة بلحافة، التي رحلت سنة 2012، ويوثق جوانب من حياتها ومسارها المهني والاجتماعي، باعتبارها نموذجاً لنساء مغربيات كافحن في صمت من أجل إعالة أسرهن وتربية أبنائهن وبناتهن.
ويستعيد الكتاب، من خلال شذرات وذكريات شخصية، علاقة الكاتب بأمه، مستحضراً تفاصيل من حياتها كامرأة عاملة في مصنع للغزل والنسيج بمنطقة تابريكت بمدينة سلا، حيث أمضت أربعين سنة من عمرها في العمل، في تجربة تختزل جانباً من تاريخ المرأة المغربية ومساهمتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية خلال مرحلة توسع التصنيع بالمغرب، ولا سيما خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
ولا يقتصر هذا العمل على استعادة ذكريات شخصية عن الأم، بل يتجاوزها إلى محاولة إنصاف فئة من النساء اللواتي التحقن بالمصانع في المدن والأحياء الشعبية، وأسهمن بجهدهن اليومي في إعالة أسرهن وتكوين أجيال جديدة، من دون أن يحظى مسارهن دائماً بما يستحقه من توثيق واعتراف.
ويؤكد أحمد القصوار، من خلال هذا الكتاب، رغبته في جعل «يد مي محجوبة» اعترافاً وتخليداً لذكرى امرأة عاملة وذاكرتها، ونموذجاً لنساء مغربيات نسجن، بعرقهن وصبرهن وتضحياتهن، حكايات أسرهن ومسارات حياتهن.
عزيز لزرق: سيرة أم تتجاوز حدود الذاكرة الفردية
في تقديمه للكتاب، الصادر في طبعته الأولى سنة 2026، ينظر الأستاذ عزيز لزرق إلى «يد مي محجوبة: شذرات من سيرة عاملة مغربية» باعتباره عملاً يحتفي بالأم بوصفها حضوراً مستمراً في الذاكرة، وأثراً وجدانياً لا يمحوه الغياب. فالأم، كما يستشف من قراءته، ليست مجرد ذكرى تستعاد من الماضي، بل قوة معنوية تمنح الحاضر معناه، وتفتح أمام المستقبل أفقاً متجدداً للحنين والعودة إلى الجذور.
ويبرز تقديم لزرق الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للسيرة، معتبراً أن محجوبة تمثل صورة المرأة المكافحة التي أفنت زهرة شبابها في مصنع للنسيج، وظلت على مدى أربعة عقود تمارس عملها وتنسج علاقاتها مع زميلاتها العاملات، في تجربة تتجاوز حدود الحياة الشخصية لتلامس تاريخ الطبقة العاملة النسائية بالمغرب.
لقد كانت يد محجوبة، وفق هذه القراءة، أكثر من أداة للعمل والإنتاج؛ فقد كانت وسيلة لصناعة الخيط، وفي الوقت نفسه رمزاً للكدح والصمود وبناء الأسرة. ومن خلال هذه اليد، تمكنت المرأة من شق طريقها في مجتمع تحكمه تقاليد وأعراف لم تكن تمنح النساء دائماً المساحة الكافية لإبراز قدراتهن واستقلاليتهن.
ويشير لزرق إلى أن الكتاب لا يقدم تجربة الأم في صورة حكاية مكتملة ونهائية، بل يستعيدها عبر صور وذكريات متفرقة، تستحضر الطفولة والعلاقة بالأم، وتترك للقارئ مساحة للمشاركة في بناء المعنى وتأويل التفاصيل. فالشذرات لا تقول كل شيء، لكنها تفتح أبواباً متعددة لفهم التجربة الإنسانية واستكشاف ما تختزنه الذاكرة من مشاعر ودلالات.
من الشياظمة إلى تابريكت.. رحلة امرأة نسجت حياتها بالخيط
يرسم الكتاب مسار حياة محجوبة بين فضاءين جغرافيين واجتماعيين؛ فمن منطقة الشياظمة، وتحديداً صويرة أمرامر، انتقلت إلى مدينة سلا، حيث تشكلت ملامح تجربتها الجديدة، بدءاً من باب بوحاجة وصولاً إلى أحياء تابريكت.
ولم تتح لمحجوبة فرصة الاستفادة من التعليم النظامي، ولا حتى من التعليم التقليدي في الكتاتيب القرآنية، غير أن حياتها ارتبطت بالخيط والعمل اليدوي، لتصبح تجربتها المهنية بمثابة مسار موازٍ للتعلم واكتساب الخبرة وبناء الشخصية.
وفي سن مبكرة، التحقت بمصنع «فيلروك»، الذي ارتبط اسمه بذاكرتها وبجزء كبير من حياتها. وهناك أمضت أربعين سنة من العمل، متنقلة بين تفاصيل المهنة وصعوباتها، شأنها شأن عشرات النساء اللواتي التحقن بمصانع النسيج في سلا والرباط، بحثاً عن مورد للعيش وضمان مستقبل أسرهن.
وهكذا، تحول الخيط في حياة محجوبة إلى رابط رمزي بين الماضي والحاضر، وبين موطن النشأة وفضاء العمل والاستقرار. فلم تكن مهمتها مقتصرة على الاشتغال بآلات المصنع، بل كانت تسعى، من خلال جهدها اليومي، إلى نسج حياة أسرية متماسكة وتأمين احتياجات أبنائها وبناتها.
رمزية اليد.. من حنان الأم إلى كفاح الطبقة العاملة
تحتل اليد موقعاً مركزياً في عنوان الكتاب وفي دلالاته العميقة، وهو ما يتوقف عنده عزيز لزرق في تقديمه، معتبراً أن أحمد القصوار اختار تفصيلاً جسدياً صغيراً ليجعله مدخلاً إلى عالم واسع من الذكريات والعلاقات والتضحيات.
فاليد، في هذه السيرة، ليست مجرد عضو من أعضاء الجسد، بل علامة تختزل حضور الأم في تفاصيل الحياة اليومية، وتمنح التفاصيل البسيطة قيمتها الإنسانية. ومن خلالها تتجسد معاني الرعاية والعطاء والعمل والمقاومة، لتتحول اليد الواحدة إلى رمز لأيدٍ كثيرة تشترك في صناعة الحياة.
وتتجلى هذه الرمزية في أبعاد متعددة؛ فاليد أولاً هي يد الأم الحاضنة، التي تستقبل الطفل وتمنحه الشعور بالأمان، وتؤسس علاقته الأولى بالعالم قبل تشكل اللغة. وهي أيضاً اليد المانحة للحنان والفرح، التي تسند الأبناء وتشجعهم على مواصلة الطريق، وتعلمهم معنى الحرية والاستقلال ومواجهة الصعوبات.
كما تحضر اليد باعتبارها رمزاً للعطاء الأسري، وللروابط التي تتجاوز أحياناً حدود النسب لتشمل الأمومة القائمة على الحب والرعاية والاحتضان. وفي هذا السياق، تستعيد السيرة قيمة العلاقات الإنسانية التي تصنعها المودة والتضحية، وتمنح الأسرة تماسكها ومعناها.
غير أن اليد لا تكتمل دلالتها من دون بعدها المهني والاجتماعي؛ فهي يد عاملة تنتمي إلى جماعة أوسع من الأسرة، هي الطبقة العاملة. وبذلك تصبح رمزاً لقوة الإنتاج، وللعلاقات التي تنشأ داخل فضاء العمل، وللتضامن والنضال الجماعي الذي تتشابك فيه أيادي النساء من أجل حياة أكثر استقراراً وكرامة.
«فيلروك».. ذاكرة صناعية من تاريخ مدينة سلا
يستعيد الكتاب، من خلال سيرة محجوبة، جانباً من تاريخ مصنع «فيلروك»، الذي ارتبط بحياة عدد من نساء سلا، وشكل فضاءً للعمل والإنتاج ونسج العلاقات الإنسانية والمهنية.
ومع اختفاء هذا المعمل من المشهد، أصبحت استعادة حكايته جزءاً من استعادة ذاكرة المدينة نفسها. فالمصنع الذي كان يوماً فضاءً حيوياً للعمل لم يعد حاضراً في الحياة اليومية بالصورة ذاتها، لكنه يستمر في الذاكرة بفضل الشهادات والسير الشخصية التي تحفظ تفاصيل مرحلة من تاريخ المجتمع المغربي.
وفي هذا الإطار، يمنح أحمد القصوار، من خلال سيرة أمه، صوتاً لنساء عملن في صمت، وأسهمن في الاقتصاد الأسري وفي التحولات الاجتماعية التي عرفتها المدن المغربية. فحكاية محجوبة ليست حكاية فردية معزولة، بل نافذة على تجارب نسائية متعددة، تتقاطع فيها مشقة العمل مع مسؤوليات الأسرة، ويتداخل فيها الطموح الشخصي مع واجب الرعاية والتضحية.
ومن هنا، تكتسب السيرة أهمية تتجاوز بعدها العائلي، لتصبح وثيقة إنسانية عن حضور المرأة العاملة في المجتمع، وعن معاناتها وصمودها وإسهامها في بناء الحياة اليومية.
الغياب والحضور.. يد لا يطالها النسيان
على الرغم من رحيل محجوبة بلحافة سنة 2012، فإن حضورها يظل ممتداً في ذاكرة ابنها وفي حياة من عرفوها وعاشروها. ويبرز تقديم عزيز لزرق أن الغياب الجسدي لا ينهي العلاقة بالأم، بل يحولها إلى أثر وجداني يتجدد عبر الذكريات والتفاصيل الصغيرة التي تظل حية في الوعي.
وفي استحضاره لفكرة الحزن على الأم، يستأنس لزرق بكتابات رولان بارت حول الفقد، وما يتركه غياب الأم من فراغ عاطفي لا تستطيع الكلمات أن تملأه بالكامل. وهكذا، يغدو الكتاب محاولة لمواجهة النسيان من خلال الكتابة، واستعادة ما يمكن استعادته من تفاصيل الحياة، مع الإقرار بأن التجربة الإنسانية تظل أوسع من أي سرد مكتمل.
إن «يد مي محجوبة» لا يكتفي برثاء الأم أو الاحتفاء بذكراها، بل يمنح حياتها معنى يتجاوز حدود الزمن الفردي، ويحول سيرتها إلى شهادة على أجيال من النساء المغربيات اللواتي عملن وكافحن وربين أبناءهن بعيداً عن الأضواء.
عناوين تستعيد تفاصيل الحياة
يتكون الكتاب من نحو 104 صفحات من الحجم المتوسط، ويضم مجموعة من العناوين التي ترسم مسار حياة محجوبة منذ طفولتها إلى أيامها الأخيرة، وتستعيد الأمكنة والأشخاص والمحطات التي شكلت تجربتها.
ومن بين هذه العناوين: «من صويرة أمرامر بالشياظمة إلى تابريكت سلا»، و«الطريق إلى بيت مي محجوبة»، و«دار عبد المولى»، و«من البوانتاج إلى الكانزة»، و«عرق الجبين»، و«امحمد، العربي، شامة والآخرون»، و«من للا بريكة إلى صويرة أمرامر»، و«أم العيد، الطاهرة، كوكو والأخريات»، و«فيلروك الذي في خاطري»، و«الاعتراف الرسمي بتضحيات أم عاملة»، و«المرض اللعين»، و«الأيام والليالي الأخيرة»، و«إشراقات الرحيل».
ومن خلال هذه الشذرات، يقدم أحمد القصوار تحية وفاء لأمه، ويعيد الاعتبار إلى ذاكرة المرأة العاملة، في عمل يلتقي فيه الخاص والعام، وتتحول فيه اليد من تفصيل في جسد الأم إلى علامة على الحب والكفاح والإنتاج، ومن سيرة فردية إلى ذاكرة جماعية لنساء مغربيات أسهمن في صناعة الحياة وتربية الأجيال.
إن «يد مي محجوبة» كتاب عن الأم، لكنه أيضاً كتاب عن العمل والذاكرة والمدينة والمرأة المغربية؛ شهادة أدبية وإنسانية على أن بعض الأيادي، حتى بعد الرحيل، تظل ممتدة في وجدان أبنائها وفي ذاكرة المجتمع.


