أصبحت الثقافة الشعبية في السنوات الأخيرة إحدى الوسائل التي يستعين بها الشباب للتعبير عن رفضهم للسياسات الحكومية ومظاهر الظلم والتضييق، إذ لم تعد شخصيات الأفلام والمانغا والمسلسلات مجرد عناصر ترفيهية، بل تحولت إلى رموز تحمل رسائل سياسية واجتماعية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. ويبرز علم القراصنة المستوحى من سلسلة المانغا اليابانية «ون بيس» باعتباره أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، بعدما ظهر في احتجاجات شبابية بفرنسا ودول أخرى.
وفي عدد من التظاهرات التي شهدتها فرنسا، لفت الأنظار علم أسود تتوسطه جمجمة مبتسمة ترتدي قبعة من القش، وهو الشعار المعروف لدى متابعي «ون بيس» باسم «جولي روجر» (Jolly Roger). وقد عاد هذا الرمز إلى الظهور في الاحتجاجات الطلابية والمسيرات التي شهدتها فرنسا، كما رُصد في تحركات احتجاجية ببلجيكا وإيطاليا واليونان، ليصبح علامة يتعرف إليها الشباب المتابعون للسلسلة بسهولة.
وتعود شعبية هذا العلم إلى ارتباطه بعالم «ون بيس»، العمل الذي ابتكره رسام المانغا الياباني إيتشيرو أودا، وتدور أحداثه حول مغامرات مجموعة من القراصنة المعروفين باسم «قراصنة القبعة القشية»، الذين يخوضون مواجهات مع سلطات مستبدة ويدافعون عن أشخاص يتعرضون للظلم. ومن خلال هذه المغامرات، تبرز موضوعات الحرية ومقاومة القمع والتضامن بين المهمشين، وهي معانٍ وجد فيها عدد من الشباب ما ينسجم مع مطالبهم وتطلعاتهم.
وانطلقت السلسلة سنة 1997، قبل أن تتحول إلى ظاهرة عالمية تجاوز انتشارها حدود اليابان. فقد تخطت مبيعاتها 500 مليون نسخة، وتُرجمت إلى نحو 40 لغة، كما سجلت رقما قياسيا في موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها سلسلة قصص مصورة من تأليف شخص واحد حققت أكبر عدد من النسخ المنشورة. ولم يقتصر نجاحها على المانغا، إذ امتد إلى مسلسل الأنيمي وأفلام سينمائية، فضلا عن نسخة تمثيلية أنتجتها منصة نتفليكس. وفي فرنسا تحديدا، تحظى السلسلة بقاعدة جماهيرية واسعة، وتحقق مجلداتها حضورا بارزا في سوق الكتب.
ولم يقتصر استخدام علم «ون بيس» على الاحتجاجات الفرنسية، إذ ظهر خلال تحركات شهدتها دول من بينها نيبال وإندونيسيا والفلبين والمغرب وإيطاليا والمملكة المتحدة. كما ارتبط ظهوره بسياقات احتجاجية متنوعة، شملت التحركات الطلابية والمظاهرات المناهضة لعنف الشرطة، والاعتراض على القيود المفروضة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب بعض المسيرات الداعمة للقضية الفلسطينية.
ويعكس انتشار هذا الرمز قدرة الثقافة الشعبية على توفير لغة بصرية مشتركة بين مجموعات شبابية لا تجمعها بالضرورة المطالب نفسها. فالعلم الذي كان جزءا من عالم خيالي أصبح بالنسبة إلى بعض المحتجين وسيلة للتعبير عن رفضهم للقيود وتطلعهم إلى الحرية، كما يمنحهم إحساسا بالانتماء إلى فضاء ثقافي عالمي يتجاوز الاختلافات المحلية.
وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة لدى جيل زد، الذي نشأ في بيئة رقمية تتداخل فيها الألعاب والمانغا والأفلام مع النقاشات الاجتماعية والسياسية. فالشخصيات الخيالية والرموز المتداولة عبر الإنترنت أصبحت قادرة على اختصار مواقف معقدة في صورة واحدة يسهل تداولها والتعرف إليها، وهو ما يفسر انتقال بعض الرموز من صفحات الأعمال الفنية إلى الشوارع والساحات العامة.
كما أن استعارة رموز من عوالم خيالية تمنح الاحتجاجات بعدا إضافيا، إذ تستند إلى قصص وشخصيات تحمل معاني راسخة لدى جمهور واسع. وعندما تتحول هذه المرجعيات إلى علامات في المجال العام، فإنها تتيح للمحتجين التعبير عن التضامن والتحدي من خلال لغة ثقافية مألوفة، من دون الحاجة دائما إلى شعارات سياسية مباشرة.
ولا يُعد علم «ون بيس» المثال الوحيد على توظيف الثقافة الشعبية في الاحتجاجات خلال السنوات الماضية، فقد شهدت حركات اجتماعية وسياسية مختلفة استخدام أقنعة وشخصيات وإشارات مستمدة من أفلام وروايات ومسلسلات، اكتسبت معاني جديدة حين انتقلت من الأعمال الفنية إلى الواقع.
ومن أبرز هذه الأمثلة قناع غاي فوكس المستوحى من فيلم «V for Vendetta»، الذي ارتبط بجماعة القرصنة الإلكترونية «أنونيموس» وظهر على نطاق واسع خلال حركة «احتلوا» سنة 2011. وقد تحول القناع إلى علامة تُستخدم لإخفاء هويات بعض المحتجين والتعبير عن العصيان ومناهضة السلطة، مستندا إلى الرسالة التي يحملها الفيلم بشأن علاقة الشعوب بحكوماتها.
وفي سلسلة «The Hunger Games»، التي كتبتها سوزان كولينز وتحولت إلى أفلام من بطولة جينيفر لورانس، برز الطائر الساخر «Mockingjay» والتحية ذات الأصابع الثلاثة باعتبارهما رمزين للمقاومة والتضامن مع المضطهدين. وانتقلت هذه الإشارات إلى احتجاجات واقعية، من بينها مظاهرات مناهضة للحكم العسكري في تايلاند وتحركات مطالبة بالديمقراطية في هونغ كونغ.
أما مسلسل «The Handmaid’s Tale»، المقتبس من رواية مارغريت أتوود، فقد ألهم نساء ارتدين العباءات الحمراء والقلنسوات البيضاء خلال احتجاجات شهدتها الولايات المتحدة عامي 2017 و2018، للتعبير عن رفضهن سياسات وقوانين اعتبرنها تهديدا للحقوق الإنجابية. ويستمد هذا الزي دلالته من العمل الذي يصور مجتمعا خياليا تُحرم فيه النساء من حريات أساسية ويُجبر بعضهن على الإنجاب.
وفي لبنان، استلهم متظاهرون خلال احتجاجات عام 2019 ملامح شخصية الجوكر، خصوصا المكياج الذي ظهر به خواكين فينيكس في الفيلم الذي حمل الاسم نفسه. واستخدم بعض المحتجين طلاء الوجه للتعبير عن الغضب الاجتماعي والاعتراض على الأوضاع القائمة، فيما أتاح لهم هذا المظهر أيضا إخفاء ملامحهم جزئيا.
وتكشف تجربة شخصية الضفدع «Pepe» بدورها كيف يمكن للرموز الشعبية أن تتغير دلالاتها بحسب الجهات التي تستخدمها. فقد ابتكر رسام الكاريكاتير الأميركي مات فوري هذه الشخصية سنة 2005، لكنها استُخدمت لاحقا في سياقات سياسية متباينة، بما فيها أوساط اليمين المتطرف في الولايات المتحدة خلال انتخابات 2016، وهو ما دفع مبتكرها إلى الاعتراض على توظيفها في خطاب الكراهية. وفي المقابل، أعاد محتجون مؤيدون للديمقراطية في هونغ كونغ استخدام الشخصية خلال احتجاجات عام 2019، في مثال يوضح أن الرمز الواحد قد يحمل معاني مختلفة تبعا للسياق الذي يظهر فيه.
وتؤكد هذه الأمثلة أن العلاقة بين الثقافة والسياسة لم تعد محصورة في الأعمال التي تتناول قضايا عامة بصورة مباشرة، بل امتدت إلى رموز خيالية يختارها الجمهور ويعيد توظيفها وفق تجاربه ومطالبه. وبين علم «ون بيس» وقناع غاي فوكس والطائر الساخر وشخصيات أخرى، باتت الثقافة الشعبية جزءا من المشهد الاحتجاجي المعاصر، وأداة للتواصل والتعبير عن مواقف تتجاوز حدود العمل الفني الذي انطلقت منه.
طنجة الأدبية

