احتضنت الدورة الخامسة والثلاثون من معرض أبوظبي الدولي للكتاب عرض مخطوط نادر يتضمن جزءاً من “رحلة” الرحالة المغربي ابن بطوطة، ويوثق مشاهداته لعدد من مدن وموانئ الخليج، إلى جانب طرق السفر وصيد اللؤلؤ في المنطقة قبل نحو سبعة قرون. وبيع المخطوط بحوالي مليون درهم إماراتي، بعدما قدمه تاجر الكتب النادرة اللندني بيتر هارينغتون، وذلك ضمن فعاليات المعرض المقامة في مركز أدنيك أبوظبي إلى غاية 18 شتنبر الجاري.
ويغطي المخطوط مرحلة من أسفار ابن بطوطة تمتد بين عامي 1325 و1333، وهي الفترة التي بدأ خلالها رحلته من طنجة، قبل أن ينتقل عبر القاهرة ودمشق والمدينة المنورة ومكة، ثم العراق وفارس والبحر الأحمر وشرق أفريقيا والخليج والأناضول وآسيا الوسطى. ويتوقف الجزء المحفوظ من النص عند حديثه عن مدينة نيسابور، الواقعة في إيران حالياً، وهو ما يجعله مقابلاً للمجلدين الأول والثاني وبداية المجلد الثالث من الترجمة الإنجليزية التي أنجزها المستشرق البريطاني هاملتون ألكسندر روسكين غيب في أربعة مجلدات.
ويقدم النص تفاصيل مهمة عن رحلة ابن بطوطة إلى الحجاز، ولا سيما زيارته للأماكن المقدسة، قبل أن يواصل رحلته نحو مناطق الخليج والشرق. وتكتسب روايته عن الحج أهمية خاصة باعتبارها واحدة من ثلاث شهادات مباشرة رئيسية من العصور الوسطى عن الرحلة إلى مكة، إلى جانب ما أورده الرحالتان ناصر خسرو وابن جبير، الأمر الذي يمنح هذا الجزء من “الرحلة” أهمية للباحثين في تاريخ الحج وطرق الوصول إلى مكة خلال تلك الحقبة.
ويحظى وصف ابن بطوطة للخليج بمكانة بارزة ضمن المخطوط، إذ يتضمن ما يوصف بأنه أقدم وصف باقٍ لجنوب الخليج في مرحلة ما بعد صعود هرمز الجديدة في بداية القرن الرابع عشر. فقد سجل الرحالة المغربي مشاهداته خلال زيارته قلهات ونزوى في عُمان، إلى جانب كلباء وخورفكان في الإمارات الحالية، كما تحدث عن نشاط صيد اللؤلؤ قبالة سواحل البحرين والقطيف.
وتكشف هذه التفاصيل عن طبيعة الحياة في المدن والموانئ الساحلية بالخليج، وعن الأنشطة البحرية والاقتصادية التي كانت حاضرة في المنطقة آنذاك، فضلاً عن دور الموانئ في حركة التجارة والتنقل البحري. كما تقدم صورة عن المجتمعات والعادات والطرق التي عرفها ابن بطوطة خلال تنقله بين مختلف المناطق.
وتتجاوز قيمة “الرحلة” الجانب الجغرافي، إذ يضم الكتاب أوصافاً للمدن والأسواق والطرق والعادات والسلطات المحلية والممارسات الدينية والمجتمعات التي التقى بها الرحالة خلال أسفاره. ولهذا أصبح العمل أحد أبرز نصوص أدب الرحلة في التراث العربي، فضلاً عن كونه مصدراً تاريخياً وجغرافياً مهماً لدراسة العالم الإسلامي خلال القرن الرابع عشر.
وتكتسب النسخة التي عرضت في أبوظبي أهمية خاصة باعتبارها شاهداً مادياً نادراً على تاريخ تداول نص ابن بطوطة ونسخه عبر القرون. فقد وصل الكتاب إلى العصر الحديث من خلال نسخ متعددة، بعضها كامل وبعضها الآخر ناقص أو مختصر، وهي موزعة اليوم بين مكتبات ومجموعات مختلفة.
ومن أبرز الشواهد القديمة المعروفة نسخة ناقصة مؤرخة بسنة 757 هجرية، أي بين عامي 1356 و1357 ميلادية، والمحفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية وتحمل توقيع ابن جزي. كما توجد نسخ أخرى من “الرحلة” في المكتبة نفسها وفي جامعة كامبريدج، وهو ما يعكس المسار الطويل الذي قطعه النص منذ تدوينه وتداوله في العصور الوسطى.
ويأتي المخطوط الذي بيع في أبوظبي في صيغة رباعية، بأبعاد تبلغ 250 في 190 مليمتراً، وهو مكتوب على ورق مضلع بالخط المغربي. كما يحمل غلافه جلداً بنياً داكناً يميل إلى السواد، مزيناً بزخارف نافرة وأخرى مذهبة. ولم تحدد المعطيات المنشورة بشأن عملية البيع تاريخ نسخ المخطوط أو اسم الناسخ، لذلك لا يمكن ربطه بالنسخة القديمة المحفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية.
أما “الرحلة” في صيغتها التي عُرفت لاحقاً، فقد دُوّنت بعد عودة ابن بطوطة إلى المغرب، حين أملى تفاصيل أسفاره على الكاتب ابن جزي بطلب من السلطان المريني أبي عنان فارس. وتولى ابن جزي صياغة الرواية وتدوينها، قبل أن تكتمل صورتها النهائية في صفر سنة 757 هجرية، الموافق لفبراير 1356، تحت عنوان “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، وهو الكتاب الذي اشتهر لاحقاً باسم “رحلة ابن بطوطة”.
طنجة الأدبية

