الرئيسية ⁄ أخبار ⁄ اللوفر يستعيد إرث أندريه مالرو في الذكرى الخمسين لرحيله

اللوفر يستعيد إرث أندريه مالرو في الذكرى الخمسين لرحيله

أندريه مالرو

يستحضر متحف اللوفر في باريس تجربة الكاتب والناقد الفرنسي أندريه مالرو، بمناسبة مرور خمسين عاماً على رحيله، من خلال برنامج ثقافي يُرتقب تنظيمه خلال خريف العام الجاري، إلى جانب إصدار بحثي يسلط الضوء على علاقته بالمتحف وأثره في تشكيل رؤيته للفن. وتعود هذه العلاقة إلى سنوات سبقت توليه وزارة الثقافة الفرنسية، إذ مثّل اللوفر فضاء أساسياً في تكوين اهتماماته الفنية وتطوير أفكاره النقدية.

وشكلت الرحلات التي قام بها مالرو إلى آسيا مصدراً مهماً لموضوعات عدد من رواياته، بعدما عمل صحافياً في الهند الصينية خلال منتصف عشرينيات القرن الماضي، حيث عُرف بمواقفه المنتقدة للإدارة الاستعمارية. وانعكست تجربته في كتاباته التي انشغلت بمصير الإنسان وعلاقته بالظروف السياسية والاجتماعية المحيطة به، كما تجلى ذلك في روايته الشهيرة «الشرط الإنساني»، التي تناول فيها أوضاع الأفراد في مواجهة التحولات والصراعات، مع التأكيد على إمكانية مقاومة الواقع والعمل على تغييره.

ويتضمن البرنامج المرتقب لقاءات مع آلان مالرو، ابن الكاتب بالتبني، والباحثين المتخصصين في أعماله ميكائيل وفرانسوا دو سان شيرون، إلى جانب جولات إرشادية تتيح للزوار اكتشاف متحف اللوفر من منظور مالرو وتجربته الشخصية. وستتناول هذه الفعاليات اهتمامه بالفن المسيحي وقراءاته لأعمال عدد من كبار الفنانين، من بينهم رامبرانت وغويا وإل غريكو.

وتسعى هذه المبادرة إلى إعادة بناء العلاقة التي ربطت مالرو باللوفر، حيث كان يتردد على أروقته كل يوم ثلاثاء خلال فترة عضويته في المجلس الوطني للمتاحف، متأملاً الأعمال الفنية ومستكشفاً الروابط التي تجمع بينها، بعيداً عن الحواجز الزمنية والجغرافية. وقد أسهمت هذه التجربة في بلورة تصوره للفن باعتباره تعبيراً عن قدرة إنسانية مشتركة، تستطيع أعماله التواصل مع جمهور ينتمي إلى ثقافات وعصور مختلفة.

وفي إطار الاحتفاء بإرثه الفكري، يصدر كتاب جماعي بعنوان «مالرو واللوفر»، يضم دراسات تتناول مجموعة من الأعمال الفنية الموجودة ضمن مقتنيات المتحف، وتبحث في علاقتها بأفكاره النقدية. كما يشمل البرنامج عرض فيلم وثائقي يحمل عنوان «مالرو، اللوفر والمتحف المتخيّل»، من إخراج رافاييل بورغوا، يستكشف مدى امتداد أفكار الكاتب إلى عصر الذكاء الاصطناعي.

ويجمع الفيلم بين مقابلات وجولات لمالرو داخل المتحف، ومقاطع مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لاستحضار مفهوم «المتحف المتخيّل» الذي صاغه الكاتب، والقائم على إعادة تقديم الأعمال الفنية عبر الصور والكتب، بما يسمح بمشاهدتها خارج أماكنها الأصلية ويمنحها فرصاً جديدة للتفاعل مع الجمهور.

ويأتي هذا البرنامج بعد معرض «أندريه مالرو، الكاتب»، الذي احتضنته غاليري غاليمار واختتم في يوليو الماضي، وضم نصوصاً ووثائق شخصية ومخطوطات نادرة عُرض بعضها للمرة الأولى. وركز المعرض على الصلة الوثيقة بين الكتابة والنضال السياسي في تجربة مالرو، إلى جانب اهتمامه بالفن والتصوير ودورهما في المجتمع.

وعُرفت أعمال مالرو الروائية بتركيزها على سلوك الشخصيات ووضعها أمام اختبارات سياسية وأخلاقية معقدة، غير أنه توقف عن كتابة الرواية في مرحلة كانت فيها شهرته في أوجها، متجهاً إلى الدراسات النقدية والفكرية المرتبطة بالفنون. ويظل مفهوم «المتحف المتخيّل» أبرز إسهاماته في هذا المجال، بعدما بدأ تطويره منذ أربعينيات القرن الماضي.

وتقوم هذه الفكرة على جمع أعمال فنية تنتمي إلى أزمنة وأماكن متباعدة، ووضعها في سياق يسمح بالمقارنة بينها واكتشاف أوجه التشابه والاختلاف. ووفق هذا التصور، لم يعد المتحف مرتبطاً بالضرورة بمبنى يحتضن القطع الأصلية، إذ يمكن للصور الفوتوغرافية أن تتيح إعادة عرضها وترتيبها في مجموعات جديدة، تفتح المجال أمام قراءة مختلفة لتاريخ الفن.

وقد أثار هذا الطرح نقاشاً حول مدى إمكانية فصل العمل الفني عن سياقه الديني أو التاريخي، إلا أن مالرو رأى في المقابل أن الفن قادر على بناء جسور بين الحضارات، بفضل ما تحمله الأعمال من طاقة تعبيرية تتجاوز حدود المكان والزمان. ومن هذا المنطلق، يظل مفهومه للمتحف المتخيّل مدخلاً لفهم رؤيته إلى الفن بوصفه مجالاً للحوار الإنساني، وهو ما يمنح استعادة تجربته اليوم أهمية خاصة في ظل التحولات الرقمية والتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *