أضافت المكتبة البريطانية إلى مجموعاتها الأدبية أرشيف الكاتبة والروائية والناقدة البريطانية أنطونيا سوزان بيات، بعد ثلاث سنوات من رحيلها، في خطوة تتيح حفظ جانب مهم من مسيرتها الإبداعية والكشف عن تفاصيل جديدة من تجربتها في الكتابة. وتضم المجموعة 68 صندوقاً من المخطوطات والمراسلات واليوميات والوثائق الشخصية، ومن المتوقع أن تستغرق عملية فهرستها نحو عامين، وفق ما نقلته صحيفة «ذا غارديان» عن هيلين ميلودي، المسؤولة عن الأرشيفات الأدبية والإبداعية المعاصرة في المكتبة البريطانية.
ومن المنتظر أن ينضم أرشيف بيات إلى مجموعة من المحفوظات الأدبية التي تحتفظ بها المؤسسة لعدد من الأسماء البارزة في الأدب البريطاني، من بينهم أنجيلا كارتر وبيريل بينبريدج وغراهام سويفت وحنيف قريشي. وتكتسب هذه الوثائق أهميتها من كونها لا تقتصر على حفظ الأعمال المنشورة، بل تكشف أيضاً عن المراحل الأولى لتشكل الأفكار الأدبية، والتحديات التي واجهت الكاتبة أثناء تطوير مشاريعها الروائية والنقدية.
وتشمل المواد المحفوظة مسودات بخط اليد لرواية «استحواذ»، التي نالت جائزة بوكر عام 1990، إلى جانب وثائق مرتبطة بروايتي «العذراء في الحديقة» و«كتاب الأطفال»، فضلاً عن يوميات تعود إلى سنوات شبابها. وتقدم هذه اليوميات صورة عن تساؤلات بيات المبكرة بشأن قدراتها الإبداعية وطموحاتها الأدبية، إذ عبّرت فيها عن شكوكها حول مدى جديتها في التعامل مع نفسها بوصفها كاتبة، كما أبدت خشيتها من أن تؤثر نزعتها إلى التفكير التجريدي في قدرتها على ابتكار شخصيات روائية مقنعة.
ويضم الأرشيف كذلك مراسلات مع كتّاب ينتمون إلى أجيال مختلفة، من بينهم الروائية والفيلسوفة آيريس مردوخ، التي شكلت أعمالها محوراً أساسياً في جانب من المشروع النقدي لبيات. فقد أصدرت الأخيرة كتاب «درجات الحرية»، الذي تناولت فيه الروايات الثماني الأولى لمردوخ، متتبعة حضور مفهوم الحرية وعلاقة الفن بالأخلاق، ومحللة الكيفية التي انعكست بها الأفكار الفلسفية على بناء الشخصيات والعوالم الروائية.
وتكشف دفاتر العمل المحفوظة عن الجهد الذي كانت تبذله بيات في بناء رواياتها، بدءاً من وضع الخطوط الأولى للأحداث، مروراً بتطوير الشخصيات، وصولاً إلى ضبط العلاقات بينها وتنظيم التسلسل الزمني. وتبرز هذه العملية بوضوح في مسودات «استحواذ»، التي تمتد إلى مئات الصفحات، وتوثق مراحل متتابعة من المراجعة والتعديل قبل أن تستقر الرواية على صورتها النهائية.
وترتبط بدايات هذا العمل بفترة قضتها الكاتبة في المكتبة البريطانية أواخر ستينيات القرن الماضي، حين لفت انتباهها وجود باحثة متخصصة في أعمال الشاعر صمويل تايلور كولريدج. وأثار المشهد اهتمامها بالعلاقة بين الباحثين والكتّاب الذين يدرسون أعمالهم، وهي فكرة تطورت لاحقاً إلى مشروع روائي. واستندت بيات في تطويره إلى قراءاتها لأعمال روبرت براوننغ وجورج إليوت وهنري جيمس، كما استفادت من تأملات أمبرتو إيكو بشأن روايته «اسم الوردة».
وعلى امتداد مسيرتها، جمعت أنطونيا سوزان بيات بين كتابة الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي، وقدمت أعمالاً رسخت مكانتها ضمن أبرز الأصوات الأدبية البريطانية المعاصرة. ومن أشهر مشاريعها رباعية «فريدريكا»، التي تضم روايات «العذراء في الحديقة» و«حياة ساكنة» و«برج بابل» و«امرأة تصفّر». وقد تُرجمت كتبها إلى 32 لغة، بما يعكس اتساع حضورها خارج الفضاء الأدبي البريطاني.
ووصلت بعض أعمال بيات إلى القارئ العربي، من بينها رواية «راجناروك: نهاية الآلهة»، التي صدرت بترجمة سارة علام عن مؤسسة هنداوي عام 2021. وتعيد الرواية قراءة الأساطير الإسكندنافية من خلال تجربة طفلة عاشت أجواء الحرب العالمية الثانية، في عمل يمزج بين الذاكرة والتخييل والأسطورة.
كما امتد اهتمام بيات إلى التراث السردي العربي، إذ أعدت طبعة من مختارات «ألف ليلة وليلة» اعتماداً على ترجمة ريتشارد فرانسيس برتون، صدرت عن دار «مودرن لايبراري» عام 2001. ويمنح أرشيفها، بما يتضمنه من مسودات ويوميات ورسائل، فرصة أوسع لفهم مصادر هذا التنوع في اهتماماتها، والتعرف إلى المسار الفكري والإبداعي الذي أسهم في تشكيل عالمها الأدبي.
طنجة الأدبية

